Facebook
بحث عن الامام المجتبى
الكاتب: الدكتور علي رمضان الأوسي   
الخميس, 02 تموز/يوليو 2015 19:17

 

3lirmdan
لايجوز تكرار النشر دون الاشارة لمجلة سطور

 

الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)
الكلمة الطيبة

الدكتور علي رمضان الأوسي
(استاذ الدراسات العليا في الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية/لندن)

الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)
الكلمة الطيبة

قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)( ).

المقدمة:
الامام الحسن المجتبى بن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهم السلام) هو الإمام الثاني من أئمة العترة المطهرة، وقد ترك خطباً عدة في ظروف متباينة ومع ذلك فهي بليغة رائعة حوت مثلاً علياً وقيماً نحتاجها اليوم في التخاطب، وهذا ما كان يميز خطاب الامام المجتبى (عليه السلام) مع الناس ومع الخصوم والمخالفين والاعداء كذلك. ومن هنا يمكننا ان نبرّز الجانب القيمي في لغة التخاطب، وقبل ان نتناول تلك المفردات في خطبه الشريفة في المبحث الرابع من هذا البحث نقدّم ثلاثة مباحث نعرض فيها:
1-من هو الامام الحسن (عليه السلام)
2-الظروف التي أحاطت به (عليه السلام)
3-منهجه واسلوب المواجهة لديه
ومن ثم التأشير على مفردات خطبه البليغة محاولين إدراجها تحت عناوين ومطالب.

المبحث الأول:
من هو الإمام الحسن (عليه السلام)
أقدم في هذا البحث جوانب من نشأة الامام الحسن (عليه السلام) وسيرته الشريفة ومكانته عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خلال ما قام بتأليفه ابن عساكر (ت 571) ابو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي الدمشقي وهو أكبر الحفاظ في القرن الخامس الهجري.
الامام الحسن (عليه السلام) هو سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) وريحانته وأحد سيدي شباب أهل الجنة، ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وقد سمّاه جدّه (صلى الله عليه وآله) (حسناً) (عليه السلام) وأنه شقّ اسم الحسين (عليه السلام) من اسم الحسن (عليه السلام). وكانت أمه فاطمة الزهراء (عليها السلام) تلاعبه وتقول له:
بأبي شبه النبي ليس شبيهاً بعلي
وقال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (انه ريحانتي من الدنيا، اللهم اني أحبُه وأحبَّ من يحبه).
وعن أبي سعيد الخدري ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: آية التطهير (انّما يريدُ الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) نزلتْ فيَّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة)( ).
وعن ابن بريده الأسلمي عن أبيه (الصحابي الكبير) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)( ).
ومرة أطال النبي (صلى الله عليه وآله) السجود لما وثب ابنه الحسن (عليه السلام) على ظهره فقال (صلى الله عليه وآله) للمسلمين بعد الصلاة حين سألوه عن سبب إطالته السجود: (أن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجّله حتى يقضي حاجته).
فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم ينطلق في هذا الموضوع عاطفياً وانما ركّز على انّه ولده وانّه يحبّه الى هذه الدرجة، فهل فقه الناس سرّ ذلك لا سيما بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
ومرة حمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبطيه على ظهره ويقول لهما: (نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما)( ).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُقعد الحسن والحسين (عليهما السلام) على فخذه ويقول: (اللهم ارحمهما) ويخاطب أهل بيته ويقول (صلى الله عليه وآله): (أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)( ).
وروى المقدام بن معد يكرب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (الحسن مني والحسين من علي)( ).
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (انا وعلي وفاطمة والحسن والحسين يوم القيامة في مكان واحد)( ).
وفي فضل الحسن (عليه السلام) قال (صلى الله عليه وآله): (ألا انّ الحسن بن علي قد أعطي من الفضل ما لم يُعطَ أحد من ولد آدم).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين فله جرأتي وجودي).
وقال (صلى الله عليه وآله) للحسن (عليه السلام): (ان ابني هذا سيد وإن الله تعالى سيصلح على يديه بين فئتين من المسلمين عظيمتين).
شهادات بحقه (عليه السلام):
هي شهادات كثيرة وذات أثر كبير حين تصدر من مخالفيه وقد عرضنا لما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكانة ولده الامام الحسن (عليه السلام) والبحث العلمي يقتضي أحياناً ذكر ذلك لأبراز هذه المكانة على لسان آخرين.
فقد قال ابو الحسن المدائني قال: قال معاوية - وعنده عمرو بن العاص وجماعة -: من أكرم الناس أباً وأمّاً وجداً وجدّةً وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً؟
فقام النعمان بن العجلان الزرقي فأخذ بيد الحسن فقال: هذا أبوه عليّ وأمّه فاطمة وجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجدّته خديجة وعمّه جعفر وعمّته أمّ هانيء بنت أبي طالب وخاله القاسم وخالته زينب.
فقال عمرو بن العاص: أحبُّ بني هاشم دعاك إلى ما عملت؟ قال ابن العجلان: يا ابن العاص ما علمت أنّه من التمس رضى مخلوق بسخط الخالق حرّمه الله أمنيته وختم له بالشقاء في آخر عمره؟ بنو هاشم أنضر قريش عوداً وأقعدها سلماً وأفضلها أحلاماً.
وفاخر يزيد بن معاوية الحسن بن علي فقال معاوية: ليزيد: فاخرت الحسن؟ قال: نعم. قال لعلّك تقول: إنّ أمّك مثل أمّه وأمّه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولعلك تقول: إنّ جدك مثل جدّه؟ وكان جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمّا أبوك وأبوه فقد تحاكما إلى الله جل وعزّ فحكم أبيك على أبيه.
وعن محمد بن عمر العبدي عن أبي سعيد: ان معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش: أخبرني عن الحسن بن علي، قال: يا أمير المؤمنين إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يساند ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل له شرف إلا أتاه فيتحدثون حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين ثم نهض فيأتي أمّهات المؤمنين فيسلّم عليهنّ فربّما أتحفنه ثم ينصرف الى منزله، ثم يروح فيصنع مثل ذلك، فقال: معاوية ما نحن معه في شيء( ).

