Facebook
شخصيات أمير تقي عجام تسخر من نفسها PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: علي عبد الامير   
الجمعة, 12 آب/أغسطس 2011 11:31

علي عبد الامير

ali3jam
almalkekarekayor
  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي
لا تبدو الخطوط التي يضع وفقها الرسام العراقي أمير تقي عجام ملامح سياسيي بلاده مألوفة لجمهرة المتلقين. ذلك أن ثقافة «النظرة الكاريكاتورية» للقائد أو السياسي ظلت محرمة في العراق أكثر من ثلاثة عقود، أثناء فترة حكم «البعث» وتحديداً الرئيس السابق صدام حسين الذي كانت ملامحه تتجسد بطريقة تقارب الأسطورة في آلاف اللوحات الضخمة والجداريات والتماثيل. لكن في عراق ما بعد عام 2003 أمكن إسقاط النظرة «الأسطورية» للرئيس أو الزعيم السياسي، وأصبح تلقي القادة بملامح «النقد الساخر» ضمن النشر الصحافي كرسوم «كاريكاتورية» أمراً طبيعياً، لكن لم تعرف ملامحهم في عمل فني محكم وإن كان ساخراً، إلا مع رسوم بدأ عرضها الفنان المقيم في دولة الإمارات للعمل في مجال الرسوم المتحركة. فقد نشر عجام عدداً من لوحاته منذ عام 2008 لسياسيين عراقيين وأجانب، فضلاً عن شخصيات مثلت مراحل من وعيه الإنساني والثقافي. فثمة لوحته الحاذقة في التنفيذ للموسيقار بيتهوفن، أو مجموعته الخاصة بنجوم هوليوود، ومنها لوحته المتدفقة الأحاسيس للنجمة نيكول كيدمان، فضلاً عن عدد كبير من «أيقونات» عصرنا في مجالات سياسية وفكرية ورياضية أيضاً.

الرسام الذي نال شهادته الأكاديمية من كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل (100 كيلومتر جنوب بغداد) عمل في صحافة الأطفال الناشطة سنوات طويلة في العراق، قبل أن يهاجر إلى الأردن ويعمل في مطبوعات ومشروعات ثقافية وتربوية للأطفال. ثم حصل على رعاية خاصة من مؤسسة «ديزني» (القسم الأوروبي) ليعمل لاحقاً في بعض نشاطاتها في الشرق الأوسط، قبل أن يستقر في دولة الإمارات ويواصل العمل مع «ديزني» عبر شراكة سعودية كانت تصدر بالعربية مجلات: «أميرات» و«مكتشف الوحوش» و «ميكي وميني» و «دونالد»، فضلاً عن إصدار عدد من سلسلة كتب علاء الدين.

بعدها، عمل تقي نحو سنتين في أبو ظبي مع مجلة «أطفال اليوم» الإماراتية. وهو يعمل حالياً في أبو ظبي رساماً لقصص الكومكس والكرتون إلى جانب الرسم الكاريكتوري لشخصيات معروفة، وليصبح عبر رسوماته المبهرة واحداً من مجموعة فنانين على امتداد المعمورة يتشاركون في سخريتهم الناقدة التي لا تبقي ملمحاً إنسانياً إلا وقاربته في ملامح تجمع أقصى حدود السخرية الى جانب إلفة نادرة تجعل المتلقي في حال محبة للشخصية المرسومة، مع أنه يضحك لها وعليها كثيراً.

ملامح انسانية

في رسوم عجام السياسيين العراقيين يمكن التوقف عند قوة تجسيده ملامحَ زعيمين هما: رئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس الوزراء السابق أياد علاوي. ففي لوحته المجسدة للطالباني، يمكن الإمساك بتدفق شخصية الرئيس وحضورها في أكثر من موقف، خصوصاً «الظرف» المعروف عنه في تعليقاته وأحاديثه عن شخصيته الإنسانية، إلى درجة أن المتلقي يمكن أن يتوقع من اللوحة أن يسمع عبرها كلمات الطالباني بعربيتها الأنيقة - على رغم كونه زعيماً كردياً معروفاً - ويتحسس إلفة وخفة في حضور الرجل على رغم وزنه «الثقيل».

في المقابل، يجد المتلقي في لوحة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي مشاعر متناقضة، فثمة الصرامة التي تعنيها الكتلة الضخمة، لكنها لا تخفي روحاً «طفولية» عبر العينين الصغيرتين بنظرتهما الحائرة وحركة الشعر الرمادي الخفيف، إلى حد أن المبالغة في المواصفات الجسدية لعلاوي لم تخف ملامح إنسانية قريبة من تصرف الرجل وسلوكه الأقرب إلى حسن المعشر وتلقائية السلوك.

