Facebook
فيصل لعيبي :ريبوار سعيد وغورنيكا الكرد PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: فيصل لعيبى   
الثلاثاء, 26 نيسان/أبريل 2011 13:37

فيصل لعيبي

reboartashkeel
قليلون هم الفنانون الذين يستلهمون رموز و اشارات بيئتهم و يستخدمونها في اعمالهم الفنية. و نادراً ما تنجح محاولات هؤلاء في التعبير عن شخصية شعوبهم الثقافية و الحضارية.. و العملية لاتزال في طور التكوين و التبلور كحركة عامة مقابل تيار الفن الغربي.

ان مسألة التراث و المعاصرة, او الفن المحلي و الفن الكوزموبوليتي, تشغل بال نقاد الفن و مفكريه إضافة الى علماء الجمال و الانتروبولوجيا ايضاً. كما ان الاكثرية الساحقة من فناني العالم يسخرون من هذه الاطروحات و يعتبرونها محاولات فاشلة ليس لها مستقبل أكيد, و هم يبررون ذلك بالثورة العلمية و انتشار افكار العولمة و القرية الكونية و عالمية الفن و تشابه المشاكل التي تواجه الانسان... انهم باختصار ينفون امكانية بناء أو إعادة بناء ثقافة محلية في عصرنا الحالي و يعتبرون ذلك من مخلفات العصور الماضية. لكننا نشاهد و نسمع العديد من الاصوات الداعية الى الحفاظ على الشخصية الثقافية لهذا الشعب او ذاك, لها حججها و براهينها القوية.. و لا يزال الصراع محتدماً بين الطرفين في هذا المجال و سوف يستمر بين طموحات الشعوب نحو التحرر و بين القوى المهيمنة عالمياً.

شخصياً أميل الى دعاة الثقافة المحلية و الحفاظ على الشخصية الوطنية في الثقافة. و من هذا المنطلق احس أن من واجبي تعريف و تقديم الفنان الكردي (ريبوار سعيد) لغرض القاء بعض الضوء على تجربته الفنية التي تلتقي مع تجارب بعض الفنانين الكرد في العراق في التعبير عن الهوية الثقافية لمجتمعهم.

يحاول الفنان ريبوار والى جانبه الفنان فؤاد علي (يعيش في ايطاليا حالياً) اضافة الى آخرين أن يعكسوا الطابع الكردستاني.. و هم بهذا يشكلون ريادة يجب الاعتراف بها.. و اذا كان الفنان عزيز سليم (جيل الرواد) قد عبر بطريقته الخاصة عن فهمه لهذا التيار فان فؤاد علي و ريبوار سعيد و آخرين قد تقدموا الى هذا الهدف بخطوات بعيدة تقربهم من امكانية تحقيق هذا الشرط الهام في كل فن و ثقافة على هذه الأرض (أي المحلية).

ان هذا التيار يواجه كماً هائلاً من الانتاج الفني الذي يستلهم الفن العربي بالذات و هو كم مؤثر و يلعب دوراً تضليلياً في وعي العديد من الفنانين المهمين و الذين يملكون طاقات حقيقية و معتبرة.. لكنهم مع الأسف الشديد منشدون الى ما تنتجه الذات الغريبة أكثر من انشدادهم لما يحدث في داخل الشخصية الكردية بالذات.. و ثم في احسن الاحوال لن يفعلوا أكثر مما فعل اولئك المترجمون الذين ترجموا لنا الأدب الاجنبي و عرفونا بدواخل الشخصية الأخرى.. و اذا كان الانبهار بنتاجات الفن الغربي له ما يبرره فانه في النهاية استشراف الطاقات لا مبرر له عموماً.

لا يستطيع المشاهد لاعمال ريبوار ان يتجاهل عالمه الخاص.. ذلك العالم القادم من تلك المناطق الملتهبة و المتألقة, الغنية بالحياة و العامرة بالالوان, و لايمكن أن تنتسب هذه الاعمال الى رسام أمريكي أو صيني.. انها خارجة من تلك الجبال و الوديان و رائحة النرجس و البنفسج و الياسمين. من ملابس النساء الجميلة و من جمال الطبيعة الأخاذ.. و هي تعبير عن طيبة هذا الشعب و بساطته و عن شجاعته و صموده ايضاً.

احمر صاف, بنفسجي, أصفر, أخضر, اسود فاحم, ازرق بلون الزاب, الوان متدفقة مثل شلال طلي علي بيك.. منفصلة و متحدة متباعدة و متقاربة, الوان شعبية تراها في المقاهي و المحلات العامة و داخل البيوت على فراش العروس وفوق محمل الحاجات المنزلية و على الزرابي و البسط وقطع النسيج.

ان ريبوار يكشف لنا عن بساطة الجمال و عمقه.. انه يقترح علينا التجوال داخل اسواق كردستان المليئة ببضائع الشرق الساحر.. الشرق المظلوم ايضاً.

5000 ضحية, هو عنوان معرضه الذي أقيم في (بتشابغر مانر كاليري) في ايلنغ برودواي في لندن, من 15/1 – 15/2/1998. – 5000 طائر – 5000 روح – 5000 انسان افناهم طاغية بغداد, "ضحاك" هذا الزمان القذر. 5000 طيف يلتفون حولك, يمسكون بك كي لا تنسى الجريمة, حلبجة, غورنيكا الكرد.

ان جماليات ريبوار تختلط بقبح الواقع المرير للشعب الكردي.. انه يعرض علينا روح الكردي و طموحه مع خسائره و نكباته.. لقد دمر النظام حلبجة و ناسها و نثر عالمها في الفضاء وجاء ريبوار يجمعه, و يقدمه لنا في هذا المعرض الهام.

ريبوار فنان شعبي ملتصق بتربته, لقد قدم لنا الموسيقى الكردية و الرقصات و عيون الفتيات الجميلة و براءة الاطفال, و رائحة أسواق التوابل و الخضروات, الفاكهة و بائعي الزهور و الطيور.. لقد اعاد تكوين حلبجة و احيا ضحاياها.

5000 وجه – 5000 شخص نهضوا من موتهم ليحيوا جمهور المشاهدين و هم يحملون شموعاً مشتعلة.. حيث تذوب المشاعر معها و تنهمر الدموع في ذكرى هذه المجزرة البشعة التي تدين الى جانب النظام العراقي كل من لاذ بالصمت او حاول التهرب من التعبير عنها.. خاصة نحن العراقيين.

في هذا المعرض, عرض الفنان مجموعة من الأعمال المختلفة و التي نفذها بمواد مختلفة ايضاً, لوحات زيتية و قطع خشبية و سيراميك و نحت و اعمال التلصيق و التركيب و الحفر. و تخلل المعرض نشاط حول حلبجة, و اعمال الفنان, و الواقع الكردي المعاصر. و عزفت الموسيقى الشعبية, و تردد صدى اللغة الكردية بصوت شيركو بيكس.

ان تجربة ريبوار تدعو جميع الفنانين الكرد الى الالتفات حول القضية الاساسية.. الا و هي الشخصية و الهوية و الذات التي تميز هذا الشعب عن ذلك.. و الا ما معنى النضال اذن في سبيل الحقوق القومية للشعب الكردي؟