كرم أخلاقه وفضله (عليه السلام):
قال الامام الحسن (عليه السلام): (اني استحيي من ربي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته)، وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: (لقد حجّ الحسن بن علي خمساً وعشرين حجة ماشياً وإن النجائب لتقاد معه)( ).
وقد قَاسمَ الامام الحسن (عليه السلام) الله تعالى ماله ثلاث مرات( ).
وقدم رجل المدينة وكان يبغض علياً فقطع به فلم يكن له زاد ولا راحلة، فشكى ذلك الى بعض أهل المدينة فقال له: عليك بحسن بن علي، فقال له الرجل: ما لقيت هذا إلا في حسن وأبي حسن، فقيل له: فأنّك لا تجد خيراً إلا منه فأتاه فشكى اليه فأمر له بزادٍ وراحلة، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته)( ).
فهذا هو ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستحيي من ربّه ان لم يمشِ حافياً إلى بيته الحرام، ولا يضمر في قلبه غلاً حتى لخصومه وخصوم أبيه علي (عليه السلام) بل يفضل عليهم ويجود.
وما أوردناه جزء يسير جداً من سيرته الفاضلة وكرم اخلاقه وفضله (سلام الله عليه).

المبحث الثاني:
البيئة والظرف السياسي حول الامام الحسن (عليه السلام)
بويع الامام الحسن (عليه السلام) في 21 رمضان سنة 40 للهجرة كما بايعه أهل البصرة والمدائن وأهل العراق والحجاز واليمن وفارس، ورفض البيعة معاوية بن أبي سفيان الذي ولاه على الشام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وبقيت الشام خارج اطار البيعة الشرعية للخليفة الجديد الامام الحسن بن علي (عليه السلام).
ولم يتردد معاوية عن بث جواسيسه في أمصار البيعة الشرعية للامام الحسن (عليه السلام) كما أخذ بتصعيد وتائر الحرب وتهديد الخلافة الاسلامية الجديدة والفتية.
أبرز قضيتين واجهها الامام الحسن (عليه السلام):
1-طبيعة المجتمع وما آل إليه الناس بعد الحروب الثلاثة المفروضة على الامام علي (عليه السلام).
2-حرب الشائعات وأساليب معاوية في الاغراء والتهديد.
القضية الأولى:
الكوفة كانت من أكثر الامصار الاسلامية ولاءً لأهل البيت (عليهم السلام) ولكن تداعيات الحروب الثلاثة وآثارها المدمرة (صفين، والجمل، والنهروان) التي فرضت على الامام علي (عليه السلام) جعلت هذا المجتمع طعمة للانقسامات التي أورثت الكثير من المشاكل للخلافة الشرعية، ومنها:
1-الخوارج الذين استقروا في الكوفة بعد معركة النهروان ومن رموزهم: (شبث بن ربعي، وعبد الله بن وهب الراسي، وعبد الله بن الكوّاء، والأشعث بن قيس)، وكانوا يطالبون بقتال معاوية وكانوا يرون الامام الحسن (عليه السلام) ومعاوية غير مقبولين لديهم لكن القضاء على الأخير يسهل عليهم القضاء على الحسن (عليه السلام).
2-الرعاع أصحاب المصالح الضيقة: وهؤلاء لم تحكمهم قيم ولا ضوابط ولا يفقهون من الحق شيئاً وكانوا ينظرون إلى الجهة التي تتغلب على الأخرى فينضمون اليها.
3-الشكاكون: وهم الذين تأثروا بدعوة الخوارج ودعايات الامويين حتى بلغ بهم الشك في مبدئية أهل البيت (عليهم السلام).
4-القبليون واتباع الرؤساء: وهم أعظم خطراً اذ يتبعون رؤساءهم من غير إرادة ولا تدبّر وقد اتبعوا قياداتهم الضالة التي كاتبت معاوية ضد الامام الحسن (عليه السلام) ومنهم: (قيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجاج، وحجار بن أبجر وغيرهم).
5-المهجّنون الطامعون: وهم من المسلحين وقد بلغ تعدادهم أكثر من عشرين الفاً من (الموالي والعبيد) وقد وضعوا أنفسهم في خدمة من يدفع اليهم من الطغاة وقد فعلوا الأفاعيل الشريرة بالشيعة فيما بعد وصاروا فيما بعد مرتزقة الوالي الأموي على الكوفة وكان لهم دور شرير بعد ان قويت شوكتهم حتى سميت الكوفة باسمهم فقالوا: (الكوفة الحمراء).
6-شيعة أهل البيت: وهم من يؤمن بأحقية أهل البيت في الخلافة وان طاعتهم مفروضة على جميع المسلمين، ولم يكن لهم دور مؤثر في ظل هذا التمزق المجتمعي او ربما كانوا عدداً قليلاً غير مؤثر وغلا لما أجبر الامام علي (عليه السلام) على التحكيم في صفين ولما صالح الامام الحسن (عليه السلام) معاوية( ).
ولقد ساهمت الظروف الاقتصادية وتداعيات الحروب الثلاثة في صنع هذه التوجهات وبات المناخ خصباً لترويج الشائعات وصناعة الافتراءات بسهولة مما جعل التشكل خلف هذه التوهمات أمراً عادياً لديهم.

القضية الثانية:
(حرب الشائعات وأساليب معاوية في الترغيب والتهديد)
ما هي الاشاعة؟
هي خبر او مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع وتتداول بين العامة ظناً منهم على صحتها ودائماً ما تكون أخباراً شيقة أو مثيرة وتفتقر عادة الى المصدر الموثوق( ).
وقد ردّ القرآن الكريم على هذا اللون من الاشاعة بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)( ).
وللشائعات آثار مدمّرة فقد تقضي على مجتمعات كاملة لا سيما اذا ما دعمتها أطراف وتوجهات تدخل في حساب مصالحها فهي تجعل من الصواب خطأ ومن الخطأ صواباً وعادة ما تسيطر على عقول المجتمع وقد يصعب إبطالها احياناً بعد ان تستشري في المجتمع وتتمكن من قناعاتهم( ).
ولفداحة هذا السلاح المدمر عرّفنا به قليلاً فالشائعات كانت أحد الأسباب الخطيرة التي أدّت الى تفكك المجتمع الكوفي وجيش الامام الحسن (عليه السلام) الذي عسكر في (النخيلة) لمواجهة جيش معاوية.

