Facebook
مسؤولية الإعلام إزاء تفشي ظاهرة الفساد
الكاتب: علاء الدين أحمد خليفة   
الأحد, 24 كانون2/يناير 2016 19:20

 

s7ff
بحث

 

(مسؤولية الإعلام الاجتماعية إزاء تفشي ظاهرة الفساد وإشاعة ثقافة النزاهة)

 

إعداد: المدرس المساعد : علاء الدين أحمد خليفة/الجامعة الإسلامية


بسم الله الرحمن الرحيم


كنتم خيرَ أمةٍ اُخرِجَت للناسِ تأمرون بالمعروفِ وتنهون عن المنكرِ وتؤمنون باللهِ
آل عمران: ١١٠
مقدمة البحث:
إن الإعلام الذي يفترض أن يكون في أولويات أهدافه التعبير عن المصلحة العامة إزاء حالات الانحراف والفساد ، ومن أجل أن يعبر عن مواثيق وتعهدات الالتزام بالكلمة الصادقة الحرة ومناهضة كل ما هو سلبي ومخرب ، عاد هو الأخير ضحية الموجة الواسعة التي تبرر الفساد وتعده على المستوى العام والخاص جزءاً من المنافسة أو من الشطارة في الحصول على المكاسب الإضافية، وتسويق القيم المنحرفة في الحياة الاجتماعية التي تسلب المواطن حقه في النقد والمواجهة وتخضعه لإملاءات التوافق مع نظام السوق ومتطلباته .
ولعل أبرز مظاهر اتساع دائرة الأداء الإعلامي انتشار ظاهرة الفساد في ذلك القطاع ، وتعدد مصادره وتنوع أشكاله وكان إنشاء إمبراطوريات إعلامية قد قاد إلى تورط الإعلام في قضايا الفساد السياسي الكبيرة ليصبح جزءً منها ومدافعاً عنها ، ولم تعد القضية محددة في مدى دور الإعلام في الكشف عن مواقع الفساد أو فضائح المفسدين بل عاد الإعلام في الكثير من ممارسته يشجع الفساد ويدافع عنه ..... ويسوق المفاهيم السياسية والاجتماعية والأخلاقية الفاسدة في الحياة الاجتماعية .... وإننا نرى اليوم كيف يتم تبييض أموال تجارة السلاح والممنوعات في الوقت نفسه الذي يتم فيه تبييض صفحات السياسيين وإعادة تلوين صورتهم وسمعتهم لدى الرأي العام ، وبالمقابل توظيف الإعلام التجاري ودوره التمويلي في احتواء الوسائل الإعلامية وإخضاعها لمتطلبات التوافق ( السكوت ) والتباهي مع الحالة العامة الفاسدة.
مشكلة البحث :
يتطرق البحث إلى دور وسائل الإعلام في الحد من تفشي ظاهرة الفساد في المجتمع ودوره أيضاً في إرساء ثقافة النزاهة ، وكيف يمكن أن تقوم أجهزة الإعلام بدور فاعل ومؤثر تجاه هاتين الظاهرتين ..... وكيف يمكن لهذه الأجهزة الاضطلاع بدور كبير في ضبط الأفراد اجتماعياً وإيجابياً من خلال بث الرسائل الإعلامية الإيجابية لهم والمساهمة في تشكيل منظومة القيم البناءة ومحاربة القيم الوافدة والهدامة ، وكيف لهذه الأجهزة من قابلية وإمكانية في فرض المعيار الأخلاقي لدى أفراد المجتمع بالطرق والآليات والتوجيهات والأجندات التي تتبعها كل وسيلة من هذه الوسائل ، إضافة إلى إمكانياتها الهائلة في تحشيد الرأي العام والعقل الجمعي لدى أفراد المجتمع لكي تدين كل الخروقات ومظاهر الفساد عن طريق كشف فضائح المفسدين عبر هذه الوسائل الإعلامية ..... فضلاً عن ضرورة فتح هذه الوسائل الإعلامية لقنواتها أمام الرأي العام بالتدفق من الأسفل إلى الأعلى ؛ لكي يخفف من شدة الاحتقان لدى الجمهور ويتكامل دور وسائل الإعلام مع الجمهور .