التدفق الحسي عند شخصيتي الطالباني وعلاوي كما في لوحتي عجام عنهما، يتحول الى سكون أقرب إلى الصرامة في لوحته عن رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي. وعلى رغم أن الفنان قلل ما أمكن من الجانب الساخر في تعاطيه مع شخصية المالكي، فإن المتلقي يمكن أن يتحسّس «الجانب العابس» فيها والنظرة «المتشككة».

ومن الشخصيات السياسية العراقية «التاريخية» يقدم عجام قراءته الشخصية للزعيم عبدالكريم قاسم الذي أطاح هو ومجموعة من الضباط الحكم الملكي في عام 1958، فيظهره مبتسماً بنظرة يشع منها الأمل، عاكساً بتلك الملامح نظرة عراقية جماعية عن «الزعيم» الراحل بصفته «إنساناً طيباً عفيفاً ونزيهاً».

ومثلما يبدو متيسراً العثور على مشاعر الإعجاب الكثيرة التي يظهرها متلقون عراقيون وغيرهم للطريقة التي أظهر فيها الرسام العراقي الشاب ملامح الساسة الحاليين في بلاده، إلا أن مشاعر الامتعاض أو الترحاب لم تعرف طريقاً إلى السياسيين الذين طاولتهم الروح الناقدة للفنان. فهم ظلوا يقيمون جدراناً تفصلهم عن الحراك الثقافي، وفي جانبه الإنساني تحديداً، ما عدا لمسات عدة تذكر في هذا الجانب للرئيس جلال الطالباني.

أما في ما خص الزعماء السياسيين العرب، فيمكن التوقف مطولاً عند لوحة عجام عن الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك. وعلى رغم «المبالغة» في ملامح الرجل لجهة غلاظة الشفتين والتجاعيد التي تثقل الوجه، فإن المتلقي يشعر تماماً بأنه إزاء شخصية مبارك بكل تحولاتها السياسية والإنسانية، وأن «المبالغة» الفنية في الملامح تكرس نظرة ناقدة من الفنان للزعيم المصري الذي يبدو مع تدفق شخصيته المرسومة «ثقيلاً» و «ضاغطاً».

مبالغات... ناقدة

وعن هذا «التضخيم» في وجه الشخصية بصفته نقداً لها يقول عجام: «الفكرة السائدة عن الكاريكتور في الوطن العربي انه فن التحقير أو الحط من الشخصية المرسومة، لكن في الواقع ليس بالضرورة أن تكون له هذه الوظيفة. فهو يعتمد المبالغة مع الحفاظ على روحية الشخصية ذاتها، وإن استخدمت لأغراض سياسية أو دينية أو أخلاقية. فالأمر يعتمد على هدف الرسام نفسه ونيته في إيصال رسالته». وهو يعتبر أن فن رسم الشخصية الكاريكتورية يختلف نوعاً ما عن الرسم الكاريكتوري السياسي، «فلا يحتاج إلى تعليق أو إطلاق نكتة مثلاً، بل هو تجسيد مبالغ لسمات الشخصية فقط».

وبعيداً من السياسة ونظرة الفنان «الناقدة» لرموزها، ثمة لوحاته المشعة روحاً ولوناً ولمسة إنسانية عن فنانين وكتاب ومفكرين أجانب. ففي لوحته عن النجمة نيكول كيدمان بابتسامتها المضيئة، وزرقة عينيها وجبهتها العريضة وخصلات شعرها، يجد المتلقي أمام حركة الملامح، نفسه، وهو يستعيد عدداً من الشخصيات التي جسدتها النجمة الأسترالية في أفلامها.

وهو في مقاربته لنجوم السينما او لموسيقيين معروفين أو علماء، يعكس تجربته الشخصية وقراءته لهم. يقول: «قد أرسم أحياناً تخليداً لذكرى أو لموقف مرتبط بالشخصية ذاتها»، فتراه يتنقل من المخرج ستيفن سبلبيرغ إلى نيكولاس كيغ، ومن ويلي سميث إلى ميغ رايان، ومن عمر الشريف إلى ميل غيبسون، وسياسياً من ونستون تشرشل إلى باراك أوباما، وأدبياً من الشاعر والروائي إدغار آلان بو إلى الروائية فيرجينيا وولف، ودائماً وفق لمسة شخصية تتعلق بقراءة ثقافية وإنسانية لكل تلك الشخصيات.

تلك القراءة ما انفكت تقارب حلمه الشخصي، وهو مشروع فيلم كارتوني طويل عن بطل الأسطورة الرافدينية القديمة «جلجامش». لكن غياب التمويل لتحويل ذلك الحلم إلى حقيقة فنية، هو ما يؤرق ابن بابل، خصوصاً أنه يدرك قدرات بلاده المادية ومدى ما كانت ستكسبه تربوياً وثقافياً لو خصصت من موازناتها المالية الضخمة، جزءاً يسيراً لتنفيذ المشروع - الحلم، لكنه سيعود عليها بالكثير.

عن الحياة