ما هي أبرز الاساليب الماكرة التي استخدمها معاوية؟
1-بث الاشاعة في جيش الامام الحسن (عليه السلام) المتمركز في النخيلة، فكان معاوية يشيع بأن الحسن (عليه السلام) يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم؟ وقد أحدث ذلك تمرداً كبيراً وقد أوصل رسالة ماكرة أخرى الى قائد الجيش الحسني وهو عبيد الله بن العباس بأن الحسن (عليه السلام) راسلني في الصلح وهو مسلّم الأمر إليّ فأن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، كما أغراه بالمال فاستجاب لمعاوية وفرّ من الجيش الحسني ومعه ثمانية آلاف من ذوي الاطماع والاهواء.
وقام قيس بن سعد بن عبادة بقيادة الجيش بوصية من الامام الحسن (عليه السلام) وهدّأ الأوضاع في المعسكر، كما أشاع معاوية في المدائن ان القائد الجديد قيس بن سعد قد صالح هو الآخر معاوية، وألحقها باشاعة ثانية ان قيساً قتل، فأثّر ذلك أثراً عظيماً بأصحاب النفوس الضعيفة( ).
2-والى جانب الشائعات عمد معاوية الى اسلوب الرشوة باعطاء الاموال الكبيرة والوعود بالولاية على مصر من الأمصار أو القيادة على جيش، وحتى وصل الأمر الى الوعد بتزويج أحدى بنات معاوية لمن يقتل الحسن (عليه السلام)( ). وهذا غاية في التدني الاخلاقي وخساسة في النفس لتضلّ عن الحقّ.

