Facebook
مرتكبي الإرهاب والفساد - د.عبدالخالق حسين PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عبدالخالق حسين   
الأربعاء, 26 أيلول/سبتمبر 2012 10:06

3abalkalk
يدور في الرأي العام العراقي سجال محتدم هذه الأيام حول إصدار قانون العفو العام عن المتهمين بجرائم الإرهاب والسرقة والفساد. وكالعادة، نلاحظ أن أغلب المطالبين بإصدار هذا القانون وإعفاء المجرمين من العقاب هم من كتلة "العراقية". وقد عودنا هؤلاء عند اندلاع كل أزمة سياسية، بالتهديد تلميحاً أو تصريحاً بأن إذا لم تحل الأزمة وفق شروطهم فإن البلاد مقدمة على موجة جديدة من الإرهاب والحرب الطائفية!. وفعلاً تحصل هذه الموجة ويقتل فيها المئات من الأبرياء، وأغلبهم من طائفة معينة ومن مناطق معينة. وقد توضح دور كتلة العراقية في الإرهاب بشكل واضح عندما افتضح أمر طارق الهاشمي في هذا الخصوص، وهو أحد قياديي الكتلة المذكورة. والجدير بالذكر أن الهيئة القضائية أصدرت يوم الأحد 23-09-2012 تقريراً كشفت فيه تفاصيل تورط طارق الهاشمي وحمايته بنشاطات إرهابية.(1)

وعندما ورد في الأخبار أن في نية السلطة تنفيذ حكم الإعدام بحق عدد من الجناة الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام لقيامهم بجرائم الإرهاب، سارع عدد من البرلمانيين في كتلة "العراقية" مطالبين بالتريث في التنفيذ إلى ما بعد صدور قانون العفو العام على أمل أن يشملهم العفو. وهذا يدل بشكل واضح تعاطف هؤلاء النواب مع الإرهابيين، وعدم اهتمامهم بدماء الضحايا الأبرياء من فقراء عمال المسطر والعسكريين ورجال الأمن وغيرهم من الذين لقوا حتفهم على أيدي الإرهابيين بكواتم الصوت، والمفخخات والبهائم الانتحاريين.

وآخر ما قرأنا في هذا الصدد، تصريحات لنائبة عن "كتلة العراقية" تصف فيها قانون العفو العام بـ"السياسي"، ودعت إلى الإسراع بالإفراج عن الأبرياء في السجون. طبعاً هنا يختلف الموقف عما يقصدونه بالأبرياء. ننقل للقراء الكرام فقرة من مشروع القانون ليكونوا على بينة، وكم صار الدم العراقي رخيصاً في نظر حماة الإرهابيين. "تنص الفقرة الأولى من القانون بعد التعديل المقترح لهذه المادة على أن يعفى عفوا عاماً وشاملاً عن العراقيين (المدنيين والعسكريين) الموجودين داخل العراق أو خارجه من المحكومين سواء كانت أحكامهم وجاهية أوغيابية ويعفى عما تبقى من مدة محكوميتهم سواء اكتسبت درجة البتات أم لم تكتسب".

"كما تنص المادة الثانية من القانون على أن تسري أحكام المادة (1) من هذا القانون على المتهمين كافة الموقوفين منهم ومن لم يلق القبض عليه ويعفون من الجرائم كافة مهما كانت درجتها سواء اتخذت فيها الإجراءات القانونية أم لم تتخذ إلا ما ورد منها استثناء بموجب هذا القانون وتوقف الإجراءات القانونية بحقهم كافة، فيما تضمن التعديل المقترح للمادة الثانية أن يتم إيقاف الإجراءات القانونية المتخذة بحق المتهمين سواء كانت دعاواهم في مرحلة التحقيق أو المحاكمة أو الذين لم تتخذ بحقهم الإجراءات القانونية." (2) لاحظ عبارة: "ويُعفَون من الجرائم كافة مهما كانت درجتها".

يدافع هؤلاء عن المتهمين المعتقلين والهاربين وكأنهم متهمون في قضايا بسيطة مثل المخالفات المرورية، أو كما جاء في تعليق السيد هيثم الغريباوي على مقال السيد حسن حاتم المذكور، قائلاً: "...اتساءل معك استاذ حسن عن نوع العراقيين الذين تكتظ بهم السجون اليوم، فهل هم معتقلون بسبب التهجم على القائد الرمز؟ أم ممن نظروا شزراً الى صورة "السيد الرئيس"، أم من رأى في المنام وقوع انقلاب على الحزب والثورة؟، أم ممن حكى نكتة على "أمّ المناضلين" وضحك لها القوم فزُجّ بهم في غياهب الموت؟ ليسوا احداً من أولئك كلهم. فالسجون والمواقف تكتظ بجملة من الارهابيين والزناة والقتلة والسُرّاق والخاطفين والمتاجرين بالنساء والأطفال، والمخدرات والمهربين. لقد دعونا البرلمان العراقي المملوك لرؤساء كتلهم ان يجتهدوا بدلاً من اصدار قانون عفو غير مبرر، دعوناهم الى دعم المؤسسة الأمنية والقضائية في حسم قضايا أولئك الذين سقطوا غفلة في زحمة العنف اليومي وقذارة اساليب الارهابيين اللا اخلاقية في حرق الاخضر واليابس. ولكن اثنّي كما باقي العراقيين على حقيقة تورط برلمانيين في كل ذلك الجنون". (3)