منهج البحث :
اقتضت الدراسة اعتماد الباحث على منهج البحث الوصفي ، ووظيفة المنهج الوصفي تقوم على وصف الظاهرة ( ظاهرة الفساد ) التي يدرسها المنهج المذكور من خلال جمع المعلومات عنها ووصفها بدقة ، فالدراسات الوصفية تستهدف وصف الأحداث والأشخاص والمعتقدات والاتجاهات والقيم والظواهر والأهداف والتفضيل والاهتمام ومنهج البحث الوصفي يعتمد في معلوماته على الواقع المعاش نفسه ، أي وصف الظواهر وتتبع علاقتها بالاعتماد على الظاهرة ذاتها أو في الدراسات الإعلامية تهتم الدراسات الوصفية في معظم إجراءاتها المنهجية بعملية جمع البيانات وتسجيلها ، لذا يعد المنهج الوصفي أداة مهمة في دراسة تحليل المضمون لأية رسالة إعلامية ويعتمد في ذلك على ملاحظة ووصف مادة الاتصال .
المبحث الأول
أولاً : فساد الثقافة
إن الثقافة في المعنى العام كانت سجل التطور الإيجابي للإنسانية وفي المقدمة من ذلك اقتناص لحظة التحرر ، تحرر العقل من الوهم والغيبيات واكتشاف الحقيقة والمعرفة ، وتحرر قوى العمل من السيطرة والاستحواذ ، فالعبودية سواء أكانت في المعرفة أم في حق الحياة ، عبودية قصدية تهدف إلى تزوير الواقع ، ومن ثم تزييف إنجازاته لصالح طبقة أو فئة أو مصالح مادية وغيرها .
ومن هنا يأخذ مفهوم الفساد في الثقافة بعده الإنساني والقيمي فهو في الوقت الذي يكون فيه نقيضاً لمعطيات الوضع الإنساني الطبيعي المعبر عن كل مراحله الحضارية ، فإنه يتعامل مع تلك القيم ، ويؤثر فيها سلباً ، ويدخل الفساد كتعبير نقيض للإبداع ينهش ويقزم الإنجازات ، إنه السوسة القارضة لنسيج الحياة ، الصانعة بامتياز لكل التشوهات التي تصيب بالعقم والعجز إمكانيات توليد الجديد والحديث ( ) .
ولم تكن مسألة الفساد قضية عصية على الوعي والمعرفة والإنسانية في الوقت الذي لم تأخذ جديتها وأهميتها كما يجب من حيث حجم المخاطر الراهنة والمستقبلية ، بل هي إشغال فكري قديم ـ حديث وثيق الصلة بكل ما يحيط بنا اليوم من تحديات ومخاطر جدية ترافق مسار الهيمنة والسيطرة ، والإفساد و" الانفساد " تزويران في الواقع سواء أكان ذلك منهجاً مقصوداً ومنظماً ، أو عارضاً هامشياً تحت وطأة ظروف طارئة ، وهو أي الفساد تدمير منظم وإنهاك قصدي وتعطيل لفعل التطور ولا يمكن أن ندرك حجم مخاطره إلا عندما نتوقف عند مساحته الواسعة التي أضحت تغطي كل مناحي الحياة الراهنة وفي المقدمة منها إفساد الثقافة والمثقفين وتزوير الإعلام والحقيقة .
وإذا كانت الثقافة كمحتوى وغاية ، أروع ما أنتجه العقل البشري عبر العصور لتوكيد حق الحياة الكريمة للإنسان والمجتمعات فإن الفساد كان الآفة الشرهة التي تسعى إلى إلغاء كل المكاسب التي أثمرتها قرون من المعاناة والتضحيات للارتقاء بالبشرية في عصور التخلف إلى زمن التنوير وكما كانت العنصرية تشكل محور إلغاء حق البشرية في الحرية والتكافؤ فإن إفساد الثقافة يهدف إلى تكريس عبودية الجهل ( ) .
