Facebook
عبادي العماري.. ثائرًا PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الدكتور سلمان كيوش   
الخميس, 28 تموز/يوليو 2016 11:18

3badee
لماذا يلذُّ لي إسنادُ رأسي إلى الجدارِ مغمضَ العينين وأنا أستمعُ إليكَ؟ ألأن صوتَك يخترقني كما يفعل شعاعٌ سماويّ، فيوزّع الباذخَ من حزنكَ على خلاياي كلّها بالعدل؟ أم لأنّي "موجر" مثلكَ فافترضتُ خلاصي بتقديمِ صوتِكَ هاديًا لأتبعه؟
أنتَ لا تدري ما الذي يفعله اختزالكَ للشجنِ المحتدمِ في الـ"يا ويلي" التي تستهلُّ بها أبوذياتك، ولا تدري ما الذي تفعله الـ"آه" الطويلة في وسطها. ولا تدري أي بُطينٍ من قلبكَ يزفرها، أنا أدري لأني حين استمعُ إليكَ أتركُ لمخيّلتي فرصةَ الانقضاضِ على ما أنا فيه لأغدو كائنًا آخر لا علاقة لي بما حولي.. أجدني أنا الذي أغنّي، وقد توسّدتُ "زندها"، تلك الجميلةَ التي تذكّرني حتى أنفاسي بها. أغنّي لها ما أسمعه منكَ. صورةٌ لم تبارحني منذ سمعتكَ أوّلَ مرّةٍ في عرسِ شروﮔيّة.
بعد أن سمعتُكَ في العرسِ الأوّل بتُّ أعشقُ الخميسَ لأني سأمضيه باحثًا في قطاعاتِ المدينةِ عمّن يبشّرني بوجودكَ الليلةَ في عرسٍ آخر. كنتُ أحرصُ على اختيارِ مكانٍ أراكَ منه وأنتَ تغنّي مع أني أمقتُ النظر في وجوه المحتضرين. أزاحمُ بقامتي وعمري الضئيلين مناكبَ عريضة وعگل عاليةً. تتهدّلُ شفتي ويفغرُ فمي وتتسعُ أذني لتلتقطَ حتى حركةِ قبضتكَ المضمومةِ مفرودةِ السبابةِ أمامَ وجهكَ. لم أكن أرى في قبضتكَ غير قلبٍ آخرَ لكَ، قلبٍ يستدرجه صوتُك ويغويه فينبضُ على إيقاعهِ وجرسه.
ــــــــــــــــــــ
في النگارَة كانت البداية
في النگارَة شعرتْ "ابّيشه بنت حسيّچ المطيري" بآلام المخاض. صرختْ أولًا، وحين تيقّنتْ أنها على وشكِ ولادتكَ ندبتْ: يا عليّ.. لم يكن هاتو بن فيّاض المنشداوي، أبوك، موجودًا. كان هناك عند زوجته الثانية، على الواديّة قريبًا من مضيف سيّد صروط. وصرختَ أنتَ بآه رصينةٍ عند ولادتكَ، فيها حشرجةُ ألمٍ سترافقك طوالَ عمرك القصير.
في مدرسةِ القحطانيّةِ الابتدائيّةِ كنتَ تستغلُّ الخرومَ بين قصبها الأصفر اللاهثٍ كي تُشرفَ بناظريكَ على امتدادِ الهور الذي سحركَ ووهبكَ من طباعه الكثير. لم تكن تعرف غير النگارَة وطنًا صغيرًا برغمِ أن المعلّمَ يعدّدُ على مسامعكَ أسماءً لمدنٍ عراقيّةٍ كثيرةٍ، لكنَّ مخيّلتكَ الغضّةَ تعجزُ عن افتراضِ غير النگارَة جنّةً لأنّ الجنّةَ لديكَ هي المكانُ الذي يُؤوي البَيوضي وﭼليبَ الماي وطويرة بتّ الشيخ فقط.
ما أن يخرجَ المعلّمُ، الذي لا تعي الكثيرَ مما يقوله، حتى يتحلّقَ حولكَ تلاميذٌ صغارٌ بعمركَ، حفاةٌ، يعتمرون شطافي مهلهلةً، يتوسّل بكَ أحدُهم: عبادي، بعد أخوك، نريد أبوذية لداخل حسن. ويصيح آخر: لا، لداخل الأعمى. تحاولُ أن تعتذرَ، فحياؤكَ كبيرٌ وكثيرٌ، وحيرتكَ أكبر. تتشجّعُ بفعلِ الإلحاحِ الحميمِ، فتصدحُ بطورِ الساعديّة الذي لا يختلفُ كثيرًا عن نعاوي ابّيشة: يا لها شلاهيك عَنّا يالها... فوگ مَتْنَه والنْخيلة يالها. يذهلُ التلاميذُ، يُشدهون، لا يعرفون ما الذي يفعلونه بالضبطِ كي يقابلوا انثيالَ صوتكَ على أفئدتهم الصغيرةِ كوجعٍ طارئٍ، فيصمتون، وقد شبحتْ عيونُهم على ومضِ عينيكَ. لا يطرفون إلا مع دخولِ المعلّمِ وهو يصيحُ: ياهو الچان يغنّي؟!
