Facebook
التأويل بين الصورة والنص PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عصام عباس أمين   
الأحد, 11 أيار/مايو 2014 17:06

 

soraaawns
لايجوز تكرار النشر دون الاشارة لمجلة سطور

 

في كورس دراسي في ايطاليا، تعرفت على صديق من موريتانيا، كان يتحدث الفرنسية بطلاقة، أما انكليزيته فلم تكن أفضل مني في أحسن الأحوال، وفي لقاءاتنا المتكررة في شوارع روما، كان محمد "الموريتاني" يلفت انتباهي باستمرار إلى قوة وتأثير الصورة في الإشهار عن منتوجات وبضائع وعروض جديدة، وكان يقول بانكليزيته الركيكة انظر صديقي إنها الـ (Promotion) التي كان يقصد بها الترويج... وكنت أقول له نعم صديقي، الصورة لا تحتاج إلى ترجمة... إلا إن قراءاتنا لها تتعدد بتعدد الناظرين.
من طبيعة أية صورة، إنها تخفي الثقافة في عمقها.. وللصورة أبنية ومستويات مختلفة وان للمعنى فيها ضروب وطبقات... وأعمق تلك الضروب والمعاني والمستويات لا ينكشف للقارئ إلا إذا كان مزودا بجملة من المعارف ولديه ممارسة مسبقة في التأويل.
في الصورة نحن أمام لغة جديدة هي لغة الصورة، التي تختلف كليا عن لغة الكلام... الصورة تمتد على المكان وتتسم بالانفتاح والانتشار... ووحداتها الألوان والأشكال.. فإذا كانت اللغة تضم وحدات معجمية قابلة للجرد وخاضعة للنظام ومكتسبة لدلالات موجودة بالفعل، نجد إن الصورة تقوم على وحدات تمثيلية، أشكالها متعددة وتصنيفها متعذر، وهي في حد ذاتها لا تحمل أي دلالة إلا في سياقات مخصوصة وبعد ضروب من التوليف والاستثمار الدلالي الذي يختلف من قارئ لآخر.
حجاج الصورة عادة تكون بالجملة وليس ناتج من إنشاء علاقات معينة بين الأشياء... أما حجاج اللغة فهو حجاج يقوم على سلسلة من الاستنتاجات بناءا على مقدمات تفضي إلى نتائج... لهذا يمكننا أن نقول بان حجاج الجملة يولد شبكة من الاستدلالات، تخضع للصدفة أكثر مما تخضع للنظام لان أساس تلك الاستنتاجات اعتمدت الوحدات في الصورة والتي تقوم على الاسترسال والظهور للعين الناظرة دفعة واحدة.. لا شكلا شكلا.
في الوقت الذي نجد فيه إن الحجاج العقلي هو الذي يهيمن على النص، نجد إن الحجاج العاطفي هو الغالب على الصورة، وهو الذي يحرك فينا العاطفة ويستثير الانفعال. ولهذا نستطيع أن نقول بان حجاج الصورة اقرب إلى التعبئة والتجيش منه إلى الإقناع لأنه يغلب عليه الغموض وأحكام القيمة ويغيب عنه البرهان وتماسك الحجج...
لذلك لا يمكن تأويل الصورة إلا إذا قمنا بعملية تحويلية تقوم على ترجمة ما في الصورة عبر اللغة لما قد وقعت عليه أعيننا وما شعرت به نفوسنا من أشياء محددة في الصورة... وهذه الترجمة مهما كانت صادقة وأمينة إلا أنها تبقى عاجزة على أن تستوفي ما في الصورة من طاقة حجاجية، فإخراج الصورة في صياغة لغوية لا يعني البتة إنها مساوية لها (فلا يعادل الصورة إلا الصورة).
يعتمد فهم النص وتأويله على جهد ذهني ينجزه المتلقي.. ومدار هذا الجهد هو القيام بمجموعة من الاستنتاجات والتقديرات للنفاذ إلى جملة الافتراضات التي بني عليها النص والتي تكشف عما وراء كل عملية بث من دواع ومقاصد، فليس التأويل في النهاية إلا ضرب من إعادة بناء المقصد الذي حرك صاحب النص ودعاه إلى الكتابة.
لكن فهم الصورة وتأويلها تبقى بحاجة إلى امتلاك خبرات وتدريبات معينة نفتقر إليها في الوقت الحاضر في مناهجنا الدراسية وطبيعة حياتنا اليومية، رغم انغمارنا وسط كم هائل من الصور والإعلانات الضوئية، مما يجعلنا عاجزين اغلب الأحيان عن التقاط ما ترمز إليها تلك الصور بشكل نهائي، ولنا في صورة التفاحة على منتوجات (ابل) خير مثال عن نقص الفهم الذي قصده مصمم هذا الشعار، الذي كان يريد من خلاله استفزاز رغبة المعرفة فينا وإكمال قضم التفاحة على خطى أبونا آدم وسيدنا نيوتن.