Facebook
من "دولاب الهوا" الى الطائرة! PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عامر بدر حسون   
الأحد, 02 تشرين1/أكتوير 2016 18:14

3AMRBDR
وفي الثامنة والعشرين من عمري انتقلت فجاة من ركوب "ديلاب الهوا" الى ركوب الطائرة لاول مرة!
كانت حقيبتي صغيرة، فحملتها على كتفي وكانت خالية من اية ذكرى. ولم اضع فيها او في جيبي من الاوراق (تحسبا لوقوعي بيد الامن) سوى تلك الدعوة الرسمية التي وصلتني سابقا من مهرجان قرطاج في تونس.. والتي سهلت حصولي على جواز السفر.
(تأجل المهرجان لمدة شهر لكن يكن بامكاني الانتظار في بغداد اكثر في ظل حملة الاعتقالات).
***
ومثل اي شاب غير واثق من نفسه كاد خوفي ان يتحول الى وقاحة في الطائرة.. فقد بالغت في التظاهر باخذ راحتي في الحركة عندما طلب منا ربط الاحزمة.. ورفعت صوتي على المضيّفة وهي تنصحني بالجلوس وربط الحزام!
كان ذلك نوعا من تسريب القلق.. وقد كشفني ديستويفسكي وكشف من هم في موقفي حين قال ان 90 بالمئة من الوقاحة والعدوانية هي خجل او محاولة هروب من الخجل وقد كنت كما قال! اضافة الى الخوف الكامن في اعماقي من المناداة عليّ بالاسم لانزل من الطائرة!
***
لم يتحقق اي شيء من مخاوفي وعرفت ان كل حركاتي الرعناء لم يكن لها معنى او حاجة! وحتى اليوم فانني معروف بشدة تماسكي في الملمات، لكنني في تلك التجربة كدت ان افقد اعصابي وانا اعبر الخط الفاصل بين الموت والحياة!
مواقف العدوانية والوقاحة المعبرة عن خلطة خجل او خوف او عدم الثقة بالنفس هي صفات ملازمة للشباب في اول تحديات الحياة، وما ترونه في الفيس بوك من ردود انفعالية او اتهامات بالخيانة والعمالة او استخدام غير مبرر للمصطلحات (الثقافية والسياسية الكبيرة) هو نتاج عدم الثقة بالنفس او بالمعرفة غير المكتملة عند الشاب.
***
واستمرارا في الاستطراد اضيف:
راقب نفسك وانت تقرر حقيقة ان 2+2 تساوي اربعة.. سترى كم انت ودود وهاديء وواثق من نفسك..
وراقبها وانت تتحدث او تدافع عن "عقيدتك" وسترى الفرق.. ففي كل عقيدة هناك ثغرات فكرية وروحية وسياسية تدفعك للانفعال في وجه الاخر حتى لا يكشف نقطة ضعفك. وكلما ارتفع صوتك كشفت، دون قصد، حجم شكوكك او مخاوفك الدفينة!
***
عندما توقفت الطائرة في تونس اكتشفت حجم الاسترخاء الذي صرت انعم به.. حتى انني اطلت الوقوف تحت رذاذ المطر (الذي استبشرت به خيرا) فيما كان الركاب يتراكضون للدخول الى الصالة!
وفي الصالة اصغيت من جديد لجاري في الطائرة وهو يتحدث عن مغامراته.
كان عجوزا متصابيا بكل معنى الكلمة.. وكان طيلة الطريق يحاول التعويض عن النقص الذي يشعر به بالحديث عن مغامراته النسائية ووعده لي بان يدلني على افضل اماكن السهر والمتعة في المغرب او في غيرها من البلدان.. فقد زار الكثير منها لانه موظف في الخطوط العراقية ويحصل على بطاقات مجانية لاسفاره. وعبثا حاولت ثنيه عن قصص التصابي وفتح موضوع اخر للحديث.
كنت مشغول الفكر بالايام الماضية وتوترها.. وايضا بالتفكير بالخطوة التالية في بلد لا اعرف احدا فيه.
***
واصلنا رحلتنا للمغرب، فيما جاري لا يكف عن اغرائي كي اكون رفيق رحلته كي يريني المغرب على اصولها.
وعندما حطت الطائرة في مطار "كازابلانكا" وتوجهنا الى فندق يعرفه في قلب المدينة الساحرة، كنت قد اتخذت قراري بالانفصال عنه وهو ما حصل. فعندما التقينا على مائدة الافطار اخبرته انني افكر بالسفر للرباط وهكذا ودعته وانتقلت الى فندق اخر..
لكن قبل هذا وفي ذلك الصباح:
***
استيقظت مبكرا جدا.. وخرجت الى شرفة غرفتي والقيت نظرة الى المدينة النائمة.. فوجدت امامي مقبرة وادي السلام في النجف وليس كازابلانكا!
كانت المقبرة، لا ريب في هذا، هي التي رايتها تغطي الافق!.. ارعبني المشهد فعدت الى النوم.
***
بعد سنوات كتبت عن هذا المشهد المختلط، فقال لي صديق مختص بالتحليل النفسي ان ذلك المشهد الذي اعادني للنوم خائفا.. هو رفض المنفي للمدينة الاخرى وانكارها امام تعلقه بمدينته الاولى!
قال ان ما رايته بالضبط هو رفضي في اللاوعي للمنفى، وقد تجسد في تلك المنطقة الناشئة من اختلاط النوم باليقضة!
وتاكد من هذا يوم عرف انني أبقيت ساعتي لسنوات على توقيت بغداد اينما سافرت!
وتأكد من هذا، اكثر، عندما راى انني اردد دائما قول برتولد بريخت:
"لماذا تدق مسمارا في الحائط؟
ضع معطفك على الكرسي..
فانت عائد غدا"!
واستمر انتظاري للغد 34 عاما كاملة!