المبحث الثالث:
كيف عالج الامام الحسن (عليه السلام) هذه المواقف
من الصعب مواجهة مثل هذه الاساليب الماكرة التي تستهدف الانسان وتفرغه من محتواه العقلي والروحي والاخلاقي، وتتعقّد أكثر فأكثر حين يبلغ الانحراف مستوى مؤثراً في قناعة المخدوعين وضعفاء النفوس، وقد اتخذت السياسة الأموية أساليب عدة لرسم منهج بديل عما أوصى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذريته من وجوب المودة اليهم واطاعتهم باعتبارهم عدل القرآن والثقل الثاني كما ورد ذلك في حديث الثقلين.
ومنذ ان صدع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالدعوة الى الله سبحانه واجه أبا جهل وابا لهب وأبا سفيان وكانوا حرباً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعوته الجديدة فنزل قرآن بأبي لهب (تبت يدا أبي لهب وتب)( )، ولم يرتدع، وكان أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ألدّ أعداء النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو الذي جيّش المشركين في معركة بدر حيث قُتل فيها وحمد النبي (صلى الله عليه وآله) ربه على ذلك وردّد ثلاثاً: الله الذي لا إله إلا هو، ثم قال: هذا فرعون هذه الأمة.
ولم يُسلم أبو سفيان يقيناً فما أسلموا بل استسلموا ولما وجدوا أعواناً على الاسلام وثبوا وكان من الطلقاء يوم الفتح حتى كبر وهرم على ذلك فخلفه معاوية وكان أكثر مكراً من أبيه، ومعاوية وهو في الشام حيث ولّاه الخلفية الثاني اتفق مع مروان بن الحكم في المدنية على ان يمنعا عثمان من ان يخلع نفسه حين حاصره الثوار في بيته واتفقا على قتله حتى لا تفلت الامور نهائياً من البيت الاموي، ولولا قميص عثمان لما آلت الخلافة الى الأمويين من خلال التحريض والافتراءات وسياسة المكر والخديعة. وما رفعت راية حرب على الاسلام إلا بنو أمية وزعيمهم ابو سفيان قائدها ورافعها وهذه العداوة هي عدواة الظلام للنور وليست تنافساً على مال أو جاه بل هي عداوة التضاد الطبيعي والتنافر الفطري( ).
فكيف وماذا صنع الامام الحسن (عليه السلام) أمام هذه السياسة الأموية المتجذرة منذ عصر النزول؟
وهنا نورد أبرز ما قام به الامام الحسن (عليه السلام) في هذا الطريق:
1-فضح سياسة معاوية وانها لا إسلامية:
أ-بعد استشهاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ومبايعة الامام الحسن (عليه السلام) أغاض ذلك معاوية فأرسل جواسيسه الى البصرة والكوفة فقبض عليهما فخاطب الامام الحسن (عليه السلام) معاوية بقوله:
(أما بعد فأنك دسست إليّ الرجال كأنّك تحب اللقاء فتوقّعه ان شاء الله، وبلغني انك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى) .
فقد أشّر الامام الحسن (عليه السلام) الى عداونية معاوية بأرسال الجواسيس وانه شمت باستشهاد امير المؤمنين (عليه السلام) وهذه ليست من شيم ذوي العقل الراجح، وفي ذلك كله فضح لمعاوية.
ب-كما دعا الامام الحسن (عليه السلام) معاوية الى مبايعته وطاعته والدخول فيما دخل فيه المسلمون، وفي ذلك فضح للمنهج الأموي المخالف للخليفة الشرعي فهو الذي حارب كذلك أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بعد ان بايعه الناس، وهذا خروج ثان منه على البيعة الشرعية.
فجاء في رسالة الامام الحسن (عليه السلام) الى معاوية:
(من عبد الله الحسن أمير المؤمنين، الى معاوية بن أبي سفيان، اما بعد: فان الله بعث محمد (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين فأظهر به الحق، وقمع به الشرك، وأعزّ به العرب عامة، وشرّف به قريشاً خاصة، فقال: (وانه لذكر لك ولقومك)، فلما توفاه الله تنازعت العرب في الأمر بعده فقالت قريش: نحن عشيرته وأولياؤه فلا تنازعونا سلطانه فعرفت العرب لقريش ذلك وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب، فهيات ما انصفتنا قريش، وقد كانوا ذوي فضيلة في الدين، وسابقة في الاسلام، ولا غرو إلا منازعتك إيانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، فالله الموعد، نسأله الله معروفه أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئاً ينقصنا عنده في الآخرة، إنّ علياً لما توفاه الله ولاّني المسلمون الأمر بعده، فاتقِ الله يا معاوية وانظر لأمة محمد (صلى الله عليه وآله) ما تحقن به دماءها وتصلح به أمرها والسلام)( ).
ج-هدد معاوية الامام الحسن (عليه السلام) بقوله: (فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس، وان أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيتُ لك بما وعدت، ثم الخلافة لك من بعدي)( ).
لكن الامام الحسن (عليه السلام) لم يلتفت الى تهديده وهو يعرف كذبه وخداعه وأجابه (عليه السلام): (فاتبع الحق تعلم أني من أهله)( ).
وهذا التهديد كان آخر مراسلة بين الامام (عليه السلام) ومعاوية، فالأخير اتجه الى الحرب وهيأ لها كل مقدماتها، لكن الامام (عليه السلام) كان الأمر لديه واضحاً فوضع حداً لمكره وخداعه في مرحلة ما قبل الصلح.
وهناك خطب كثيرة أثناء الصلح وبعده فضح فيها الامام (عليه السلام) سياسة معاوية ومكره وخداعه.
2-التأكيد على إمامته (عليه السلام) وشرعية مواقفه: في اجتماع الامام (عليه السلام) بمعاوية في الكوفة بعد الصلح وكان على غير رغبة من الامام (عليه السلام) لأنه رأى باطل معاوية قد استحكم وجوره قد انتصر فخطب معاوية بشكل قاس على الناس وقال قولته الشهيرة: (وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم) واخذ يسبّ ويشتم.
وحين خطب الامام (عليه السلام) التفت الى الناس وقال (عليه السلام):
(ان أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، والله لو طلبتم بين جابلْق –وهي بأقصى المغرب- وجابرس-وهي بأقصى المشرق- رجلا جده ، رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين ، وقد علمتم ان الله هداكم بجدي محمد (صلى الله عليه وآله)، فانقذكم به من الضلالة ، ورفعكم به من الجهالة واعزكم بعد الذلة ، وكثركم بعد القلة وان معاوية نازعني حقا هو لي دونه، فنظرت لصلاح الامة وقطع الفتنة و قد كنتم بايعتموني على ان تسالمون من سالمت و تحاربون من حاربت فرأيت ان اسالم معاوية ، و اضع الحرب بينى و بينه ، و قد بايعته و رأيت ان حقن الدماء، خير من سفكها، ولم ارد بذلك الا صلاحكم وبقاءكم ، وان أدرى لعله فتنة لكم و متاع الى حين)( ).
وفي دمشق حيث كان معاوية، انبرى الامام الحسن (عليه السلام) في مناظراته مع المخالفين بفضحهم، والتعريف بنفسه ونسبه فوجّه خطابه الى أركان ظلم معاوية وهم: ابن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، والوليد، وزياد ابن أبيه، وعبد الله بن الزبير، وبعد ان اسمعوا الامام (عليه السلام) كلاماً فيه شتائم، وسبّ، أجابهم (عليه السلام) واحداً واحداً ففضحهم جميعاً ومما جاء في كلامه الشريف مخاطباً اياهم مبيناً فضل أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام):