ولقد توثق الفعل الثقافي وترافق مع النشاط الإعلامي على مدى العصور وتعاظم بعد التطور العلمي التقني والمعلوماتي الكبير الذي شهده ميدان الاتصالات في القرن العشرين ومطلع هذا القرن ، وأضحى الإعلام بمختلف طرائقه ووسائله الوعاء المناسب والأكثر سعة لحمل رسالة الثقافة ، بل إن تفاعل الإعلام مع الثقافة وتوحدهما في رسالة مشتركة قد أسهما لاحقاً في التداخل والتنافذ وصعوبة التمييز بينهما ، فالمثقف الداعية أو الداعية المثقف لم يعد يمارس دوره من منبر خطابي بلغه مباشرة نحو أتباعه ومريديه ، بل صار عمله مؤسسياً جميعاً ، ومستنداً إلى وسائل انتشار متعددة الإمكانات وشديدة التأثير ، وتوافقت عملية صياغة وبناء المنظومة الثقافية ورموزها مع صناعة أخرى تحتاج إلى الإبداع الثقافي وتتعامل معه بالتفاصيل اليومية ، ودخلت ثقافة الاتصال المتطورة لتدعم الثقافة ، وتجعلها أكثر إغراءً ووجوداً وانتشاراً في عالم مبهر للصور الواسعة والمستديمة الحضور ، عالم سحري للإعلام السمعي ـ البصري الذي أغرق العالم في ثلاثية الفورية والتنويع والانتشار ، واقتربت الثقافة في إيقاعها اليومي من كوكبية الإعلام وتمازجت معه ، لتبني نمطاً جديداً من الغايات والمصالح وربما أضحى كل ذلك يقارب منظومة التجارة ، وجعلها محكومة أحياناً بقوانين السوق في العرض والطلب .
وفي كل ذلك يبقى ما هو إيجابي وفعال في حمل رسالة الثقافة ، كحاجة إنسانية من محرابية النخب والمثقفين إلى فسحة واسعة من التداخل والمشاركة الجماعية بطابعها الجماهيري ، والمتسمة بالتنوع والتفاعل ، وصار رد الفعل على المنتوج الثقافي يعود سريعاً على صانعه ، بالتعدد والمراجعة ، والتقويم ، وكل ذلك أسهم في إغناء العمل الثقافي وتنوعه ، وحرصه في المقابل على التواصل الدائم ، ثم في توافقه مع الهموم اليومية للإنسان وتطلعاته نحو المستقبل .
وفي المقابل ، فقد تداخلت الثقافة مع إثراء الوسائل الإعلامية وتنوعها وأحياناً مع حرفية الإعلام ، الملتبس مع الدعاية والتبرير والتزويق ، والمنشط دوماً بجرعات التزييف للواقع ، وامتزجت وسائل الثقافة مع صناعة الإعلام ، وازدادت العلاقة (المصلحية) بالحاجة المتبادلة بينها , الثقافة تنزل من كينونتها المنزهة عن الشرور , والإعلام يرتدي في كل وقت وزمان حلة المصالح والغايات وهو غير بريء أحياناً من الشرور والآثام ومدافع عن الشيطان في أحيان أخرى وفي كل ذلك تشويش وتداخل بين القلم والسيف وبين عذرية الكلمة وفضائحية الدعاية ( ) .
قد يضطر المثقف كي يضع بضاعته في سفينة الإعلام ويبحر بها نحو عوالم أوسع إلى أن يجامل الإعلام ، ويتوافق مع شروط رفقته , وبالتالي قد تنتقل عدوى الفساد المتوافرة في رسالة الإعلام إلى رسالة الثقافة ويتحول المنتوج الثقافي إلى ما يشبه الإعلان التجاري في مضمونه وغايته , وقد نرى أحياناً أجمل القصائد وأعذب الأغاني تُلوى وتهان كي تحول وتصاغ من أجل ترويج مبتذل لمسحوق تنظيف منزلي ، أو قد يتنازل المثقف عن مواقفه المبدئية لصالح استثمار مساحة من النشر أو الظهور على شاشة التلفاز ، على حساب الموقف والمضمون، ويستخدم الإعلام الثقافة بدلاً من أن توظف الثقافة إمكانيات الإعلام لنشر رسالتها.
