Facebook
الذاكرة المرئية لبلد المليون رسام PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: رياض الفرطوسي   
الثلاثاء, 22 شباط/فبراير 2011 22:02

رامبرانت .. شيخ الفنانين الصوفيين التشكيليين يضج بالبهاء

رياض الفرطوسي

امستردام

ادركت مذ وطئت اقدامي البلاد المنخفظه  ( هولندا ) بأني  على ارض   ذات مرجعية تاريخيه  وامبراطوريه  بحرية  ذات عمق انساني وخصوصا  في ميادين  الطب والفلسفه  والثقافة والفن , مما  سمح  للرسامين بتدوين ذاكرة بلدهم  عبر الرسم , ومن هنا برز  شاب مسلح  بالجمال  الطفولي ومصمم  على البراءة  رغم كثرة الصعوبات التي واجهته .. حكاية  هذا الشاب  الاعزل , المتوهج  بالحزن  والحب والعشق والحياة  وتوقه  الدائم  للامل ... انها ليست حكاية  فنان تشكيلي  فحسب  , بل  هي حكاية مجتمع  وكيف يحول  مخلوقاته  الى كائنات  تزحف على اللون  لتعيد  صياغة  ورؤية  المكان  من خلال الشخوص والوقائع .

 

ولد هارفنرون فان  رامبرانت  في يوليو  1606  في مدينة  لايدن  الهولندية  , ولد  مثلما تولد  مخلوقات  البراري  بدون مراسيم  فهو الطفل الثامن في العائلة .. والده كان طحانا , وامه ابنة  لخباز , وهو الامر الذي  سيخلق  لهذا الفنان  مرارات  كثيرة لانه قادم من الطبيعة ....  سيصدمه  عالم   فيه من الواقعية  الشديدة  والتناقض  عن كل ما عاش وتأمل وتخيل  , الامر الذي  فتح  له ابواب التعبير  والابداع  , فكان معبأ بالضوء  والاصرار والوعي والرغبة  الحارة في معانقة الحياة  فوجد حريتة  في لوحاته  ورسوماته فكان يرسم  على كتبه  ودفاتره المدرسية .. وقد تجلت لوحاته في هذه المرحله وهي مرحله الشباب والنشاءة الاولى بتفاصيل واسعة فالحواس  مرهفة  كما لو انها  شراع ابيض في جو ربيعي هاديء, فكانت  لوحاته رغم صغرها  الا انها تتسع لفضاءات  شاسعة  متوهجه بالخضرة  الذهبية  التي ينبع منها السر والنور والضوء  , فكانت تحمل احلامه المهربة من زمن قديم , فتجد ثمة رائحة  لطقوس الاحتفالات الشعبية , بالوانه التي ترتعش بتوهج الازرق  والبنفسجي , فقد استطاع هنا ان يجرح اللون بعفوية  طبيعية  ليحافظ على  رؤية طازجة في كل الظروف , ويلاحظ ايضا تاثير البنى الدينية في لوحاته  التي تعكس  رؤية عائلته . وقد استمرت  هذه المرحلة  من عام 1625  الى  عام  1631. بعدها سافر الى امستردام  , وهنا استطاع ان يستقر على نوع من الاستقلال  النوعي في رسوماته , فدخلت المدينة  الى عناصر اللوحة  وشكلت محتواها الاساس فظهر اللون الضبابي من خلال مداخن البيوت , كعلامة فارقة  وحية ومباشره على الحياة العائلية الدافئة , صور اشخاص يمشون  على اطراف البلدة  على نحو  متاخر من الليل , المنازل  والالوان  , والاشجار المسترخية على بعضها البعض , وفي لوحة اخرى يصور بساطا عشبيا  شاسعا  وكبيرا  كفناء جميل  مطل على  ابدية وافق مفتوح  , فكانت الالوان تنساب  من بين اصابعة  لتروي  تلك العلاقة  الوشيجه  التي تختبيء في اعماقه  وتحيلها  الى رؤية  انسانية  تضج بالبهاء  لكل ما هو خارق وواقعي . وهذه المرحلة استمرت من عام  1632 الى عام 1636.

بدات  تاخذ رسومات  رامبرانت   حضورا مهما وشعبيا وواسعا , فعاش  صدمة من الفرح وتحت تاثير  هذا التوهج الصافي والنادر عكس ذلك في لوحاته  من لوحة  _ الحرس  الليلي _ وهي  اجمل لوحة رايتها  تعكس  حالة السكون  والترقب  والصمت العاري , كما  لو انك تشعران مع الوقت تتبدل  الظلال .

في منتصف  القرن السابع عشر اخذت  لوحات رامبرانت تاخذ مساحة اكبر  ومن هنا نرى ان لوحاته كانت ساكنة ورمادية  وموحشة  عكست  حالته النفسيه  الكئيبة , ركزعلى رسم الوجوه المتمرغة  بالشوق والانتظار  وخلق نوع من الجدلية  بين مساحة الضوء والعتمة .

تعرف رامبرانت  على _ ساسكيا _  واحبها ثم تزوجا  عام  1634 فصارت جزء من طقوسه  , فاضفى  الجمال على وجهها في لوحاته التي رسمها لها .. تركت _ ساسكيا_  في روح هذا الفنان قصه ذات مغزى  ومنحى  نفسيا  حرك  في داخله  مكامن الابداع والتالق . ولم تستمر  حياة رامبرانت  هانئة  فقد مات مولوده الاول والثاني والثالث وجاءت الولادة الرابعة متعسرة  فعاش المولود  هذه المرة لكن  امه  _ ساسكيا _ ماتت وكان هذا عام  1642  ,  ولم تعد  حياة رامبرانت  بعد هذه التواليات من النكبات  مستقرة او متماسكة , فاثر  العزلة والابتعاد  عن كل شي مما جعله يفقد  ثروته التي جمعها نتيجة شهرته  كفنان عبقري  ومتميز , وبقى منطويا على نفسه   ليعيش بعد ذلك  حزنا  ازليا .  وكتعويض  معادل  للالم والحزن الصاخب  في داخل روحه الهشة  لم يترك رامبرانت الرسم  حتى مماته عن عمر ناهز  الثالثة والستين  ولم يكمل رسم لوحة  _ الطفل يسوع _  ولوحته _ سمعان _

 رسمها بالوقت الذي  كان يعاني من ثقل عاطفي كجزء  من مشهد  الحياة  الذي لا يزول .. فبقيت  الفصول والحكايات  تتوالد  في رسومات  هذا المخلوق الانساني  المبهر  في تحسسه   للحب والحزن  والامل .

ادركت مذ وطئت اقدامي البلاد المنخفظه  ( هولندا ) بأني  على ارض   ذات مرجعية تاريخيه  وامبراطوريه  بحرية  ذات عمق انساني وخصوصا  في ميادين  الطب والفلسفه  والثقافة والفن , مما  سمح  للرسامين بتدوين ذاكرة بلدهم  عبر الرسم , ومن هنا برز  شاب مسلح  بالجمال  الطفولي ومصمم  على البراءة  رغم كثرة الصعوبات التي واجهته .. حكاية  هذا الشاب  الاعزل , المتوهج  بالحزن  والحب والعشق والحياة  وتوقه  الدائم  للامل ... انها ليست حكاية  فنان تشكيلي  فحسب  , بل  هي حكاية مجتمع  وكيف يحول  مخلوقاته  الى كائنات  تزحف على اللون  لتعيد  صياغة  ورؤية  المكان  من خلال الشخوص والوقائع .