Facebook
في حضرة أبي كلكامش PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الدكتورة سهام جبار   
الثلاثاء, 06 آب/أغسطس 2013 19:11

 

abona
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

كانت زيارتي لمتحف Pergamon هي المحطة الأخيرة من مجمل زياراتي لمتاحف برلين، وكانت أكثرها أهمية وخصوصية.. لقد شعرتُ بأني أدخل بيتاً من بيوت الله الكثيرة في بلدي العراق، رأيتُ في مدخل المتحف صورة أبي كلكامش وقد تجمّع عليه الناس وشملتهم القدسية فلا يتكلمون إلا همساً، إعتنى عددٌ كبير من الناس بتصويره والوقوف إلى جانبه فضلاً عن تأمل عظمته، وقد تأبّط أسداً وحّدق مبتسماً، كانت ملحمته منقوشةً بالألمانية في زوايا المداخل لمن يقرأ وقوله الموضوع أسفل المنصة: أنا الملك، يدوّي في عقول المتأملين من حوله القادمين من كل العالم..
قلتُ لسائحةٍ فرنسية إنه أبي، لقد جيء به إلى هنا وكان الأولى أن يكون هناك في بلادي.. لقد سرقه علماء عارفون قدره، لقد جاءوا ببوابة عشتار أيضاً، نقلوها بصناديق حجراً حجراً ورتبوها هنا، لقد وجدوا أن السومريين أجدادي قد وضعوا لكل حجرٍ رقماً فهي مرقمة ومرتّبة.. شعورٌ كبير بالعجز وقلة الحيلة يجعلني أتمنى لو أوقف الرائحين الغادين وأقول: لماذا هذا الذي حدث في بلاد الخلق الأول، في جنة عدن الخالقين، لكن ليس غير الدمع يتحدث.
في السويدية ثمة كلمة (ursprung) وتعني الأصل. تفسر الكلمة على أنها متألفة من قسمين هما (ur) وتعني مدينة أور التي ولد فيها نبي الله ابراهيم الخليل عليه السلام، و (sprung) وتعني الركض، فمعنى الأصل لديهم قائم على أساس القدوم من أور، أو الركض منها.. كل شيء بدأ من أور هذه التي يتكالب عليها القتل والأذى والكراهية، أور التي جاء منها الخليل وكل نسله وصولاً الى نبينا وأئمتنا، هم من طينة وجودنا نفسها هذه الطينة الموجودة في بلدان العالم القصيّة حيث تجنى ثرواتها وتُعرف قيمتها، وتدّعى لها.. لقد دفعتُ أجوراً لأرى هذا التراث، تراثي.. شمممتُ كل تراب المنحوتات العظيمة الأولى، تنفّستُها إذ طالما سجدتُ على هذا التراب وأعرفُ عبقه، قابلتُ سيدة الوركاء بدمعي، حدّقتُ بفخارٍ لطالما شربت أمي وآبائي من فخارٍ نظيره، ملأتُ عينيّ من شبعاد وحليّها، اقتربتُ من أوراق البردي المحفوظة بعناية في خاناتٍ زجاجية، سرتُ بمحاذاة الألواح السومرية والنقوش الآشورية والتماثيل واللقى العراقية القديمة.. درتُ بالمكان لكني كنتُ والعراق وحيدين غريبين بعيدين ساهمين...