(أتعلمون ان الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كلتيهما؟
وانشدكم الله هل تعلمون انه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضون؟
وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس ايماناً؟
وأنشدكم الله ألستم تعلمون انه كان صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر، ولقيكم يوم أحد ويوم الاحزاب ومعه راية الرسول (صلى الله عليه وآله)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك المواطن كلها عنه راض.
وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أنّ علياً حرّم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)( ).
وهكذا درج الامام (عليه السلام) على هذه الطريقة في التعريف بنفسه وأبيه وجدّه وأهله، وفضح المخالفين المعاندين لخط النبي وأهل البيت (عليهم السلام).
وممّا قاله (عليه السلام) في مجلس معاوية في الشام: (قد علمت قريش بأسرها أني منها في عزّ أرومتها، لم أطبع على ضعف، ولم أعكس على خسف أعرف بشبهي وأدعى لأبي) وساء ذلك الخطاب ابن العاص الذي كان جالساً( ).
وهناك مواقف كثيرة مشابهة لهذا المنهج، وتعريفه بنفسه يدخل في سياسة تعبئة الجماهير وفضح المدّعين وتبديد الشبهات التي كان يثيرها أعداء أهل البيت (عليهم السلام).
3-فلسفته (عليه السلام) في الصلح مع معاوية:
لم يكن الامام الحسن (عليه السلام) راغباً في الصلح إلا بعد ان خانه قادة جيشه، وتردد الناس في مواجهة الاعداء، فكانوا طعمة للشائعات والرشاوى التي أرسلها معاوية الى جيش الامام الحسن (عليه السلام)، ولم يكن الصلح أقل خديعة من رفع المصاحف يوم صفين الذي حال دون النصر المؤكد بعد ان اشرفوا عليه وتمكّن الفارس المؤمن مالك الاشتر من خيمة معاوية فأفسد الأمر حينها رفع المصاحف.
وقد استهدف معاوية بهذا الصلح الجماهير المتعبة بعد تداعيات الحروب الثلاثة (الجمل وصفين والنهروان) التي فرضت على أمير المؤمنين الامام علي (عليه السلام).
فوضع الامام الحسن (عليه السلام) الرفض والقبول في كفتي الميزان ليرى لأيهما الرجحان، فوجد أنه لو رفض الصلح وأصرّ على الحرب ، فلا يخلو أما أن يكون هو الغالب، ومعاوية المغلوب وهذا وإن كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل ، ولكن فليكن بالفرض هو الواقع ، ولكن هل مغبة ذلك إلا تظلم الناس لبني أمية، وظهورهم باوجع مظاهر المظلومية، بالامس قتلوا عثمان عين الامويين، واليوم يقتلون معاوية عين الأمويين، وخال المؤمنين (يا لها من رزية) ويتهيأ لبني أمية قميص ثانٍ فيرفعون قميص عثمان مع قميص معاوية، والناس رعاع ينعقون مع كل ناعق لا تفكير ولا تدبر ، فماذا يكون موقف الحسن إذاً؟ لو افترضناه، هو «الغالب».
أما لو كان هو «المغلوب» فاول كلمة تقال من كل متكلم إن الحسن هو الذي القى نفسه بالتهلكة، فان معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فأبى وبغى ، وعلى الباغي تدور الدوائر ، وحينئذ يتم لمعاوية وأبي سفيان ما أرادا من الكيد للاسلام وارجاع الناس الى جاهليتهم الأولى وعبادة اللات والعزى، ولا يبقي معاوية من أهل البيت نافخ ضرمة ، بل كان نظر الحسن (عليه السلام) في قبول الصلح أدق من هذا وذاك، أراد أن يفتك به ويظهر خبيئة حاله ، وما ستره في قرارة نفسه قبل أن يكون غالبا أو مغلوبا ، وبدون أن يزج الناس في حرب ، ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء( ).

