Facebook
هارمونية الضوء وخلود اللحظة PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محسن الذهبي ..لندن   
السبت, 30 نيسان/أبريل 2011 15:43

محسن الذهبي - لندن

tahseenalzedy4
tahsenalzaydy1
tahseenalzedy
  • السابق
  • 1 of 3
  • التالي
قراءة في اعمال الفنان العراقي تحسين الزيدي

لم يبق لي من وجهه إلاّ شحوب الفجر في يوم حزينْ...

لم يبق لي من صوته إلاّ الرّنينْ...

لم يبق من كفّيه إلاّ هذا الاخضرارْ.. (الشاعرة التونسية فوزية العلوي )

..................................................

بعد سلسة من المشاركات التشكيلية وثلاث معارض شخصية في صالة المدى (دمشق ) – 2009 و كاليري الاندي (عمان )وكاليري زمان (بيروت ) 2010 ، استطاع الفنان الشاب (تحسين الزيدي ) ان يسجل حضورا واضحا في المشهد التشكيلي العراقي المهاجر .

فمنذ الوهلة الاولى، ونحن نطالع اعمال الفنان نحس بتأثير ذلك التلاعب والابهار اللوني الذي يغرق ارجاء اللوحة ويستدرج العين بحدة لونيه محملة باجواء ضاجه بصخبها ، فالضوء يحول الوجوه في اللوحة الى فضاء حي مشبع بنبض الفعل اليومي والانفعال الممتد إلى أعماق النفس ، فابداعه ينفتح على مداليل التأثير اللوني لاحداث الاثر المطلوب وايجاد الاشباع النفسي والادراكي لدى المتلقي و بسعى واضح الى اغواء العين بهذا التناقض الحاد لانه يعرف مقدما ان وعي التلقي يستثار بالمختلف المستفز ولا يبالي بالمألوف الجاهز . فاعمال الفنان (تحسين الزيدي ) لا تقتصر على ما هو صوري بصري دلالي، بمعنى صياغة تشكيلية للصورة الواقعية، بل تذهب أبعد من ذلك، إلى استنطاق ما وراء الصورة، من خلال تجسيد ما بعد المرئي والحسي، ليحمل الما وراء بعده الوجودي بمكوناته الثلاثة (الإبستيمي والأنطولوجي والوظيفي)، فتغدو للوحة دلالات متعدده من معطيات تقدمها شفرات الخطاب التشكيلي فضلا عن قيمتها الفنية والجمالية. فهي مكون حقيقي من مكونات هوية هذا الفنان التشكيلي، التي لا تنفصم عن اللحظة الابداعية التي ينتمي إليها. فهو يشتغل على زمنين .. زمن ابداعي يحاول تجميد واستنطاق اللحظة الحسية لوجوه منفعلة يختارها بعناية شديدة وهي تمارس ابداعها في العزف الموسيقي ، وزمن واقعي يحافظ على تثبيت ذلك الواقع الفيزيقي الفضائي على الشخوص والاشياء والامكنة لادراك تلك اللحظة السكونية وبذلك يحرك السكونية الزمانية ويحيلها الى انفعال عبر ضربات لونية سريعه لكنها متقنه تنم عن استيعاب لقدرة اللون التعبيرية ويجهد الفنان لخلق بؤرة لونية في تشخيصية الوجوه تشع وسط فضاء اللوحة وتكون مركز الاستقطاب للعين تعبر عن مزاج ونفسية لحظة الابداع والحالة الوجدانية التي تغرق بها الشخوص فهو يتوغل الى عمق حالة الالهام فيسبغ على تشكيلاته اسقاطات متخيلة لا تنحرف في انطباعيتها عن الواقع كثيرا بل تستثمر عدة اتجاهات فنية في بودقة واحدة فمن التشخيص التشبيهي الى الانطباعيةالتجريدية تتمازج فيها الفنتازيا بالواقع بعنف وجموح لوني لتجسيد مشهد ية احتفالية متقاربة ومتماهية مع صدى النغمات الميته التي يحاول الفنان رصدها فالامر وكما يقول مارتن هايدغر في كتابه – اصل العمل الفني – " لا يتعلق باعادة التعبير عن الموجود الفرد الحاضر في كل مره ، انما يتعلق بالتعبير عن الجوهر العام للاشياء " .

ان اعمال الفنان ( تحسين الزيدي ) تتأمل المظهر البصري - المادي - لتوصل الأنا المجسده الى استنتاجات حدسية حول الجوهر الداخلي فهدف الفن عنده ان يظهر للعيان ما يتولد عن الروح من التمثلات والتصورات عبر اختراق الاشياء والنفاذ الى ماوراء الواقع بل الى ماوراء الخيال كذلك . فالوجدان الانساني في اعماله هو نور يخرج من الاعماق ليتوج ويضيء المشهد في اللوحه مستعيرا من الموسيقى رومانسيتها لخلق هذا التناغم اللوني وجمع تشظيات اللحظة الحسية وصهرها في مداليل اللون في بحثه عن خلود اللحظة الساكنه.

ان تجربة الفنان تضيف الى المشهد التشكيلي العراقي الذي تبلور خلال السنوات الأخيرة الماضية في العديد من المغتربات العالميه مع مجموعة من الاسماء الشابه بعدا يحاول ان يحمل لواء الجرأة في تقديم منجز بصري حداثوي يضاهي ما تنجزه محترفات الفنون العالمية ،مضيفا الى تراث المشهد التشكيلي العراقي الثر دماء جديدة فاعلة ومؤثرة واعتقد ان مثل هذه التجارب تتطور وستثمر ان وجدت الفضاء المفتوح لإيصال تلك الرؤى والتجارب والأفكار الثرية بانسانيتها الى قاعات العرض وعين المتلقي الواعي .

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا