Facebook
واقعية اعمال محمود مختار PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: رياض الفرطوسي   
الأربعاء, 20 نيسان/أبريل 2011 09:35
tshkeel
حقق مختار مكانته وأصبحت كلمته مسموعة ومنظورة من قبل رجال الدولة نظرة احترام ووضع على نفس المستوى الابداعي للفنانين المشهورين.. رواده رودان ومايول وبروديل

أضاف مختار الى تراثنا القديم في هذا الفن تراثاً حديثاً وقد تحول النحت على يديه الى فن رفيع بعد ان كان مجرد حرفة كالنجارة والحدادة لهذا يعتبر فنه نقطة البداية للنحت المصري الحديث\

هذا هو عصر "مختار".. عصر النهضة بمثله العليا وتطلعه واشراقه، تبلورت مطالب العصر فترددت فى اعماله الفنية، ولاح فى تماثيله الأمل والاصرار والكبرياء كأنعكاس لصورة العصر، وترجمة لكيانه الفكرى والسياسى، مجسماً فى رموز تشكيلية جعلته واحداً من زعماء ثورة مصر الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى. وتعتبر حياة مختار نموذجاً فى الكفاح له دلالات عميقة، فهو أحد القلائل الذين حققوا لبلده ذاتية قومية، وردوا اليه الثقة فى نفسه، فكان أثره فى مجال الفنون كأثر الشيخ محمد عبده فى مجال الاصلاح الاجتماعى، وأثر سعد زغلول فى مجال الزعامة السياسية وأثر طلعت حرب فى المجال الاقتصادى، وأثر الدكتور طه حسين فى المجال الفكرى والفلسفى

بين القرية والحارة

ولد "محمود مختار" في بلدة "طنبارة" وهي قرية بالقرب من مدينة المحلة الكبرى بوسط الدلتا، كان ميلاده يوم 10 مايو عام 1891.. أبوه هو "الشيخ ابراهيم العيسوي" عمدة القرية ولم تكن أمه هي الزوجة الأولى، كما كانت تصغر ابيه بشكل ملحوظ، ولم تلبث الخلافات ان نشبت بين الزوجات فأنتقل مختار ليعيش مع جدته لامه في بيت خاله بقرية "نشا" بالقرب من مدينة المنصورة حيث تعلم في كتابها. وعرف عن مختار أنه خلال طفولته بالريف كان يقضي معظم وقته بجوار الترعة يصنع من طينها اشكالاً وتماثيل تصور بعض المشاهد التي يراها في قريته مثل النسوة وهن يحملن الجرار، أو حيوانات الحقل وهي تجر المحراث أو تدرس القمح.. وغير ذلك من مشاهد الريف. واجتاح وباء الكوليرا قرى مصر في منتصف العقد الأخير من القرن الماضي فحصد الاطفال لكن مختارا نجا، ومعه اقطاب هذا الجيل الذين صنعوا تاريخ مصر في الربع الاول من القرن العشرين وما ان انزاح وباء الكوليرا حتى عاد الى أحضان أمه التي انفصلت عن ابيه وانضمت الى بيت أسرتها في قرية "نشا".. ويواصل الصبي حياته كأبناء الفلاحين، يتعلم في الكتاب ويخرج الى الحقل مع ذويه يتعلم فنون الاشراف على الزراعة وممارستها.