وفي الخامس الابتدائيّ، وربما قبله، توضّحتْ لديكَ أولى عوائقِ الانتماءِ. عرفتَ أن بشرتكَ السمراءَ لا تعطيكَ الحقَّ بالحياةِ كما تريدُ، فقرّرتَ الانتصارَ لانتمائكَ الإنسانيّ، فعشقتَ عليَّ بن أبي طالب لأنكَ رأيتَ فيه ما لم ترَ في غيره. من يومها وأنتَ لا تحسنُ النظرَ في وجوهِ الآخرين. تسيرُ والأرضُ ملاذٌ لعينيكَ. وتشكّلتْ لديكَ بذرةُ الثورةِ، ثورةٍ صامتةٍ، تمورُ في قفصِ صدركَ فازدادَ إطراقُكَ نحو الأرضِ، كأنّكَ تعتذرُ للسماءِ عن عجزكَ عن الانتفاضِ ضدَّ كلَّ ما يجري، فارتأيتَ أن يتولّى صوتُكَ الهتافَ في تظاهرتكَ المستمرّةِ، هتافًا جميلًا منغّمًا. تستلقي على ظهركَ، تغمضُ عينيكَ، ثم تدندنُ مع أغنيةٍ لمسعود عمارتلي يتسلّلُ لحنُها إلى أذنيكَ المرهفتين من "صندوﮒ" يحتلُّ إحدى زوايا مضيفِ الشيخِ خلف بن مجيد الخليفة. تسمعها بشغفٍ وحرصٍ، لتردّدها وأنتَ تسيِّر مشحوفكَ نحو القحطانيّةِ، ثم تصدحُ بها في صريفةِ الصفّ وقبضتكَ مضمومةٌ أمامَ وجهكَ. تراقبُ، بحذرٍ، التلاميذَ وهم يرفعون رؤوسهم نحو السماءِ لمراقبةِ اضطرابِ الخضيري في طيرانه فوقَ المدرسةِ من صدى صوتكَ "اليطيح الطير"..
في المدينة... وفصليّة
وارتحلتَ مع أهلكَ في النزوحِ السومريِّ الكبيرِ، ركبتَ في اللوري الذي يقلُّ أمتعتكم إلى المدينةِ. فكانت الشاكريّة محطّتكَ الأولى، ومنها إلى الثورة.
التناشزُ بين النگارَة والمدينةِ أكبرُ من أن تحتمله روحكَ، فرددتَ عليه بغناءٍ يصرُّ على أن النگارَة أجمل، بما لا يُقاس، من هذا التزاحمِ العمرانيِّ الهجينِ.. غناؤكَ لم ينفصلْ عن مهمّته الكبيرةِ، التذكيرِ بأنكَ طارئٌ على هذا المكانِ، لن تألفه ما حييتَ إلا إذا استطاعَ نعيج الماي أن يقاسمكَ العيشَ فيه، ولكن هيهات، أنّى له هذا؟ وهكذا وجدتَ نفسكَ منقادًا إلى تخديرِ عقلكَ كي لا ينزفَ قيحَه كلّه دفعةً واحدةً، فكان عزاؤكَ في الغناء حدّ الثمالةِ والخمر حدّ الانسحاقِ. ثنائيّةٌ متلازمةٌ لم تتمكّن من مغادرتها برغمِ تحذيرِ الطبيبِ الشديد، ذلك لأنّ الطبيبَ، كما تعتقدُ، لم يُغرم بالنگارَة وانبساطِ سحرها حتى الأفقِ، فسخرتَ منه. قلتَ له في سرّكَ: دلّني على بهجةٍ واحدةٍ يمكنُ أن تعيشها بِنيَّةٌ حُرّة شحَّ ماؤها فجأةً، وتربّصتْ بها فولٌ مروشنات. وهكذا وقعَ ما كنتَ تتوقّعه أو ربما تنتظره. متَّ يا أبو سعيدة، غير أن ما تركتَه لنا في "فصليّة" من ثورةٍ عجزتْ عنها مؤسساتٌ كبيرةٌ لم يمتْ. آثارُ "فصليّة" في النفوسِ تخطّتْ ما عملتْ عليه مؤسساتٌ رصينةٌ وكبيرةٌ وعتيدةٌ، لم تفلحْ كما فلحتَ أنتَ في إضحاكِ الناسِ على أنفسهم وهم يمتهنون كرامةَ الأنثى، لا لشيءٍ إلا لأنها أنثى. لم يعدْ الناسُ، بعد سماعهم لنشيدكَ الشخصيّ في "فصليّة"، يجرؤون على أن يساوموا نزقَهم بإناثٍ تُزفُّ إلى غرباءَ موتورين، لا يرون فيهنَّ إلا دماءَ أهلهم القتلى، فيتفنّنون في الانتقامِ المتخيّل بعد أن عجزوا عن إدراكِ ثأرهم في سوحِ القتالِ الأعمى، فيضاجعونهنَّ وفي مخيّلتهم صورةٌ واحدةٌ لخناجرَ تنغرزُ في قلوبِ أعدائهم. تُزفُّ الفصلياتُ بامتهانٍ بلا ديرم ولا حمرة ولا صفگة. منعتَهم يا أبو سعيدة من أن يتمادوا في غيّهم بعد أن عجزَ الدينُ بثقله، والإعلامُ بوسائله، والسياسةُ بممكنها، عن مجاراتك في ثورتكَ. فسجلتَ ريادتكَ بامتيازٍ وحبّبتَ الخلقَ الطاعنين في المظلوميّةِ فيكَ لأنّك انحزتَ لحقّ الأنثى في الحياة، حقّ لم يلتفتْ له مطربٌ غيرُكَ.
كأنّكَ قلتَ كلَّ شيءٍ في "فصليّة" فأُترعتْ روحُكَ بإحساسٍ أن مهمتكَ في الدنيا قد اكتملتْ، لترحلَ بعدها عام 1989، وقد سُجّل اسمُكَ مع الثوارِ، على الرغمِ من سطوعِه في سجلاتٍ أخرى جميلةٍ كثيرةٍ..