Facebook
رسالة في حبّ الأوطان PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كريم راهي   
الخميس, 18 تموز/يوليو 2013 22:50

 

kremrahe
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

يُراهن العالم الروسي بافلوف، بعد تجاربه المضنيةِ على الكلاب، على سنوات النشأة الأولى في حياة الإنسان، وتأثيرها على شخصيته ومستقبله، لأنها تترك علاماتِها التي تسير حياته وفق الطريقة التي أثرت عليه ظروفها تلك.

وأراهن أنا، على ذلك في حياة الكلاب أيضاً، مع مراعاة الفرق بين من يحيا منها بكلبية ، ومن يعيش برفاهيّة وفّرتها لهُ البيئة التي نشأ فيها.

لقد ولدت (قندة) وفي فمها رضّاعة من ذهب.

بعد أن ذهبت محاولاتي أدراج الرياح، في حماية بيتي ببغداد من اللصوص والرفاق الحزبيين، إبّان سنوات الحصار، وبات الإحتفاظ برشاشة كلاشنكوف نصف أخمص، دون أيّة دراية بكيفية استعمالها، شيءً أشبه بالاحتفاظ بلعبة طفل مكسور.
جاءني الحل الربّاني يوماً، في اتصال هاتفي من أحد العارفين بأمري:
- بيت ظمياء ولدت كلبتهم خمسة جراء، وهم ليسوا بحاجة لها، هل ترغب بالحصول على واحد أو أكثر منها؟
الإجابة في هذه الحالة لا تخصني وحدي، ركب زيد إلى جواري، وانطلقت إلى حي الأعظمية ببغداد، حيث بيت أم ظمياء. لم يستغرق الأمر كثيراً من التفكّر، كانت عيناها الصغيرتان تشيان بنظرة غريبة ميّزَتها عن الذكور الأربعة، لم أدرك حينها أنها أنثى إلا بعد أسابيع، ما جذبنا إليها هو صوت عواءٍ خفيض كان يحمل نغمة توسل، إضافة لتلك النظرة التي أسَرتنا. وضعناها في سلّةُ وكانت ترتجف، وجرينا بها إلى حي الأعلام. حيث مكانُها قد جُهّزَ على عجلٍ في الحديقة، مع رضاعةِ كانت تخصّ ابني وجدناها في صندوق تذكاراتِه، وحيث الدكتور عدنان وصندوق لقاحاته ينتظران.
بعد عدّة أشهر جاء (رحمن أبو عوف)، وبصحبتِه اثنان أبناء من عمومته، يتفاوضان معي حول شراء لعبة الأطفال تلك، المركونة تحت السرير.
- مائة وخمسون ألف دينار.
- بل وخمسة وعشرون عجل يابه.

تتمّ الصفقة. يخرج الثلاثة وبحوزتهم البندقية مع (شاجورين) وثلاثين طلقة إضافيّة، وأضع أنا في جيبي ما يعادل المائة دولار، أمضي إلى عيادة عدنان لأسدد مابذمتي من أدوية (قندة) ولقاحاتِها، فيما تأوي هي إلى مكان نومها في الفناء الخلفيّ، لتحلُم.

في صيفٍ مثل هذا الآن، عراقيّ بجدارة، وفي ايّامٍ مثلُ هذا ضروريّة لأن ينضج الرطب فيها، وحيث تكون القيلولة بعد يوم عملٍ مضنٍ جدّ ضرورية، تكون (قندة) قد اتخذت مكانها قرب صحن الستلايت، المغطى جيّداً خوفاً من وشاية جاري الرفيق (أبي صلاح) الذي يشرف سطح دارِه على فناء داري حيث الصحن. كانت عقوبة من يمتلك مثل هذا الجهاز آنذاك السجن ستة أشهر وغرامة تقدّر بعشرة أضعاف الثمن الذي بيعت به بندقيتي. لم يكن مصرحاً للعراقيين آنذاك غير مشاهدة قناة الدولة الرسميّة التي لم يكن وجه (القائد الفذّ) ليغيب عنها. لكنّني كنتُ على أيّة حالٍ ليس ممن يرضخون لمشاهدة تلك السحنة القبيحة.

هل سأبدأ بالحكاية الآن؟
صوتٌ ما، ارتطام شيء لدنِ بالجدار يوقظني فزِعاً من قيلولتي، ثمّ أرى كرةً تتدحرجُ لتستقر قرب صحن الستلايت، حيث (قندة) في قيلولةٍ شبيهة، مستمتعةً بتيار الهواءِ البارد الذي يأتيها قويّاً من فتحةٍ أسفل الباب.
أرى من فرجة الستارة عبر الشباك صبيّاً يتسّلّق السور، يتناول الكرة، ثمّ يخرجُ ويوصد الباب وراءه وكأنها باب منزله، بينما تكتفي قندة بأن ترفع رأسها قليلاً عن الأرض، وتعاود النوم.
ماذا! .. فار الدم من رأسي وأخذ منّي الهلع مأخذه. فيمَ إذن وجود هذا الحارس الذي كلفني من المال والجهد والوقت في رعايته ما كلّف؟ الأمر يحتاجُ إلى تصرُّفٍ عاجل، أحمقٍ كان وقتها..... باب الدار ينفتحُ على مصراعيه، تهرب قندة عاوية، فيما أنا أرغي وأزبد وأشتم والعصا في يدي ما تزال ملوّحة.
شخصية قندة، تذّكر شيئاً، بواحدة من الشخصيات التي كُنا نخترعُها ونصوغ حولها النكات في الحديقة ليالي الخميس، (الجمعُ المؤمن) بالحياة واللذة إيّاه، شخصيّة الشاب المخنّث الذي صار يُطلقُ عليه فيما بعد (كيكي)، حين أرسلهُ أبوه لشراء خروف العيد من السوق، فجاءه بحملٍ هزيلٍ جدّا:
- ماهذا! صاح الأبُ غاضباً..
- لا يهمّك الجسم باباتي!... شوف عيونه تجنن؟