مدرسة الفنون الجميلة

وتفتح مدرسة الفنون الجميلة المصرية ابوابها عام 1908 بحي درب الجماميز القريب من منزله، فيسرع الى الالتحاق بها، ويكون اول طالب يتقدم اليها.. وتبدأ مسيرة مختار مع الفن.انهمك مختار في فنه حتى أطلق لحيته ولبس "البيريه" كغطاء للرأس وارتدى ملابس البوهيميين الفرنسين، وكان فخزراً بتشجيع استاذه النحات الفرنسي "المسيو لابلاني" ناظر المدرسة وصاحب فكرة اقامتها. وكان مخلصاً في رعاية وتوجيه مختار ليبرهن على صواب فكرته. وهكذا التقت الموهبة بالرعاية والحماس مع الكفاءة. وبرغم هذا لم يمتنع مختار عن المشاركة في الحياة السياسية، فخرج في التظاهرات المطالبة بالاستقلال عام 1910 واشتبك مع عساكر الانجليز، وعندما تدخل "قومندان البوليس "مانسفيلد" الذي كان يتولى منصب "حكمدار" القاهرة، اندفع محمود مختار الى حصانه يجذبه من ذيله بكل قوته، فيهوى براكبه على الارض.. ويقبضون على مختار مع عدد من المتظاهرين يودعونهم السجن مدة خمسة عشر يوماً. وما أن تنتهى موجه التظاهرات حتى توضع لوائح جديدة لنظام الدراسة بالمدرسة، ويظهر اتجاه لوضعها تحت اشراف الجامعة المصرية من يونيو الى اكتوبر عام 1910.. فقام الطلبة بحركة احتجاج عنيفة أدت الى فصلهم، فأفتتح مختار وزملاؤه المفصلون مرسماً بجوار المدرسة يكارسون فيه فنهم، حتى تغيرت الاوضاع ودخلت المدرسة تحت اشراف وزارة المعارف وألغي قرار الفصل ليعودوا الى الانتظام في الدراسة، وقد ضمت هذه الحركة 15 طالباً يمثلون خلاصة النبوغ في المدرسة، كان من بينهم محمد حسن ويوسف كامل ويتزعمهم محمود مختار.

في باريس

يتقدم مختار للالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية "البوزار" مع اكثر من مائة متقدم جاؤوا من فرنسا ومن سائر انحاء الارض، ويفوز مختار عليهم جميعاً، فيجيء ترتيبه الاول، وينال اعجاب استاذه الجديد "كوتان" ويشجعه راعياً لموهبته. والفنان "كوتان" هو صاحب التماثيل البرونزية التي تزين "كوبري الاسكندر" بباريس، فهو ليس مجرد معلم وانما فنان مرموق ايضاً. وقد تتلمذ مختار ايضاً على يدى الاساتذه: "مرسييه" و "انجلبرت" وبدأ يتطلع الى الفنانين الكبار، ويتقدم عام 1913 الى المعرض السنوي للفنانين الفرنسين (صالون باريس) بتمثال يصور شخصية "عايدة" بطلة أوبرا "فردى" الشهيرة.. فيقبل التمثال في المعرض وتتحدث عنه بعض صحف باريس. ينتبه الفنان على الشاطئ الاخر من المتوسط الى القيمة الفنية للتراث النحتي في الاثار المصرية القديمة.. كانت دراسته حتى سفره تتطلع الى النموذج الاغريقي والروماني في فن النحت لكنه في باريس لمس الاحترام والتقدير الشديدين للتراث النحتي المصري القديم.. فيعود الى القاهرة وهو في الثانية والعشرين خصيصاً ليشاهد الاثار المعروضة في المتحف المصري (الانتكخانة) كجزء من دراسته التي وجهه اليها اساتذته في باريس. ويعرضون عليه خلال هذه الزيارة أن يعمل ناظراً لمدرسة الفنون الجميلة المصرية مكان استاذه "لابلاني" الذي قرر العودة الى وطنه.. فيرفض برغم اغراء المنصب لانه لايزال في بداية الطريق ولانه اختار لنفسه طريقاً قد تعوقه قيود المناصب، ويعود الى باريس بينما نذر الحرب العالمية الاولى تتجمع.. وهناك بدأت المتاعب عندما توقف عنه راتبه الذي كان يبعثه الأمير بسبب انقطاع طرق المواصلات وتعثرها بسبب الحرب. ويضطر مختار الى الاشتغال بعض الوقت شيالاً في مصانع الذخيرة ليعوض راتبه، لكنه لايكف عن الدراسة أو الانتاج الفني، حتى يلقاه مصادفة استاذه الاول "المسيو لابلاني" فيدعوه ليحل مكانه في ادارة "متحف جريفين" للتماثيل الشمعية والمقام في حي "مونمارتر"، لان المسيو لابلاني بلغ سن التقاعد. ويقبل مختار هذه الوظيفة التي تعوضه عن العمل في مصانع الذخيرة وتضعه في موقع على رأس أهم متاحف الشمع في العالم الى جانب متحف "مدام توسو" في لندن واستمر في هذا العمل طوال عامي 1918،1919.

جهاد من أجل الفن

واصل الفنان ابداعه باحساس غامر بالتفوق والتقدير بعد ان لمس حب مواطنيه وتقديرهم له. لكن مختاراً كان صاحب دعوة ورائد طريق، لايقف عند حد انتاج اعماله الفنية وانما يمد جهوده الى ميادين أخرى، هي ميادين الدعوة الى تذوق واحترام الفن وانشاء المؤسسات التي تتطلبها النهضة الجديدة من أجل اقرار مكانة الفن في المجتمع.لقد كان من اقطاب حزب الوفد، فهو شخصية عامة لها قوتها وسطوتها وان لم يشترك في الحياة السياسية اشتراكاً مباشراً، لكنه كان ينشر في الصحف من حين لآخر ارائه النقدية ويعلم القراء كيف يفرقون بين انواع الفنون ومدارسها بشكل مبسط يتلاءم مع المستوى الثقافي العام في العشرينيات من القرن العشرين.. ولعل الحوار الذي دار بينه وبين العقاد والمازني على صفحات مجلة "السياسة" حول تمثال "نهضة مصر" الذي كان ينتقدانه بشدة، هو أول نقد فني ظهر في صحافتنا العربية. كما نادى مختار بضرورة اقامة المدارس الفنية وانشاء المتاحف وجمعيات الفنون مع العناية بالبعثات الفنية.. كما حرص على توفير جو الحرية الذى يتيح للفنان ان يعبر بشجاعة عن رأيه وان يبرز موهبته بدون ان يخضع لقيد أو سلطان غير ضميره الفني. والى هذا الفنان الرائد يرجع الفضل في ايجاد جهاز مختص بالفنون الجميلة في مصر، وبدء البعثات الرسمية لدراسة الفن، وتخصيص اعتمادات في ميزانية الدولة للفنون، وقد اسهم في تنظيم "مدرسة الفنون الجميلة العليا" عام 1928، وانشاء الجمعيات الفنية واقامة المعارض الدورية، فهو الذي بث معالم الفن في حياتنا الثقافية، وبرغم الحاح الكثيرين في ان يتولى مختار مناصب الفن الرسمية في بلاده، وبرغم العروض المغرية لتولى مناصب مماثلة في فرنسا، فإنه كان يؤمن بأن السلطة الزمنية قبر الموهبة، وان الوظيفة قيد على حرية الفنان، فرفضها جميعاً برغم ما مر بحياته من ظروف عصيبة، وآثر ان تكون له سلطة الرأي عن ان تكون له سلطة المركز.لقد تميز الجيل الذي ينتمي اليه مختار بزهد وتضحية وبعد عن الماديات واخلاص للفن وسعى لنشره فكان محيط اصدقائه واسعاً شاملاً، من بينهم اسماء مشهورة مرموقة عرفت بنشاطها العام مثل: "عزيز المصري" والدكتور "علي ابراهيم" و "طراف علي" و "ويصا واصف" و "حافظ عفيفي" ممن لم ينالوا شهرتهم لكن كان لهم اهتمامهم وحماسهم للفن والثقافة.

وقد شارك في "الجمعية المصرية للفنون" التي كونها عام 1923 الفنانون "راغب عياد" و "يوسف كامل" وعدد من شباب الفنانين مع تشجيع سيدات المجتمع وعلى رأسهم السيدة "هدى هانم شعراوي".. وبعد فترة قصيرة تكونت جمعية محبي الفنون الجميلة على يدي "فؤاد عبد الملك".. وفي عام 1927 كون محمود مختار "جماعة الخيال" وكان من بين اعضاء هذه الجماعة: "العقاد"، "المازني"، "محمود عزمي"، "مي زيادة..وباقلامهم كتبت مقالات النقد الفني في الصحافة وتأصل الايمان بفكرة الدور الايجابي للفن في المجتمع. وفي نفس الوقت عمل محمود مختار على تخصيص عدد من البيوت المواجهة لدار الآثار المصرية لمراسم الفنانين في محاولة لايجاد حي مشابه للأحياء التي يشغلها فنانوا باريس وتحقيق جو فني مماثل للجو السائد في "مونمارتر" و "الحي اللاتيني" ومناخها الذي يوحي بالابداع ويشجع على مواصلة الانتاج الفني.

الفنان والرائد

ان المثال محمود مختار هو أول من أعاد الحياة الى فن النحت المصري بعد ان توقف لمئات السنين، وهو أول مثال فى بلادنا يقيم تماثيله في الميادين العامة، وهو حتى الآن المثال الوحيد الذي اقيم لتماثيله متحف خاص هو "متحف مختار" بحديقة الحرية بارض الجزيرة في القاهرة.لقد حقق مختار في حياته الفنية القصيرة (43 عاماً) مكانه وشهرة بين الملايين كواحد من قادة الثورة الوطنية.. وقد اقام مختار بناء شامخاً من ناحيتي الكم والكيف في تاريخ فن النحت المصري الحديث وفي نفس الوقت كان هو واضع لبناته الاولى، ان اسلوب هذا المثال لاتزال بصماته الواضحة تطبع فن النحت المصري حتى وقتنا الحاضر. وقد بدأت دراسته المنتظمة للفن على أيدي اساتذة أوروبين كانوا يلقنون تلاميذهم التعاليم الاكاديمية والقواعد الكلاسيكية الغربية في الفن.. وبغير تردد اختار محمود مختار دراسة فن النحت. ومع ذلك فقد استخدم هذا الاسلوب خلال فترة الدراسة في التعبير عن ملامح العصر وافكار زمانه الوطنية والمشاعر الرومانسية وتمجيد روح البطولة والتغني بامجاد العروبة.. وقد صاغ من هذه الملامح تماثيله لابطال العرب القدماء وقادة مصر في ذلك الوقت فضلاً عن تصويره لمشاعر الحب في تماثيله الاخرى. وكان الفنان شغوفاً بالدراسة الفنية الى حد، انه افتتح مرسماً بجوار المدرسة عندما طرد منها هو وعدد من زملائه لقيامهم بحركة احتجاج عنيفة على النظم والقيود التي اعتبروها تتنافى مع روح الدراسة في معهد فني.. وقد تقرر بعد فترة وجيزة اعادتهم للانتظام في الدراسة. كما انه كان يتشبه بالفنانين الفرنسيين في ملبسه ومظهره، وقد شارك في الحركة الوطنية ليس فقط بفنه وانما بشكل مباشر ايجابي عندما خرج مع النظاهرات المطالبة بالدستور والاستقلال عام 1910.في عام 1911 سافر مختار الى فرنسا يحمل معه تناقضات عصره وصراعاته.. وقد سافر في هذه البعثة الى باريس على نفقة الامير يوسف كمال الذي أنشأ مدرسة الفنون الجميلة، وذلك بناء على تقرير من استاذه الفرنسي مسيو "لابلاني".

رمسيس الثاني

هناك في باريس.. على الشاطئ الاخر من البحر الابيض المتوسط تنبه مختار الى التراث المصري القديم العريق، وقبل ان يحدثه احد عن هذا التراث استقبله زملاء مدرسة الفنون الجميلة في باريس استقبالاً مثيراً للغاية، خلق هذا الجو في الحال انطلاقاً من قيود المحافظة وحياً في الحرية وتكسير أغلال الكلفة، فهو يعد من الانقلابات التي طرأت على نفسى وكان لها اثر فيها طول حياتي". وهكذا بهذه الصدمة العنيفة ادرك مختار انه انتقل من الجو الشرقي المحافظ في القاهرة الى الجو المتحرر في الحي اللاتيني، كما تفتحت عيناه على ماتملكه مصر من تراث نحتى فرعونى عريق لم ينتبه اليه احد في القاهرة، عندما عاملوه كمصري ينتمي الى "رمسيس الكبير" أو "رمسيس الثاني واجمعوا في دعابتهم انه من سلالة الفراعنة. وفي مدرسة البوزار سأله النحات الفرنسي "انطونان مرسييه": لماذا جئت الى باريس وتركت التراث المصري الغزير؟ وبعد ثلاثة اعوام عاد الى مصر في زيارة قصيرة، وكان عمر مختار 23 عاماً، ورفض العرض الذي قدم لاغرائه بالبقاء وفضل العودة الى باريس للاستمرار في دراسته "بالبوزار" واستغل زيارته للقاهرة في مشاهدة دار الآثار وما تحويه من اعمال النحت. ثم راح يبحث عن مصريته وينمى علاقته بالجذور ولم يتخل عن وطنيته.

مختار.. محافظاً أم ثورياً ؟؟

لكن مختاراً كان ينتمي في فرنسا الى الاتجاهات الفنية المحافظة، لقد وصل الى باريس في فترة من أخطر الفترات التي مر بها الفن المعاصر.. فبين عامي 1911،1920 وهي مرحلة تكوينه الفني على الشاطئ الآخر، كانت باريس ممتلئه باتجاهات جديدة تعلن الحرب على القديم، وحدث اكثر من انقلاب في الفن خلال هذه الحقبة، فظهرت التكعيبية والسيريالية والتجريدية وكانت المدارس الجديدة المعادية للأساليب التقليدية في الفن الفرنسي قد ثارت على صالون باريس الرسمي واقامت صالون المستقلين لتعرض فيه اعمالها بعيداً عن رقابة المحافظين الصارمة.. بينما احتمى مختار بأسوار "البوزار" يتعلم من اساتذتها ويتابع في نفس الوقت الاتجاهات الحديثة ويرقب تطورها، ولم تؤثر الصيحات الحديثة عليه لقوة شخصيته وثقته في كفاءته، فقد وقف من الحركة الثقافية في باريس موقف الند الذي يسهم معطياً، ولم يتخذ موقف التابع الذي يأخذ دون أن يضيف. وهكذا تفهم جميع الاتجاهات والاساليب المستحدثة وألم بفلسفتها، ونقل ودهة نظره فيها الى الجمهور في مصر عندما وصف الاتجاهات المغرقة في الاغراب بأنها اتجاه الى الخيال، وقال: "أن تصوير الخيال قد يكون غالباً المقصود منه ستر قلة المهارة وقلة الكفاءة تحت اسم شهي جذاب، اذ ان غايته فى السهولة تطبيق قواعد موضوعة بدلا من تصوير أشكال شيقة".كان ينادي بتطعيم الواقع بدرجة محدودة من الخيال ليكون الفن حقيقياً ونابغاً من ذات الفنان.اانه يبدأ من الواقع المحيط به يدرسه بعمق وتمعن، ولا تحتفظ ذاكرته البصرية الا بجوهر الاشكال وبما هو جدير بالتعبير عنه. وفي تماثيله للوجوه صدق لا يقف عند حد الملامح الخارجية وانما ينفذ الى الأعماق، وتعبيرات تماثيله لا تتركز في وجوههافقط، وانما يتردد التعبير الذي يقصده في التمثال جميعه.. فينبض بالرشاقة والحركة بفضل عنايته بالدقائق والتفاصيل.

وهو يضفي على اعماله تعبيره الشخصي المميز الذي يتسم بالذكاء والحساسية والذوق الرفيع. ومع هذا كان مختار يحظى بتقدير الفنانين المحافظين في فرنسا، في الوقت الذى كانوا يواجهون الهجمات العنيفة من المجددين. وكان متحف "جريفين" ولايزال ، من المؤسسات الفنية للمحافظين. ومع هذا كان فن مختار يمثل بالنسبة لمصر ثورة فنية كاملة: ثورة على التقاليد التي كانت تستنكر فن التصوير فما بالك بفن النحت.. وثورة على الاستعمار والتخلف حتى كان تمثاله "نهضة مصر" رمزاً وشعاراً لتلك الحقبة من تاريخ مصر ونضالها السياسي.ولكن كيف كان مختاراً في باريس فناناً محافظاً وفي مصر فناناً ثائراً؟ ان هذا التناقض الظاهري يرجع الى الفارق الزمني بين الثورة الفرنسية وثورة 1919.