ثانياً : تسويق الفساد :
إن الخطوة العظمى تكمن في القبول بالفساد في الواقع والتعايش معه ، وقد يحظى الفساد أيضاً بنمط وصفات تعبر عن العظمة وانتهاز الفرص وتحقيق الغلبة على الآخر بطرق ملتوية ، وبذلك تؤسس ( أخلاقيات الفساد ) إذا صح التعبير ، أي الممارسات التي تحمي الفساد وتسوقه في إطار منظومة القيم الاجتماعية ، وإشاعة نمط من التراخي الداخلي أو التساهل في خوض غماره تحت مبررات عديدة ، لعل أهمها توليد القناعة بأنه ما دام كل شيء فاسد في المحيط فلا ضرر أن نمارس الفساد بحدود معينة ، وهذه الـ ( حدود ) تتسع طولاً وعرضاً ، وتتحول مثل ظاهرة تناول المخدرات التي قد تبدأ بالتجربة وتنتهي بالإدمان ، وعند هذه النقطة تنهار السدود الداخلية وهي محددات القيم الخاصة والمعززة بالقيم الروحية والأعراف العامة وتؤسس عند ذلك أطر الفساد ورواده ، وبالتالي يتحول الفساد إلى برنامج في حياة المجتمعات والأفراد وتبدو صياغة الفساد المحلية متصلة تجد لها في كل ظل قائم بيئة من العفوية تشجعها على الإنبات والانتشار ، مثل بعض الأعشاب والفطريات ، وبتعبير آخر فإن ثقافة فاسدة ستجد لها راعياً ودعماً من قبل ممولين وأصحاب مصالح وغايات وستتحول تلك الثقافة بفعل كل مكوناتها الفاسدة المعبرة عن سلبيتها في الحياة ، إلى نسق متصل من الأفكار السلبية التي تقف أمام حرية الإنسان وإبداعه ، وتكبل العقل وتعيق دورته وترعى قيم النكوص والارتداد ، وستعود حتماً إلى غرس الكراهية وإشاعة العدوانية والتمييز العنصري ، وتمجيد القوة وأوهام التفوق وإلغاء الحريات وهي كما يصفها د. برهان غليون ( التعبير الأكمل عن انحلال العقل والعقلانية وانعدام الثقافة وضياع الأفكار ) ( ) .
المبحث الثاني
أولاً : مسؤولية الإعلام في تقوية الضبط الاجتماعي :
يطرح لازر سفليد وميرتون وظيفة مهمة للإعلام ترتدي أهمية خاصة في المجتمعات الراهنة .... فهي تتجلى بقيام الإعلام الجماهيري بتقوية الضبط الاجتماعي تجاه الأفراد وفرض المعيار الأخلاقي ( ) . من خلال شن حملات إعلامية مكثفة تفضح سلوكهم المنحرف ( ) .لأن الأفعال التي خرق بها هؤلاء الأفراد الأنظمة والقوانين قد تكون معروفة لقطاعات واسعة في المجتمع من خلال شبكة الاتصال المباشر تخلق شروطاً اجتماعية ونفسية تلزم أغلبية أعضاء المجتمع بوجوب التعبير عن إدانة صريحة لهذا الخرق وضرورة استتباب القواعد الأخلاقية العامة .
وعلى الرغم من تطرق عدد كبير من الصحف إلى مواطن فساد إداري واقتصادي وممارسات بيروقراطية معينة ، ولكن نجد أن محاولاتها الإنشائية تطال فقط مواقع مسؤولية اقتصادية وإدارية وسياسية دنيا أو متوسطة في أفضل الأحوال ، وغالباً ما تذهب هذه الرقابة المتواضعة والخجولة أدراج الرياح وتتحول الإدانة الجماعية إلى عملية استهلاكية وتغريمية عقيمة ؛ لأن الإعلام في مثل هذه الحالة لا يقوم بعمله كمبادر ذاتي وحر ، أو كمصدر مستقل من مصادر المجتمع ، بل استجابة لإدارة سلطوية تستخدم ما تعده جهازاً من أجهزتها ، لتخفيف وطأة الاحتقان المتفاقم داخل المجتمع أو لتصفية حسابات شخصية وبالتالي تغدو تلك المحاولات مجرد فقاعات تجرد الإعلام من أية سلطة فعلية ومن أي نفوذ أو تأثير ذي معنى ، وبالتالي تفقده مصداقيته وتدفع الجمهور إلى مزيد من الشعور بالعجز والإحباط ويفقد دوره في الضبط الاجتماعي المنشود ؛ لأنه يتحرك في حقل ألغام سلطة سياسية أو رغبات شخصية وذاتية .
لذلك فدور الإعلام كبير في الرقابة الاجتماعية عبر عمليات إفشاء متواصلة تؤدي إلى بلورة إدانة جماعية علنية لمواقع الفساد والانحراف تترتب عليها إجراءات ردعية ووقائية ملائمة تكرس سيادة المعيار الأخلاقي .
