حكاية شرف... PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: سلمان كيوش   
الخميس, 23 شباط/فبراير 2017 20:55

salmaaankb
مهداة إلى الصديقة العذبة نسرين جابر مع التحيّة....

لم تدهشه زرازير التنّومة التي تحطّ على رأسه وكتفيه حين يغنّي وهو يلولح قدميه في شطّ العرب، ربما لأنها تيّقنت مما به من الجمال وحسن النيّة، وهما كافيان، بتقدير الزرازير، لتطمئن إليه وتتخلّى عن حذرها، أو لأنها حسبته شجرةَ وردٍ بريٍّ، ففي صوته ما يكفي من المسالمةِ ليحيّدَ الضغائنَ فيحيل مستمعيه إلى مرأى الفخاتي النزقة وهي تنقرُ أفواه القطط. يُندِّي صوتُه صوبي الشطّ في التنّومة ويملأهما برائحة كالتي تطلقها الأرض وهي تتلقّى أوّل مطرة في تشرين.
اعتدتُ إرهافَ سمعي لصوت رويّض، كما يحلو لي تسميته، منذ نابَ عني في ترديد أسئلة غرامي في "أحبّك ليش ما أدري"، فأصبحتُ مع غنائه أجمل وأرقّ لأن فيه من الألفة مع الضيم ما يضاعف حبّي "لها". صوت منشغل بالمتعذّر القصيّ من الأحاسيس مع أنه بدأ مقلدًا لانشغالات الملا صيهود الگرناوي في زفراته. صوت واع لمهمّته لأنه يعرف أن الحبّ هو الطريق الأقصر والأجمل إلى حيازة الأهميّة في الوجود. صوت يستفزّ الفضول نحو المتع البِكر غير المجرّبة والمهملة، ومع هذا ظلَّ ما بروحه أكبر بكثير مما أحاطت به أغانيه برغم كثرتها، لذا لذَّ للناس انتظارهم لما لم يقله، وكأنّ ما غنّاه كلّه محض بداية لسِفر كبير سيتلوه يومًا. وانتظر الناس، غير أن الموت خيّب آمالَهم لأنه هو من تولّى وضع النغمة الأخيرة للّحن المنتظر حين وشم الذاكرة بمرأى جنازة في غير أوانها تعتلي قمارة سيّارة تتجه، في صباح ربيعيّ من عام 1997، إلى المثوى الأخير.
نفعته روجات شطّ العرب كثيرًا، فقد وظّفها عُربًا لصوته، واستفاد من خيوط البريسم وريش إبطي الخضيري وعنقه فحاكاهما في الرهافة والنعومة. وبرغم تشتّت روحه بين الممكن السهل في رحابة التنّومة وما حولها في الجنوب، والمستحيل في صخب بغداد وزحامها، إلاّ أنه بقي على الديدن القديم الذي لا يُحسن من الوجود غير التقاط ذبذبة الجمال.
كان يعرف أنه سيموت وتبقى أغانيه، لذا برع عبدالرضا بن مزهر السباهي في الانتقاء. كان يقلّب الكلمات والألحان كما يقلّب أهله عگلهم قبل أن يضعوها على رؤوسهم. عرف مبكرًا أن صوته يصلح لفصد الأرواح المعذّبة، وأنه يليق بتكثيف سحب الحزن ليمطرها حالوبًا لذيذًا على الظامئين المدمنين للعذوبة. كان هذا حين غنّى على الشطّ أوّل مرّة فسمعته أمّه وبكت. قالت له:" حسّك شعب روحي"، ضحك أبو الروض في وجهها وقال:" يمّه، چنت أغنّي"، وهو لا يعلم أنه يختزل بغنائه كامنَ الحزن والفائضَ منه منذ السلالات الأولى للدمع السومري بانهماره أمام برحيّة ماتت أو جاموسة مربوبة جثلة* نفقت متعسّرة في ولادتها.
لم يكن يعرف وهو يتأمل الامتداد الجميل للشطّ في التنّومة أن الملايين ستدمن صوته الذي تحمّل أعباء رسالة كبيرة مفادُها أن الحبّ بخير في بلد تعلو فيه صفارات الإنذار حتى على أصوات المآذن. لم يكن موقنًا إلاّ من أنه يصلح لمهمّة واحدة هي أن يغنّي، وأن لا معنى للغناء إن لم يكن مسبوقًا بهمٍّ ومصحوبًا بدم. لم يكن يعرف أن أغانيه ستُغلف بالورد والأشرطة الحمراء المزركشة ليتبادلها العشّاق مراسيلَ غرام سريّة ليثبتوا لأحبّتهم أنهم حلّوا في قلوبهم أبدًا.
