Facebook
هارب الى الجحيم PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: نصيف الناصري   
الثلاثاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2012 21:58

7rbb
عند نهاية الحرب وفي منمتصف الشهر التاسع من عام 1988 التحق آلاف الجنود الهاربين من الخدمة الى وحداتهم بموجب العفو الذي أصدره وزير الدفاع عدنان خير الله آنذاك . التحقت في هذا العفو الى وحدتي التي كانت تقوم بمهمات التدريب في منطقة قصري بقضاء جومان ووجدت الكثير من الجنود الهاربين مثلي قد التحق قبلي . بعد أيام ألغى صدام قرار العفو هذا كما هو معروف للجميع وجاءت التعليمات بمنع الاجازات عن الجنود الهارب

ين الذين التحقوا الى وحداتهم لحين تقديمهم الى المحاكم . في الشهر الحادي عشر بعد أن حرروا لنا المجالس التحقيقية تم تقديمنا الى محاكم عديدة ضمن قاطع الفيلق الخامس . ذهبت مخفوراً برفقة جندي مأمور الى المحكمة الدائمية 23 في الموصل . أصدرت المحكمة حكماً ضدي يقضي بحبسي حبساً شديداً لمدة 6 شهور واسقاط رتبة أعلى { كنت نائب عريف } واعتبار جريمة هروبي مخلة بالشرف . كان المألوف أن يسمح المأمور الذي يخفر الجندي المحكوم اذا كان واثقاً من عدم هروبه ويعرف عنوانه ، أن يسمح له بتمضية يومين أو ثلاثة يزور فيها أهله قبل الذهاب الى السجن . عدت الى بيت أهلي ومن ثم التقيت أصدقائي الشعراء في مقهى حسن عجمي وبعد يومين ملأت حقيبتي بالكتب وذهبت بصحبة المأمور الى سجن الموقع بأربيل . كان السجن الذي يشرف عليه عناصر الاستخبارات في ألوية الفيلق المختلفة ، أشبه بجهنم وربما أقسى منها . غرف صغيرة تم حشر الجنود فيها بقسوة بالغة . الغرفة تتسع لعدد محدود جداً ويسجن فيها أكثر من 25 شخصاً . واذا وضع أحدهم ساقه أو مؤخرته أو ضرط فوق رأسك فهذا شيء عاي . كنا ننام بصعوبة وفي النهار يسمح لنا بالخروج من الغرف لغرض تنظيفها وتعقيمها بالديتول بشكل يومي . والمصيبة الجهنمية التي كانت تواجهنا صباح كل يوم هي طريقة ذهابنا الى المراحيض . توجد في السجن 3 مراحيض ويبلغ عدد السجناء أكثر من 400 سجين . كان يسمح لكل 7 أو 9 جنود بالتبول سوية من أجل افساح المجال للآخرين . وكانت السياقات اليومية المعتادة للسجن الذي بدا لي أشبه بقلعة من قلاع القرون الوسطى ، تقضي بقيام السجّانين بعملية التعداد الصباحي للسجناء وتوزيع الأطعمة والتنظيف وتنتهي بالتعداد المسائي وبعدها يتم اغلاق الغرف . كانت اذا بدرت من أيّ سجين علامة غضب أو تأفف بسبب الأوضاع اللانسانية في السجن أو تشاجر مع سجين آخر لسبب ما تافه وبسيط . يتم تجريده من ملابسه واخراجه الى ساحة السجن معرى ، حيث يقوم السجاّنون بأبشع عملية تعذيب ضده لتأديبه حسب زعمهم ، ويتم ضربه بالسياط وحين يخرج الدم من جسده يقومون برش الملح على الجروح ويواصلون الضرب وسط صراخ وبكاء السجين العاري ، وهذه الأشياء التي كانت تحدث في سجن الموقع بأربيل يعرفها كل من أوقعه حظه العاثر في ذلك السجن . بعض الجنود الذين تعرضوا لتلك العمليات الوحشية وظلت آثار التعذيب بادية على جلودهم ، قاموا بعد تسريحهم من الخدمة العسكرية بتعقب أولئك الذي عذبوهم واغتالوهم في مدن مختلفة من العراق . قبل دخولي السجن لم أكن أعرف أي شيء عن داء الجرب المعدي الذي يتسبب فيه الظل والظلام والاقذار حين أصبت بهذا الداء اللعين بعد أسابيع تم عزلي في غرفة مخصصة للمصابين الآخرين وكان يسمح لنا بتمضية وقت أطول في الشمس وتعريض جروحنا لحرارتها. لكن أين هي الشمس والفصل شتاء ؟ في هذه الغرفة التي كانت تضمنا نحن المرضى ، استطعت أن أقرأ بشكل جيد لكن الحساسية الشديدة التي كانت تداهمني في الليل عند حلول الظلام ، كانت تسبب لي ألاماً شديدة ولم تنفع معها تلك الأقراص التي كنت ابتلعها ولا ذلك المرهم الذي كنت أدهن فيه المناطق الحساسة من جسدي .كان بعض السجناء ممن يقدر على دفع الرشوة يتم تعيينه بصفة { عنقرجي } من قبل ادارة السجن ولم أكن أفهم معنى كلمة العنقرجي تركية الأصل في البداية . كنا نقول في العامية عن الشخص الذي يأمرنا بعنجهية : { لا تتعنقر علينا } . يسمح للعنقرجي الذي يكون واسطة أحياناً بين السجناء وادارة السجن بالذهاب الى الأسواق والاستحمام في الحمامات ودور السينما التي كانت تعرض الأفلام البسيطة في أربيل كما يسمح له بشراء ما يطلبه السجناء من خارج السجن ويستطيع زيارة بيته متى ما شاء باتفاق مع مسؤول السجن ، أي انه يتمكن من خلال دفع الرشوة بتمضية مدة محكوميته خارج السجن