وعلى أية سلطة أن ترى في الإعلام وسيطاً موضوعياً بينها وبين أطراف المجتمع الأخرى ، أو انعكاساً للإرادة العامة التي يتحدث عنها جان جاك روسو ، أو للروح العامة التي يشير إليها جون لوك ، ولا ترى الإعلام بأنه جهازاً حساساً من أجهزتها تنحصر مهمته في صياغة رؤيتها الأحادية ونشرها ، وفي تحويل عناصر المجتمع إلى جماعات خاملة تستقبل الرؤية وتختزنها لتعود إلى ترديدها قسرياً عند الحاجة ، ونجد ذلك في كثير من الأجهزة الإعلامية التي تحاول جاهدة إغراق المتلقي بسيل إعلامي يسير دوماً في اتجاه عامودي من الأعلى إلى الأسفل ، ويعمل جاهداً أيضاً على منع أي تدفق جوهري وحقيقي للرأي من الأسفل إلى الأعلى .
ولا شك أن مثل هكذا أجهزة إعلامية تمنع فتح قنواتها أمام هذه الطاقة المتجولة أفقياً في أوساط المجتمع يجعل هذا الإعلام عاجزاً عن التخفيف من شدة الاحتقان الموجود في ثنايا أي مجتمع ويؤدي إلى إخفاقه في أن يلبي للجمهور حاجة حقيقة غدت أكثر إلحاحاً في عصر التقنيات المعلوماتية الجديدة ( ) .
ثانياً : أثر الإعلام في تغيير المنظومة القيمية وتشكيلها :
إن نماذج تأثير وسائل الاتصال وفي المقدمة منها الإعلام في النشاط الثقافي كثيرة ومتعددة ، ومع ذلك فإن دراسة التأثير السلبي للإعلام في منظومة القيم ونمو الثقافات الوطنية يعتمد على تحليل وتفسير منظومة القيم التي تشكل إطار الفرد والجماعة ، أي أن الإعلام كرسالة إيجابية سيتحول عند استخدام معطياته بشكل سلبي إلى عامل تفكيكي إفسادي للمنظومة القيمية والاجتماعية ، وبالتالي سوف يسهم في كسر وعاء التنشئة الاجتماعية عبر تفتيت قيم المجتمع وثوابت ثقافته ، ويخلف قيم الفرد المستنفر من الجماعة ، المحبط عن جدوى الانتماء إليها ، وبالمقابل يسهم في إشاعة قيم الجماعة المغربة عن العلاقة الداخلية التواصلية التي تعبر عن جدوى العمل الجماعي أو الانضواء تحت خيمة واحدة ، وهكذا ويكفي أن نتابع مسلسلاً تلفزيونياً مكسيكياً واحداً من تلك التي يتم إدخال النطق باللغة العربية عليها ( الدبلجة ) لنرى كيف يسهم الإعلام في نقل صور مرتبكة للعلاقات الأسرية والاجتماعية ، وبتعبير آخر في تمجيد علاقات منحرفة مستهدفة العلاقات الأسرية وروابطها بشكل خاص والعلاقات بين المجتمع الواحد بشكل عام .
ومن جانب آخر فإن الاستخدام المضلل والسلبي للإعلام يوظف باتجاه تكريس حالة من التشتت والفرقة بأن يترك للفرد فرصة التأويل الشخصي بمعزل عن الرأي المتكون للجماعة وبالتالي يفقد شبكة العلاقات الاجتماعية التي تشعره بالأمان والحماية وتتركه وحيداً ضعيفاً أمام التأثير العارم لوسائل الإعلام وبدل أن تكون أجهزة الإعلام وعلاقتها اليومية المستندة إلى الصدقية والخدمة الموضوعية أداة توحيد للمجتمع وتعزيزاً لثقافته تتحول إلى عامل تشويش وإفساد لذائقة الإحساس بالحدث والتعبير عن الموقف الموضوعي منه ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المجتمعات التي تتسم بانخفاض مستوى التعليم وبالتالي تدني مستوى التعامل مع المنتوج الثقافي تقع في الغالب تحت سيطرة مصدر إعلامي واحد ( أو ربما أكثر ) ، ويمارس ذلك المصدر دور الاكتساح لصالح تسويق وإحلال قيمه وثقافته ( ) .
