قصّة إعتقالي مع الصدر الأوّل PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: طالب السنجري   
السبت, 08 نيسان/أبريل 2017 16:00

6albalsnjree
في منتصف عشرينات عمري كنت حمامة من حمائم بيت الصدر الشهيد اُشنّف سمعي بعذب كلامه، وأكحل نظري بالنظر الى محيا وجهه الباسم.
كنت أحفظ مايقوله في خاطري لشدّة تعلّقي به، حتّى كبرنا في ظلّه ولم أعرف من الدنيا يومها إلاّ الفكر والصدر والهمّ للإسلام والوطن.
ولا اُغالي إذا ماقلت أنّي كنت أرى سلوك الأنبياء يتجسّد في سلوكه، وهو مايجعل إنشدادي الى شخصه يتعاظم يوماً بعد يوم.
ولم يتهيأ لي أن أحضر دروسه العلمية، ولكنّ الله حباني مرافقته والإستفادة من بحور علمه وتأمّلاته مافتح لي ذلك باباً في العلم لم يغلق بعد!.
والحديث عن الصدر يتشكّل بمنظومة يطول الوقوف عندها، فالرجل إستثناء في عالمنا الديني!.
ولقد تشرّفت بمرافقته للأمن العام ببغداد وتلك منحة لم تأتي من فراغ ولم تتهيأ للخائفين والمترددين!!.
ففي 1979 من رجب كنت قد إستأذنته للذهاب الى كربلاء كي أجسّ نبض ( منظمة العمل الإسلامي ) عبر أخينا العلاّمة كمال الحيدري لنتعرّف عن موقفهم فيما لو حدث شئ ، فكان الجواب أن سنوزّع المنشورات التي تندّد بالبعثيين، ولم يرق لي جواب كهذا ولا أستثني الفصائل الاُخرى فالكلّ لم يكن بمستوى الحالة القائمة ولم يتهيأ الجميع لطبيعة المرحلة !.
ورجعت من كربلاء عصراً وكان ذلك اليوم قد أعلنه الصدر إعتصاماً في بيته مستنكراً أعمال البعثيين ومطارداتهم للمؤمنين.
وكان الوجوم هو المخيم في شوارع النجف، وتكاد تكون الشوارع فارغة، فقلت في نفسي أن قد حدث شئ على الصدر فجازفت للوصول الى بيته وأبلغته رحمه الله، وهو لم يكن في وقتها - كما أعرف - ينتظر من أحدٍ شيئاً، فالرجل متدرّع بصبره، متكأ على قناعاته.
ولم يرق لي أن أتركه وحيداً في بيته مع عائلته ، فبتُّ ليلتي تلك وأنا أشعر كأنّي في ثكنة عسكرية، لشدّة زحام عناصر الأمن والشرطة.
وفي صبيحة اليوم التالي فتح الباب علينا من كان عنده مفاتيح الدار من إخوتنا ودخل بصحبة مدير أمن النجف، وكان الصدر في غرفته فدخل عليه مدير الأمن وبعد دقائق تعالت صيحات الصدر بوجهه.
وفي فسحة الدار إستوقفت الصدر ومنعته من الذهاب مع الذئاب، وكان قد تضايق مدير الأمن من هذه الممانعة بعد إستجابة الصدر بإعتقاله !.
وبعد ها أمر السيد رحمه أن يخرج فخرج برفقته والدته العجوز المقدّسة، وزوجته واُخته بنت الهدى والشيخ المخلص للصدر حقّاً محمّد رضا النعماني.
وهنا قد فوجئنا بجحافل قوّات الأمن التي جاءت من بغداد للإشراف على إعتقال الصدر، ولم أتمالك حينها صبري إذ أوقفت الصدر وأخذت وسط هذا الشريط الممتدّ من منزل الصدر الى أول الشارع، وأخذت بالتنديد بحزب البعث وبالدكتاتور صدّام حسين وخسّة ونذالة البعثيين الذين إستسلموا لقرار البعث في محاربة الناس.