مخاطر تمرير القانون؟

في البدء، أود التوكيد أننا مع العدالة، ولسنا ضد العفو عن الأبرياء الحقيقيين من الموقوفين، ولكن أن يصدر قانون بإيقاف التحقيقات عن الموقوفين المتهمين بجرائم الإرهاب والفساد، واعتبارهم جميعاً أبرياء، فهذا ضد القانون وضد العدالة، بل وضد مبدأ "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". وبالتأكيد ليس كل المعتقلين مجرمين، إذ يحتمل أن يكون من بينهم أبرياء، ولكن كيف يمكن التمييز بين البريء والمذنب ما لم تجرى لهما محاكمة قانونية عادلة؟ إذنْ، غرض المطالبة بإلغاء التحقيق ومحاكمة المتهمين هو من أجل خلط المجرمين بالأبرياء ومعاملتهم كأبرياء دون المرور بمحاكمة عادلة، وبالتالي تضييع حقوق الضحايا وذويهم.

إن جميع الشرائع السماوية والوضعية تؤكد على العدالة، والعدالة تعني تطبيق القوانين الجيدة على المواطنين بدون أي تمييز. لذلك، وإذا ما تم التصويت على هذا المشروع السيئ وتحوَّل إلى قانون بصيغته الحالية، فهناك ثلاثة مخاطر نحذر المشرعين منها:

الأول، انهيار ثقة الشعب بأعضاء البرلمان، لأن في حالة تصويتهم على قانون جائر يعني أنهم غير مكترثين بحياة وأمن وسلامة المواطنين وأعراضهم وأموالهم، وهو بلا شك استهتار بدماء العراقيين التي صارت أرخص من ماء البحر.

ثانياً، هذا القانون يشجع الجناة على ارتكاب المزيد من الجرائم طالما هناك من يحميهم في السلطتين، التشريعية والتنفيذية، بإصدار قانون العفو العام. وهنا نذكر من يهمهم الأمر بمبدأ الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم:"عفا الله عما سلف" حيث عفا حتى عن الذين تآمروا على قتله. أراد الزعيم بذلك أن يحقق سابقة تاريخية بنشر روح التسامح في مجتمع قبلي تشبع بروح الثأر والانتقام. ونحن نعرف ما حصل له وللعراق جراء هذه السياسة، فوفق هذا المبدأ ابتلى العراق بحكم البعث الفاشي الذي جلب له الدمار الشامل، ومازال الشعب يدفع تبعاته وتداعيات سقوطه. والحكمة تفيد (لا يلدغ العاقل من جحر مرتين). كذلك أثبتت التجربة العراقية وتجربة غوانتينامو أن نسبة كبيرة من المتهمين بجرائم الإرهاب والذين أطلق سراحهم لمختلف الأسباب، عادوا إلى الإرهاب ثانية. لذلك فلا أمان لهؤلاء إلا إذا أثبت القضاء براءة البعض منهم. وعلى كل من تلوثت يداه بدماء العراقيين الأبرياء أن يتلقى جزاءه العادل.

ثالثاً، والأخطر من كل ذلك ، إذا تم الإعفاء عن الإرهابيين القتلة، فمن المحتمل أن تنفجر الجماهير، وخاصة ذوي الضحايا، فيخالفون القانون السيئ ويقومون بالثأر والانتقام لضحاياهم بأنفسهم، وفي هذه الحالة ستحصل أعمال الانتقام بصورة عشوائية، خاصة في مجتمع تم فيه إحياء القيم والتقاليد والأعراف العشائرية والقبلية من قبل البعث المقبور... يعني سيتم حرق الأخضر بسعر اليابس، ويذهب البريء باسم المجرم.

من المفيد هنا أن نذكر السادة مشرعي القوانين بموقف القس مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة السود في أمريكا في الستينات، عندما دعا أتباعه إلى مخالفة القوانين السيئة، قائلاً: (يمكن للمرء أن يتساءل: "كيف يمكنك أن تدعو لمخالفة بعض القوانين وطاعة قوانين أخرى؟ الجواب هو أن هناك نوعان من القوانين: قوانين عادلة، وقوانين جائرة. وأنا أتفق مع القديس أوغسطين أن "القانون الجائر ليس قانونا على الإطلاق.")

ولهذه الأسباب مجتمعة، نطالب أعضاء السلطة التشريعية، وقيادات الكتل السياسية بعدم الاستهانة بدماء العراقيين، وأن يضعوا العدالة نصب أعينهم، وأن يفكروا في جميع الاحتمالات الكارثية التي يمكن أن تترتب على إصدار مثل هذا القانون الجائر، قبل الإقدام على التصويت عليه وتمريره. فالقانون الجائر يستفيد منه الإرهابيون الأشرار ومن يدافع عنهم، ويتضرر منه الأبرياء. فالقانون الجائر ليس قانوناً على الإطلاق، ولذلك من حق الجماهير مخالفته والثورة عليه.

ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.