ويساهم الإعلام مساهمة أساسية في تشكيل القيم والعادات والاتجاهات وأنماط السلوك ، ومن البديهي إن إحداث تغييراً جوهرياً في هذه الجوانب يخدم أهداف العولمة ، وقد ساهمت وسائل الإعلام بشكل خطير وسريع في التأثير في مجتمعاتنا وفي كل الصعد مما دفع المتلقي إلى التعامل مع هذه الوسائل فساهمت بشكل كبير ( ونتيجة للتطور التقني الهائل والتنوع والأطر الجذابة ) في تشكيل وعي الفرد وتغيير سلم الأولويات القيمية لديه وتغيير أنماط سلوكه ، فلم يعد النظام الإعلامي الجديد مجرد وسيلة بل وافد متطفل ومحاور يشدنا ويتدخل في شؤوننا ويخترق حياتنا الخاصة بلا أدنى تهذيب أحياناً أو غالباً ( ) .
المبحث الثالث
دور الإعلام في مكافحة ظاهرة الفساد
تمهيد :
يستهدف هذا المبحث طرح رؤية علمية لتطوير الأداء الإعلامي الخاص بمكافحة تفشي ظاهرة الفساد في المجتمع وتنطلق هذه الرؤية من خلال نقطتين :
ترتبط النقطة الأولى بتوصيف مشكلة انتشار الفساد في المجتمع من حيث الانتشار والخصائص المختلفة للمفسدين والدوافع المختلفة التي توقع الأفراد في براثن الفساد ، والآثار المختلفة المترتبة على الفرد والمجتمع جراء محاربة الفساد أو المشاركة في ذلك ، إضافة إلى الحلول المختلفة المقترحة لمواجهة هذا المشكلة.
ولعل الهدف من هذا التصنيف هو رسم العناصر الأساسية للرسالة الإعلامية التي تتصدى لمعالجة الأبعاد المختلفة لمشكلة انتشار ظاهرة الفساد في المجتمع ، حيث يصبح واضحاً أمام القائمين على الرسالة الإعلامية حجم انتشار المشكلة في المجتمع وخصائص ودوافع المفسد ، فيما ترتبط النقطة الثانية إلى تقويم الأداء الإعلامي من واقع الملاحظة العلمية حول معالجته لهذه المشكلة ، بهدف التعرف على نقاط القوة والضعف في رسائله المتدفقة لمعالجة هذه الظاهرة والمساهمة في الحد منها .
وطرح بعض المقترحات التي يمكن أن تسهم إيجابياً في تفعيل دور الرسالة الإعلامية في مجال مكافحة ظاهرة الفساد .
أولاً : أبعاد مشكلة انتشار ظاهرة الفساد في المجتمع :
تُعَدُّ مشكلة الفساد مشكلة مركبة متعددة المكونات ، فهي مشكلة اجتماعية وأمنية واقتصادية وقانونية وأخلاقية تربوية ، لذا لا يمكن في الواقع أن يتصدى تخصص واحد لاحتوائها أو التغلب عليها ، بل لا بد من تعاون الجميع .
وتشير التقارير والدراسات إلى استفحال خطر مشكلة انتشار ظاهرة الفساد في المجتمعات على الرغم من كل الإجراءات والتشديدات التي تحاول الحد من هذه الظاهرة ... وخطورة المشكلة تكمن في حجم الإهدار لكل اقتصاد ونتيجة عبر سنين عديدة ، إضافة إلى الخسائر الاجتماعية ، فضلاً عن ازدياد عدد القضايا في مجال مكافحة انتشار الفساد بشكل ملحوظ وحسب إحصائيات صادرة بذلك .
وربما لا يوجد إحصاء دقيق في أي دولة من دول العالم ، مهما كانت درجة تقدمها ، لعدد المفسدين فيها لأسباب مختلفة ومعقدة ، ومعظم البيانات الإحصائية تعتمد على ضبط الأجهزة المعينة بالفساد ومكافحة المفسدين والذين يخرقون القانون ( )
ثانياً : دوافع استشراء ظاهرة الفساد : ( )
أولاً : دوافع اجتماعية منها :
ـ ضعف الشعور بقيمة الفرد وأهميته في المجتمع وضعف الشعور بالانتماء الحقيقي للبلد .