وكلتاهما ثورة برجوازية يفصل بينهما مائة وعشرون عاماً تقريباً. ففي الوقت الذي تحولت فيه مبادئ الثورة الفرنسيةالى حبر على ورق في فرنسا بعد ان حصلت الرأسمالية الفرنسية لنفسها على كل شيء وتحولت الى طبقة استغلالية استعمارية، فظهرت قوى ثورية جديدة في جميع المجالات بما فيها المجال الفني تناهضها وتناوئها.. كانت مصر تتحرك نحو تحقيق الثورة البرجوازية.. وهكذا كان المحافظون الفرنسيون وفنانوهم انصاراً أو اصدقاء للثوريين المصريين وفنهم في صراعهم ضد الاستعمار الانجليزي. وهكذا عاد مختار الى مصر بعد فوزه بتقدير وجوائز الفنانين المحافظين الفرنسيين الذين رفعوا من شأنه واستخدموه كورقة رابحة في صراعهم ضد المجددين بأعتباره فناناً ثورياً في بلده محاولين نفي تهمة "الرجعية الفنية" عنهم، وقدموا مختاراً كدليل على ذلك وكانت لمختار اضافته الأصيلة والواضحة في تاريخ الفن. فقد احتل مكانة محددة لها ابعادها العميقة في تاريخ النحت، عندما نجح فيما فشلت فيه حقبة حضارية بأكملها هي حقبة حكم البطالسة والرومان لمصر فيما بين غزو الاسكندر الأكبر وغزو العرب لها. فعندما أخضع الاسكندر الاكبر مصر تدهور فن النحت بسبب الصراع والتنافر بين القيم الجمالية الفرعونية وهي تراث مصر الاصيل في فن النحت من جانب، والقيم الجمالية "الهلينستية" من جانب آخر.

وشهدت البلاد حقبة حضارية فنها النحتي متواضع القيمة عموماً لانه جمع بين قواعد محفوظة في كلتا الحضارتين من دون ان تمتزج في كيان شكلي متكامل. ولكن مختاراً استطاع ان يوجد الصيغة الملائمة في عصرنا الحديث لتزاوج هذين التراثين العالميين، عندما جمع بأسلوب أصيل بين مقاييس الجمال الفرنسية في الفن (المحافظ) أي الذي يستمد جذوره من التراث الاغريقي والروماني، وبين الطابع المصري والمذاق المحلي النابع من التراث الفرعوني العظيم.

معرض باريس

حقق مختار مكانته واصبحت كلمته مسموعة، ونظر رجال الدولة نظرة احترام وتقدير لكل كلمة يقولها، لقد أصبح زعيماً كزعماء حزب الوفد لالتفاف الجماهير حوله والاعجاب العام به، وعندما اقامت جماعة الخيال معرضها الثاني فى مرسم الفنان المستشرق "روجيه بريفال" اشترى رئيس الوزراء أحد تماثيل مختار، كما أقتنت سيدة امريكية تمثالاً آخر أهدته الى متحف المتروبوليتان بنيويورك فيما بعد.. وفي آواخر عام 1929 سافر الفنان الى باريس حيث شارك في معرض "صالون باريس" بتمثاله "عروس النيل" المنحوت في الرخام، فنال عنه الميدالية الذهبية، واعلنت الحكومة الفرنسية قرارها بشرائه ليوضع في "متحف جي دي بوم" وهو متحف يقع عند مدخل حدائق "التويلري" من ناحية ميدان "الكونكورد". وفي 10 مارس عام 1930 ومع بداية فصل الربيع افتتح معرض كبير لتماثيل محمود مختار ضم أربعين عملاً، واستمر حتى 21 مارس، وقد أقيم المعرض في قاعة برنهيم بباريس. فأفاضت الصحافة الفرنسية والامريكية والبلجيكية والانجليزية وكذلك صحافة بلاد الشمال في الحديث عن المعرض باعتباره ممثلاً لوجه الفن المصري المعاصر ومؤكداً لشخصية مختار الفنية القديرة، ووضع على نفس المستوى الابداعي للفنانين المشهورين: رودان ومايول وبورديل.. وكتب أحد كبار النقاد قائلاً: "في زمن الخداع واهتزاز عناصر التقدير الفني، مازالت القيم الجادة تحيا، و نحن نلمسها في اعمال مختار المصري".