يساريّ الهوى، حتى غدا صوته ممثلًا للحلم الجميل المقموع "ببلد سعيد" مع أنه لم يكن شعائريًا. هو صاحب الصوت الآصرة بين الوطن والحبيب. فحين تستمع إليه يتسلّل إليك إحساس أن ثمة خللًا جماليًّا كبيرًا في مكان ما بيننا، وأن هذا الصوت ليس مصادفيًا، بل هو نتاجُ معارضةٍ عتيدة من نوع ما. صوت يعمد إلى تعرية مستمعيه إلاّ من جمالهم، فيضعهم وجهًا لوجه مع ما بهم من نقاء واستعداد كبير للحبّ. ينزع ما بهم من غلٍّ فتتسيّد في نفوسهم رغبتان: البكاء على حبيب لم يحظوا بوصاله، والعمل بجدٍّ للإطاحة بشيء، أيّ شيء طاغٍ ومستبدّ.
شغله السؤال الكبير، ولعله من القلائل الذين فكّروا به: كيف يمكن للأغنية أن تُمرّر اليسارَ بشحنةِ اعتراضه مع أن كلّ ما فيها للحبيب؟ وأعاد السؤال بطريقة أخرى: كيف يمكن تطويع حنجرةٍ تتقن النواح المموسق فقط لتوصلَ للآذان، ومن بعدها القلوب، الاعتراضَ الكبير على ما يجري؟ أظنّه أجاب عنه بطريقة فذّة حين جعل من مستمعيه قنابلَ وردٍ موقوتة بوجه القبح والهشاشة، لكنه عجز عن أن يكون ثوريًا على أهبة الاستعداد لأعواد المشانق أو عتمة الزنازين الضيّقة اللائقة به، فآوى إلى عالمٍ من صنع مخيّلته التي شاء تخديرها، عامدًا قاصدًا، "بسوائل سحريّة" لازمت إحساسه الكبير بالخيبة وروّضته كي لا ينزّ عليه عالمُه بالمزيد من الشرّ والقبح.
مات أبو الروض واقفًا بلا مقدمات أو ضجيج كما يفعل مطر الربيع، قتيلَ التضاد الكبير بين حياة يحلم بها وأخرى يعيشها، فكان العاشقون أوّل المتضرّرين لأنهم استيقنوا أن الحبّ بعده لن يعود كما عهدوه معه، وأن "نقيبهم" أَلجأهم، بموته المباغت، إلى ريب كبير يداني اليقين في قدرة غيرِ صوته على استيحاء ما بهم من وجد، فأعادوا قراءة إرثه المبهر في "من تزعل" و"بحشاشتي سهمك مضه" و"آن الأوان" و "واضح" وغيرها الكثير.
عزاؤهم وعزاؤه أنه ترك للعاشقين حنجرةً بيضاء، وموقفًا ساميًا من الحياة، وتراتيل يترنّم بها كلُّ من استبدّ به الوجد وأعجزته الحيلة في الوقت العصيب لحروب بدت مفتوحة على كلّ احتمال إلا احتمال نهايتها.
***
حدّثني مَن تمنيتُ أن أكون صديقًا قديمًا حميمًا له، الأستاذ كاظم غيلان، قال: سمع أبو الروض أغنية قديمة أعجبته، بل هام بها.. أغنية لمطرب جنوبيّ مغمور، هي "الفوته فوته". تساءل عن عائديّتها، فقيل له هي لگريري السلمان. أصرّ على أن يرى هذا الرجل، فذهب بصحبة كاظم غيلان إلى العمارة وحلّا ضيفين كريمين على الفنان الجميل كاظم فندي، وسردا عليه سبب وجودهما في العمارة.. ذهب الثلاثة بعدها إلى المضيف الذي يتوسّط متنزه العمارة في الجانب الشرقيّ لدجلة، وهناك كان اللقاء الذي انضمَّ له الفنان الكبير جويسم كاظم. تحدّث أبو الروض، وعيناه في عيني گريري:" عمّي، أريد أغنّي وحده من أغانيك". سأله گريري:" يا أغنية"؟ فقال:" الفوته فوته"، قال گريري:" بالله سمّعني"، وصدح أبو الروض في المضيف. تمايل الحاضرون، وكان گريري أكثرهم طربًا، ربما لأنه صاحب قصب السبق في التغنّي بالفوته وما سبقها وتلاها من ألم. قال گريري، وقد شعر أن يومه جميل جدًا وأن أنباء الحروب وقدرتها على سلب ومقارعة الجمال ليست صحيحة دائمًا، وأظنّه قد احتضن رويّض وقبّله في فمه:" والله يا بويه أنت غنّيتها أخير منّي".

سمعتُ الحكاية الصغيرة الكبيرة فزادت لوعتي لأن ذاكرتي تمتلئ بالكثير من الحكايات المناهضة المناوئة للشرف والرفعة في زمن أوضحُ ما فيه هو الانتهاك الصريح لهما.
• مربوبة وجثلة: سمينة.