ـ افتقاد القدوة الحسنة .
ـ وجود تجارب سابقة في التعامل مع الفساد .
ثانياً : دوافع ذات طابع ديني منها :
ـ ضعف الوازع الديني .
ـ فصل الدين عن الحياة .
ثالثاً : دوافع اقتصادية منها:
ـ الشغف بالحصول على الأموال بأية طريقة .
رابعاً : دوافع إعلامية وثقافية منها :
ـ الانفتاح الإعلامي والثقافي على الثقافات الأخرى والتعرض للمضامين الإعلامية التي قد تشجع على قيم سلبية وغريبة في المجتمع .
خامساً : دوافعه أمنية :
ـ ضعف الجانب الردعي والوقائي .
ـ ضعف الأجهزة وآليات عملها في الكشف عن المفسدين .
ثالثاً : تأثير الأداء العلمي للإعلام في القضاء على الفساد :
لا بد للإعلام أن يركز في رسائله وبطريقة علمية مؤثرة على هذه الظاهرة الفتاكة في المجتمع من خلال تخصيص برامج ثابتة على خريطة البث الإذاعي والتلفزيوني تهتم بشكل أساسي لمعالجة هذه المشكلة في أبعادها المختلفة ، ويأخذ بنظر الاعتبار اختلاف مواعيد بث البرامج ؛ لكي يحقق اتساع الجمهور المستهدف من قبل هذه البرامج وتعظيم الاستفادة منها .
وأن تعد البرامج إعداداً قوياً يشير إلى الإحصائيات والأرقام والتشخيص الدقيق الذي يلم بجوانب المشكلة ، وضرورة توظيف الصورة التلفزيونية بشكل جيد ، والاعتماد على الكلمة المسموعة ، رغم دلالة وخطورة الصورة في معالجة المشكلة .
ومن المهم جداً التنوع في الأشكال والقوالب الفنية ، لا أن يسخر على البرامج الحوارية فقط ، بل يتضمن الكاريكاتير والتحقيقات والدراما بشكل فني متقن، والابتعاد عن النمطية في أداء البرامج وقوة الإيقاع بعيداً عن المد والتطويل الذي يؤدي إلى الملل والتأكيد على انتظام تقديم الحملات الإعلامية ذات الصلة بمشكلة الفساد في مواعيد ثابتة وعدم تأرجح مواعيد تقديمها لأي سبب كان .
إضافة إلى ضرورة التفاعل مع الجمهور عبر قنوات عديدة لتحقيق الغاية من هذه البرامج ، وربط الجماهير بها وتنمية وعيهم بأبعاد هذه المشكلة على المجتمع ، وحثهم على المشاركة بقوة في التصدي للفساد والمفسدين .
الخاتمة والتوصيات
هناك بعض المقترحات التي تعتمد حلولاً لمواجهة مشكلة الفساد والحد منها ضمن مستويات عدة منها :
1) نشر الوعي بين أفراد المجتمع بأبعاد هذه المشكلة وخطورتها على المجتمع ككل وضرورة نشر التوعية الدينية وإيضاح رأي الدين في هذه المشكلة ، وذلك في دور العبادة وأماكن التجمعات وعبر وسائل الاتصال بالجمهور .
2) ضرورة تولي الإعلام لدوره المهم والكبير للتعريف بخبايا الفساد والمفسدين وإثراء رسالته الإعلامية بالأبعاد المختلفة للمشكلة ، بما ينطوي عليه ذلك من تقديم رسالة متكاملة الأبعاد تجاري ما يحدث على أرض الواقع في المجتمع من دون مجاملات .
3) زيادة الاهتمام بمشكلة الفساد في البرامج الدينية وتجديد الخطاب الديني بشأن الفساد في وسائل الإعلام وتقديم هذه النوعية من البرامج في أوقات الذروة والمشاهدة المرتفعة والاعتماد على الدعاة ورجال الدين المحببين لدى الجمهور والحرص على تفاعل الجمهور مع هذه البرامج .
4) التنويع في البرامج والجرأة في المعالجة والتقديم والخروج من النمطية في الأداء ، والتوظيف الجيد لعناصر الصورة في الإخراج واختيار المتخصصين الملائمين في هذه البرامج ، وتفعيل عنصر الاتصال والتفاعل مع الجمهور في هذه البرامج ، والتأكيد على الإعداد السليم والوافي لأبعاد المشكلة . وتنمية مهارات الإعداد الجيد والخلفية الثقافية والمعرفية للمقدمين وطريقة إلقاءهم وتقديمهم لبرامجهم .