أصدقاء فن مختار

بدأت اعماله الفنية تعيش بعده حياة جهاد تشبه حياة صاحبها.. وتكونت جماعة اطلقت على نفسها اسم "اصدقاء فن نختار" برئاسة هدى شعراوي، وكان هدف الجماعة جمع تراث مختار النحتي. واقامة متحف لحفظ تراثه ومقبرة لوفاته، وخصصت وزارة المعارف جزءا من حديقة متحف الفن الحديث بالاضافة الى مبنى صغير لحق به ليكون مقراً مؤقتاً لمتحف مختار، افتتح رسمياً يوم 27 مارس عام 1952 في ذكرى رحيله. ولم تكتف السيدة هدى شعراوي وجماعة اصدقاء فن مختار باقامة هذا المتحف المؤقت وانما أعلنت عن مسابقة سنوية لفن النحت بين المثالين للكشف عن مواهبهم وتشجيعهم لمواصلة طريق الفن الذي بدأه مختار، وعرفت هذه المسابقة باسم جائزة مختار للنحت التي خصصت لها جوائز مالية سخية تشجيعاً لشباب الفنانين.. بدأ الاعلان عن هذه المسابقة من العام التالي لوفاة مختار 1935 واستمرت سنوية الى ان توفيت السيدة هدى شعراوي عام 1953، وقد كشفت هذه المسابقة عن العديد من المواهب في هذا الفن التي تألقت بعد الفوز بهذه الجائزة. ولم تلبث وزارة الثقافة ان أقامت مبنى خاصاً لمتحف محمود مختار في حديقة الحرية بأرض الجزيرة افتتحه الدكتور ثروت عكاشة نيابة عن رئيس الجمهورية يوم 14 يوليو عام 1962 حيث يعرض كل ماتبقى من تماثيله، بالاضافة الى أدواته وأوراقه.

بلاغة الصمت

لابد ان نتوقف قليلاً امام مميزات اعمال هذا الفنان الرائد، فقد اضاف الى تراثنا القديم في هذا الفن تراثاً حديثاً، وقد تحول النحت على يديه الى فن رفيع بعد ان كان مجرد حرفة كالنجارة والحدادة، لهذا يعتبر فنه نقطة البداية للنحت المصري الحديث، وهي بداية محملة بعراقة الاستمرار وأصالته التي تقدم خلاصة تقاليد هذا الفن في الحضارات المتعاقبة المنصهرة في نفسه بعد ان تلاقت مع تجارب الفن الحديث وما استخلصه الفنان من مميزات كانت مصدر ثراء لأسلوبه الخاص.لقد ظهر النحات الفرنسي "أوجست رودان" (1840 -1917) الذي يعتبر فنه بداية النحت الحديث في أوروبا، وقد عاش مختار في فرنسا في ظل التأثير الطاغي لهذا النحات الكبير الذي اشتهر على المستوى الأوروبي والامريكي بواقعيته الرومانسية.كذلك النحات الفرنسي "ارستيد مايول" (1861 -1944) لقد عاصره مختار ايضاً في باريس وكانت تماثيله تبلغ حد الكمال صنعة وابداعاً، وشاع تأثيره كما كان له اتباع وحواريون.لكن محمود مختار أوجد الصيغة الملائمة في عصرنا الحديث لاجتماع مميزات أعرق تراثين في فن النحت وهما التراث الاغريقي ممثلاً فى سلالته الحديثة وهي النحت الفرنسي من جانب والتراث المصري القديم من جانب آخر.

مختار وثورة 1919

عاش الفنان الرائد حياة عريضة مملؤة بقصص النجاح والتفوق والصراع من اجل وضع فن النحت في أعلى مكانة من المجتمع الذي كان يعادي صناعة التماثيل ويعتبرها امتداداً لصناعة الاصنام. وقد وضع الفنان موهبته في خدمة الحركة الوطنية معبراً بتماثيله عن المرحلة الاجتماعية والسياسية التي عاشها: مرحلة النهضة والبحث عن الشخصية المحلية في اعقاب ثورة 1919. ولقد حظي فنه باحترام وتقدير الاوساط الفرنسية الرسمية في المجال الفني، واكتسب في نفس الوقت تأييداً حماسياً من جماهير الشعب المصري التي اشعلت هذه الثورة الوطنية. قد كان مختار أول فنان يعرض عملاً فنياً في معرض عالمي بباريس، كما كان أول فنان مصري يكسب جائزة من صالون باريس متفوقاً على فنانيها، فقد نال الميدالية الذهبية لمعرض الفنانين الفرنسيين السنوي الذي يقام في السراي الكبرى (جراند باليه) عن نموذجه المصغر لتمثال نهضة مصر. الذي نفذه بعد ذلك منحوتاً في حجر الجرانيت الوردي ليقام في اكبر ميادين القاهرة. كما فاز بجائزة من معرض صالون باريس عام 1925 عن تمثاله "لأم كلثوم".وكان اول فنان عربي يقيم معرضاً شخصياً لتماثيله في باريس.