ولم أشعر إلاّ وأنا بين يدي رجل جرّني بقوّة من ياختي ، وسيروا الصدر الى السيّارة ، ففلت من يدي هذا المجرم وركضت الى السيارة ففتحتها وركبت مع الصدر.
وكان الصدر قد كرّر أكثر من مرّة بارك الله بك شيخنا شيخ طالب، وحمدت الله وشكرته على حسن الختام إذ أننا ذاهبون الى ساحة الإستشهاد، بمعية سيّد العصر!.
وكان قد طلب منّي مدير الأمن أن أصعد بسيارة غير تلك فأبيت وفي المرّة الثالثة بصقت بوجهه، وسددت الباب بقوّة فرأيت الصدر قد إبتسم إبتسامة عريضة، ماجعلني أعيش في حالة أمن لا نظير لها.
وتحرّكت قافلة الإعتقال بإتجاه بغداد ، فقلت للصدر سيدنا أبرئني الذمّة إن كنت قد قصّرت بحقّكك، فقال لي أنت موفق أسأل الله أن يرعاك، وقلت له هل أنت مرتاح؟ فقال لي أنا سعيدٌ جدّاً .
وكان عندي مجموعة تلفونات لأصدقاء فمزّقتها قطعا صغيرة ورميت بعضاً وأدخلت بعضاً منها في كفّة دشداشتي فكان الصدر ينظر اليّ ويضحك.
حتّى إذا وصلنا الى الأمن العام كان بإنتظار الصدر مدير الأمن العام فاضل البرّاك، وجلسنا في الغرفة فإستدعاني أحدهم للتحقيق معي فلم أقم وللمرّة الثالثة، نظر الصدر اليّ نظرة فراق فقال لي إذهب معه والله معك.
وماإن خرجت من الغرفة وأنا لا أعرف من أين تأتيني الضربات والكدمات، فخنقوني بعمامتي وأصعدوني الى الطابق الخامس يجرّوني كالكبش.
فأخذني من جرّاء التعذيب بآلات الكهرباء والضرب المبرح نزف الدم من اُذني ، وبقيت على هذه الحالة الى الظهر.
وإذا بهم يأتونني بملابسي فرأسي ضاق بالعمامة لتورّمه، ورجلي ضاقت بحذائي، فجاءوني بعمامة أكبر لبعض معتقليهم من أهل العلم وهم يومئذ كثار، ومسحوا عنّي الدماء، وأرفقوا معاملتي وجاءوا بي الى ذات الغرفة التي فارقت سيدي الصدر منها، فوقعت عليه فقبلته مابين عينيه، ولثمت يديه شوقاً وإعتزازاً، ولكنّه عزّ عليّ أن رأيته شاحب الوجه فعرفت فيما بعد أنّه قد تعرّض للتعذيب!.
وخرجنا من الغرفة وهم يكثرون مجاملة الصدر وكأن لم يكن شئ، والصدر لم يلتفت الى ذلك كلّه فهو مشغول بالذكر.
وكانوا قد هيأوا سيّارة ( فولكة ) للإجرة تأخذنا الى النجف فقلت لا نركب بها أنا أستأجر غيرها، ما جعل مدير الأمن أن يأمر بسيارته أن تقلنا الى النجف، وفي هذه الدقائق قال لي الصدر ألا نؤدّي صلاة الظهر هنا فهيأؤا لنا إبريق ماء وسجّادات صلاة فكببت الماء على يدي الصدر من أجل أن يتوضأ وصليت خلفه جماعة من غير وضوء لأنّ أعضاء الوضوء كلّها دماء، وكانت هذه الصلاة الوحيدة التي خلقت عندي نقلة روحية لا مثيل لها في حياتي، وهي التي أدخرها الى يوم نلقاه.
وبعد إنتهاءنا من الصلاة وركوبنا السيّارة قال لي الصدر لقد أحدث المؤمنون في العراق شيئاً غيّر المعادلة، فحمدنا الله سبحانه على كلّ شئ ووصلنا النجف بسلام وتناولنا طعام الغداء وبعدها غادرت بيت الصدر الى مخبئي الذي لم أبق فيه إلاّ ساعات قلائل وبدأت في رحلة حياتي مطاردات حادّة.