المبحث الرابع:
مضامين عالية من كلامه الشريف
عرض الامام الحسن (عليه السلام) أموراً كثيراً في العقيدة والسلوك والمثل العليا لا سيما في مجال تربية النفس والمجتمع ونحاول هنا ان نقتطف مختارات من كلامه الشريف لا سيما في مكارم الاخلاق ومساوئها:
*التقوى: (وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى باب كل توبة، ورأس كل حكمة، وشرف كل عمل).
*طلب الرزق: (لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فأن ابتغاء الفضل من السنة والاجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، فان الرزق مقسوم واستعمال الحرص استعمال المآثم).
*التزام المساجد: (من أدام الاختلاف الى المسجد أصاب ثمان خصال: آية محكمة، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّ على هدى، أو تردعه عن ردىً، وترك الذنوب حياءً أو خشية).
*محددات السياسة في رؤيته (عليه السلام): (هي أن ترعى حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الاموات)( ).

مكارم الاخلاق:
وقد ورد ذلك في إجاباته على أسئلة أبيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) منها( ):
السداد : دفع المنكر بالمعروف.
الشرف : اصطناع العشيرة وحمل الجريرة ( موافقة الإخوان).
المروءة : العفاف وإصلاح المرء ماله ( إصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، وإفشاء السلام والتحبّب إلى الناس).
السماحة : البذل في العسر واليسر .
الإخاء : الوفاء في الشدّة والرخاء .
الغنيمة : الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.
الحلم : كظم الغيظ وملك النفس .
الغنى : رضى النفس بما قسم الله وإن قلّ، فإنّما الغنى غنى النفس.
المنعة : شدّة البأس ومقارعة أشد الناس .
الصمت : ستر العيب وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه آمن.
المجد : أن تعطي في الغرم، وأن تعفو عن الجرم .
العقل : حفظ القلب كلّ ما استرعيته (استوعيته) أو حفظ القلب لكلّ ما استتر فيه.
الثناء : إتيان الجميل وترك القبيح .
الحزم : طول الأناة والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الناس.
الكرم : العطيّة قبل السؤال والتبرع بالمعروف والإطعام في المحلّ.
النجدة : الذبّ عن الجار والمحاماة في الكريهة والصبر عند الشدائد .