وتكثل اعماله نقطة البداية الرائعة لحركة فن النحت الحديث، ليس في مصر وحدها ولكن فى البلاد العربية كلها.. ذلك لانه حقق في حياته القصيرة شهرة واسعة وحظى بتكريم جماهيري لم يفز به أي فنان مصري آخر، سواء فى حياته أم بعد وفاته.. فهو الفنان الوحيد الذي استقبلته تظاهرات الترحيب بالاسكندرية عند عودته الى مصر من أوروبا ليقيم تمثالاً يخلد ثورتها الوطنية بعد ان كانت تماثيل الميادين لاتصور سوى الملوك والقادة من الافراد.

وقد تبرع الفلاحون بملاليمهم وقروشهم لتغطية نفقات اقامة هذا التمثال. فبعد انتهاء الحرب العظمى (1914-1918) بدأت تتجمع نذر الثورة على الاستعمار الانجليزى في مصر تحت شعارات ثلاثة: الاستقلال والعدالة والدستور.. وبدأ يتكون حزب الوفد بزعامة سعد زغلول، وكان للحزب تنظيمه السري الذي أطلق على نفسه اسم "اليد السوداء". وكان اعضاء هذا التنظيم يقودون حركات المقاومة للاحتلال الانجليزي، فإذا انكشف أمر أحد افراده هرب إلى فرنسا حيث يستكمل دراسته اذا كان طالباً ويواصل نشاطه في الدعوة الى قضية الاستقلال بين بقية المصريين هناك، وفي المناسبات الدولية التي كانت تعقد في باريس. كان مختار ابن العمدة يلقب بين اصدقائه باسم "العمدة"، وكان يسبق هؤلاء الثوار في معرفة باريس وطباع الفرنسيين.. يعرف اللغة والكثير من الشخصيات الهامة الفنية والسياسية.. كان هؤلاء الطلبة يكونون "الجمعية المصرية" التي تتولى الدعاية ضد الاستعمار الانجليزي في مصر وتلقى معاونة مختار "العمدة" ومدير متحف "جريفين".

عندما قامت ثورة 1919 الوطنية في مصر، وبدأ يفكر في اقامة تمثال يعبر عن نهضة مصر.. برز التناقض العميق بين ثقافته الفرنسية المحافظة ومصريته ووطنيته .. وكانت فكرته الاولى تمثل امرأة جميلة تمسك سيفاً كما لو كانت ترد به الانجليز المحتلين، وتشبه "جان دارك" الفرنسية. وجاء يوم عظيم في حياة هذا الفنان عندما نظر الى تمثاله الذي اعجب به اساتذته الفرنسيون وأحس أنه تمثال فرنسي وليس فيه من المصرية شيء.. فحطمه ووضع تصميم تمثال نهضة مصر المقام حالياً أمام جامعة القاهرة.. انه الرمز الذي يرتبط بقكرة البعث وعودة الروح الى هذا الوطن، أي الى تجسيد فكرة الاحياء والنهضة التي التفتت الى المجد القديم تنشد بعثه من جديد، انه يقدم رموز البعث المعبرة عن أحداث تلك الحقبة ممثلاً مصر الحديثة في شكل فتاة ريفية- فمصر كانت بلداً زراعياً وحسب- تقف معتمده بيدها اليمني على ماضيها المجيد ممثلاً في أبي الهول الذي يهم بالنهوض.

بينما هي ترفع بيدها الاخرى الحجاب لتكشف عن وجهها رمزاً للتخلص من القيود السلفية والرجعية الغيبية التي تعوق حركة الأمة ونهضتها. وكان مختار يواصل نشاطه في الدعوة الى قضية الاستقلال بين بقية المصريين هناك، وفي المناسبات الدولية التي كانت تعقد في باريس. كان مختار ابن العمدة يلقب بين اصدقائه باسم "العمدة"، وكان يسبق هؤلاء الثوار في معرفة باريس وطباع الفرنسيين.. يعرف اللغة والكثير من الشخصيات المهمة الفنية والسياسية.