5) توظيف الحملات الإعلامية في التوعية بمخاطر الفساد بأسلوب علمي لهذه الحملات وتطبيق نظامها في التخطيط وتنفيذ الحملة الإعلامية من خلال تحديد أهدافها في تنمية الوعي الاجتماعي وتنمية وعي الأسرة وتحديد وسائل الاتصال الجماهيرية والمباشرة التي تلائم مخاطبة الفئات الجماهيرية المستهدفة كافة.
وجدولة هذه الوسائل على أساس علمي في المراحل الزمنية المختلفة للحملة الإعلامية ، وتحديد الرسائل الإعلامية التي تتضمنها الحملة الإعلامية من موقف القانون من الفساد ورأي الدين والشريعة في الفساد والسحت الحرام ، إضافة إلى اختيار الأشكال والقوالب الفنية الملائمة لتقديم الحملة الإعلامية على مستوى الاتصال الجماهيري وتشمل التنويهات القصيرة والبرامج الدرامية والأعمال الدرامية القصيرة والبرامج الحوارية ، والندوات والمناقشات المفتوحة واعتماد مداخل منطقية وعاطفية تشمل الترغيب والترهيب .
6) عرض رسائل الحملة بوسائل الاتصال كما خطط لها ومتابعة العرض وتلافي أية أخطاء قد تحدث أثناء عرض الحملة .
7) تقويم أثر الحملة على معارف واتجاهات وسلوكيات الجمهور بشأن ظاهرة الفساد بمعرفة نقاط القوة والضعف في عناصر الحملة ، واختيار أنسب الأوقات لتنفيذ حملات التوعية والإرشاد .
8) توظيف تكنولوجيا الاتصالات الحديثة لخدمة المعالجة الإذاعية والتلفزيونية لهذه المشكلة ، وذلك من خلال بناء مواقع إعلامية على شبكة الإنترنت للبرامج التي تعالج هذه المشكلة وإيجاد حلقة وصل ما بين الجمهور من خلال استخدام رسائل SMS لزيادة الحث على معالجة هذه الظاهرة .
9) ضرورة تشديد العقوبات على الفساد والمفسدين وسرعة حسم قضاياهم بدون إطالة وإمداد الإدارات العامة المعنية بالنزاهة بكل الإمكانات الفنية والتكنولوجية والبشرية التي تمكنها القيام بأدوارها بنجاح بالتعاون مع أجهزة الإعلام المختلفة .
المصادر والمراجع
القرآن الكريم .
( ) عبد الرحمن الكواكبي : الأعمال الكاملة للكواكبي ، سلسلة التراث القومي ، ط2، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2004م : ص499 .
( ) بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2004م : ص39 .
( ) نعيم الخوري : الإعلام العرب وانهيار السلطات اللغوية ، سلسلة أطروحات الدكتوراه ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2005م : ص416 .
( ) برهان غليون : مجتمع النخبة ، دراسات في الفكر العربي ، بيروت ، معهد الإنماء العربي ، 1986م : ص285 .
) ( LAZARSFELD & MERTON ( SOCIOLEGE DE INFORMATION , OP, CIT, P; 59
( ) المصدر السابق : ص 60 .
( ) د. فريال مهنا : علوم الاتصال والمجتمعات الرقمية ، بيروت ، دار الفكر المعاصر ، 2005م : ص46-47 .
( ) عبد الرحمن عزي : دراسات في نظرية الاتصال نحو فكر إعلامي متميز ، سلسلة كتب المستقبل العربي ، 28 ، بيروت ، 2003 م : ص112 .
( ) فؤاد سيد عبد الرحمن الدفاعي : النفوذ اليهودي في الأجهزة الإعلامية ، القاهرة ، بدون تاريخ .
( ) المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية ، القاهرة ، 20 00م : ص17 .
( ) عادل عبد الغفار : تخطيط وتنفيذ حملات التسويق الاجتماعي ، كلية الإعلام، جامعة القاهرة ، 2006 م .

 

 

 

دراسات وبحوث استراتيجية