مساويء الاخلاق:
الدنيئة : النظر في اليسير ومنع الحقير .
اللؤم : احتراز المرء نفسه (ماله) وبذله عرسه (عرضه).
الشحّ : أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً .
الجبن : الجرأة على الصديق والنكول عن العدوّ .
الفقر : شره النفس في كلّ شيء .
الجرأة : موافقة الأقران .
الكلفة : كلامك فيما لا يعنيك .
الخُرْق : معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك .
السفه : اتباع الدناة ومصاحبة الغواة .
الغفلة : تركك المسجد وطاعتك المُفسِد .
الحرمان : تركك حظّك وقد عرض عليك .
شرّ الناس : من لا يعيش في عيشه أحد .
الكبر : به هلاك الدين وبه لُعِن إبليس .
الحرص : عدو النفس وبه أُخرج آدم من الجنّة .
الحسد : رائد السوء وبه قتل هابيل قابيل.

ملخص القول :
سيرة عطرة حُفّتْ بالمكاره والتحديات، لكنه (عليه السلام) جسّد قيم السماء ورسم لمن بعده طريقاً شجاعاً سمحاً عفيفاً وعزيزاً ويندر ان تجتمع هذه السمات المتقابلة في منهج واحد، فما أحرانا نحن المسلمين اليوم ان نتأسى بهذا التراث الكبير الذي حافظ على القرآن الكريم والسنة المطهرة في كل مواقفه واحاديثه وخطابه في وقت طغى الابتذال والحقارة في الطرف الآخر (وما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر) وعلى منهج أبيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) سار الامام الحسن المجتبى الكلمة الطيبة (سلام الله عليه) يوم ولد ويوم جاهد وقاد ويوم استشهد ويوم يبعث بين يدي الجبار ليقتص من جلاديه.

فهرست المصادر

1-اعلام الهداية- المجمع العالمي لأهل البيت (ع)- بيروت- 1430هـ.
2-أنساب الأشراف-أحمد بن يحيى البلاذري- دار الفكر- بيروت-1417هـ.
3-تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك-أبو جعفر ابن جرير الطبري- دار المعارف –مصر-ط2.
4-تاريخ مدينة دمشق-علي الشافعي المعروف بابن عساكر- دار الفكر – بيروت.
5-تحف العقول عن آل الرسول (ص) – ابن شعبه الحراني – مؤسسة النشر الاسلامي – قم- 1404هـ.
6-تهذيب التهذيب – ابن حجر العسقلاني – مؤسسة الرسالة – بيروت.
7-جامع البيان عن تأويل آي القرآن – ابو جعفر الطبري – القاهرة – 1958م.
8-الحرب النفسية معركة الكلمة والمعتقد – صلاح نصر – دار القاهرة للطباعة والنشر.
9-حياة الامام الحسن (ع) –باقر شريف القرشي – دار البلاغة – بيروت.
10-سنن الترمذي- محمد بن عيسى – القاهرة – 1384.
11-السنن الكبرى – احمد بن الحسين البيهقي – دار المعرفة – بيروت.
12-شرح نهج البلاغة للامام علي (ع) – ابن ابي الحديد المعتزلي – دار الأميرة للطباعة والنشر ط1-2007م.
13-شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت (ع) – الحاكم الحسكاني – مطبعة الاعلمي – بيروت 1393.
14-الطبقات الكبرى – محمد بن سعد البصري – دار صادر – بيروت – 1405هـ.
15-كشف الغمة في معرفة الائمة – ابن ابي الفتوح الأربلي – تحقيق هاشم الرسولي – تبريز.
16- المحاسن والاضداد – ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ – مطبعة الله آباد – الهند – 1920م.
17- المحاسن والمساويء – محمد بن ابراهيم البيهقي – تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم – دار المعارف – القاهرة – 1991م.
18-مسند أحمد بن حنبل – المطبعة الميمنية – مصر- 1313.
19-المعجم الكبير- سليمان بن احمد الطبراني – دار احياء التراث العربي.
20-مقاتل الطالبيين – ابو الفرج الاصبهاني – منشورات الشريف الرضي – قم – ط2-1416هـ.
21-ويكيبديا - الموسوعة الحرة.

 

 

دراسات وبحوث استراتيجية