قلتُ أن قندةَ ولِدت وفي فمها (رضّاعةٌ) ذهبيّة، ونشأت فترة الطفولة والصبا، وهي لا تأكل إلا عظام الدجاج المطبوخة جيّداً والموضوعة في صحنٍ خاص، ولا تشربُ إلا من الصنبور. في الشتاء يكون ملاذُها خلف فناء البيت حيث السخّان، وفي الصيف قرب باب الغرفة التي يتسرب تيار هواء شديد البرودة منها. تنام في وضع لم آلفهُ عند الكلاب قط، ظهرها للأسفل، وقوائمها للأعلى، لم يك مخلوق بدلالها قد خُلِق آنذاك حسب علمي. لون فروتها اسود لامع ونظيف، وتشع منها رائحة الشامبو والمعطرات. حمام يومي صيفاً، وأسبوعي مغلق شتاءً. كان بيتي وطناً حقيقيّاً لتلك الكلبة. وكنتُ أخالُها حارسة ونديمة.
مرّة كنتُ وحيداً، ولم يكن أحدٌ من الندمان بصحبتي، كنت قد جهّزت المائدة والكراسي، ولم يأتِ أحد. كتبتُ يومها سونيتهً أذكر منها بيتي الختام هذين:

ولئن رأيتُ إلى كراسيّ النُدامى خاوية
ناديتُ (قندةَ) فاستجابت عاوية.

لم تخيّب آمالي ليلتها كنديمة، لكنّها خيبتها كحارسة ظهيرة. أحكمتُ إغلاق الباب الخارجيّ يومذاك بالسلاسل والأقفال، ثمّ رحتُ في نومةٍ غير هانئة.
كنتُ مابين النوم واليقظةِ حين سمعتُ ما يُشبِهُ الطرق على الباب، وعواءً أميّزه، ذكّرني بصوتِ توسّلها يوم رأيتُها أوّل مرّة.
لا أدري ما الذي كان قد حلّ بها تلك الليلة، لكنّي خمّنتُ شيئاً واحِداً، أنها لم تطِق الحياة الكلبية خارج المنزل، كانت جريحةً ومُدمّاة، وفروتها الجميلة متّسخةً والأوحال تقطر منها. منظرٌ لن أنساه ما حييت. فتحتُ الباب فرمَقتني بنظرةٍ عتبٍ كسيرة، فهمتُها تماماً، ثمّ هرولت حيث مكانها في الفناء الخلفيّ، دون أيّة نأمة.
صباح اليوم التالي، جاء الدكتور عدنان بصندوق عُدتّه، قال بعد الفحص، أنها تعرّضت لاعتداء شرسٍ من قطعان الكلاب الضالّةِ في الخارج، وأنّ الأمر لا يستدعي الكثير من القلق. وضع الضمادات ولقّحها ومضى.

كنتُ ذلك الصباح المشرق، قد استجمعتُ كلّ الأفكار والأناشيد المدرسيّة التي أتذكرها في حبّ الوطنُ لألقيها عليها كخطبة رنّانة، يبدو أنها فهمت المغزى منها:

- أرأيتِ؟ هل عرفتِ ماذا يعني أن يعيشَ الإنسانُ خارجَ وطنِه يا قندة؟ هل عرفت معنى التشرّد وشظف العيش ولو لسويعات؟ أما كان الأحرى أن تكوني على قدر من المسؤولية الملقاة على عاتقِك ككلبة حراسة إضافة لكونك نديمة وصديقة؟

وكنتُ أسمعها تلهثُ ولسانها مندلقٌ، وهي تحدّق بي بعينيها الصغيرتين اللامعتين وكأنها تريد أن تنشِد:
- وطني لو شُغلتُ بالخلدِ عنهُ.. نازَعتني إليهِ في الخُلدِ نفسي.

عدتُ من عملي المضني كالعادة، وفكّرتُ في سويعة قيلولة يستعيدُ فيها جسدي بعضاً من الراحة. لكن... الصوت ذاته، صوت الإرتطام، والكرةُ ذاتُها، والصبيّ عينّهُ يتسلق، يريد أن يستعيد كرتَه ويغادر.. ثم صوت يأتيني صراخه من الخارج:
- آآآآآآآآخ!..هذه الكلبة بنت الكلب لا أدري ماذا حلّ بها؟ أظنّها جُنّت، لقد اقتطعت قطعةً من قميصي انظروا، ولولا أنني تداركتُ أمري وهربت لكنت الآن نزيلاً في مستشفى الطوارئ.

نظرتُ إلى قنده، كانت عيناها متسعتين أكثر، وأذناها مرفوعتين، وذيلُها يهتزّ، ولم يكن لسانُها مندلقاً كالعادة.. كان تصكّ بفكّيها على ما اقتطعتهُ من قميص الصبيّ، وتقول بفمٍ مطبق، وبلغةٍ كلبيّةٍ أعرفها تماماً:
- عو عو! لقد فهمتُ المغزى، الوطن أمانة.