Facebook
حلم الذاكرة لـ افين كاكي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محسن الذهبي - لندن   
السبت, 02 نيسان/أبريل 2011 09:49

  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي

محسن الذهبي

في محاولة للهروب من بهرجة الزينة الزائفة والمفتعلة التي اتسمت بها موجة الفن التجريدي والغوص في الحداثة تشتغل الفنانة التشكيلية العراقية (أفين عز الدين أمين) على أرث الذاكرة، فهي ترسم حلم طفولي ملون يحاول أن يحتفظ بتأثير المكان المحيط به، فمع كل لوحة تحكي لنا ألف حكاية تحتمل التأويل. إن أعمالها تشكل حالة تعبيرية من العلاقات الوجودية ما بين الإنسان الغائب تقريبا والمدينة/الحلم على وجه التخصيص، إذ تخلق مواقف بصرية جامعة في تجلياتها اللونية في تشخيص شكلي لرموز إنسانية وأماكن واستحضارها ذهنيا ووجوديا، فينتقل اللون الواحد بتدرج عبر ما يتناسل منه من ألوان متوالدة في مزاج الفنانة لحظة الإبداع لتأتي بصورة مباشرة في بعض اللوحات كأنه حلم قادم من بعيد بشكل ضبابي غائب الملامح أو اشتغالات ذهنية لاستيلاد تصويرات تجريدية متجاوزة للمرئي والمحسوس وعلى تبسيط التعبير من حيث المعطى الصوري وتكثيفه، فهي تتخذ من تعرية مظهر المنطقي الواقعي، وتزج به في إطار العجيب والمدهش مما يجعلها تقترح على المشاهد عالما داخليا ساحرا و توحيشيا إلى حد بعيد تتكوم فيه المرئيات والمحسوسات. وتتوسل هذه العوالم العجائبية إلى ذلك باستعمال الألوان المضيئة والمنطفئة فتختارها بعناية دقيقة لكي تعبر عن المذاق الخاص لصورة المدينة الحلمية التي تصنعها، فالوحيد الذي يسكن اللوحة هو (الحلم) مع مساحات لونية مألوفة حسيا، كالترنيمة الموسيقية.

إن في لوحاتها ملامح إنطباعية غلبتها شبحية غير كاملة التكوين. فهي تحاول بجد تجاوز تشخيصية المكان بدراسة والعمل عليه على أساس الحالة الذهنية ومميزات المعمار المكاني وتاريخية الذاكرة، إن المدى الذي يشغله فن الذاكرة في اللوحة غير ممثل في شيء ساكن تمتلكة أو تحتويه، بل الذاكرة في أعمالها عملية تركيب، وإعادة صياغة. ويبقى المكان باعتباره فضاء اللوحة يعكس الواقع برؤية شاعرية تمتزج في تشكيل عفوي نتلمس فيه إيقاعات موسيقية ونرى فيها جمال التفاصيل وعذوبتها الفائقة وحركة الخطوط التي تدمج الأشكال . فالأقواس المتمركزة في وسط اللوحة أحيانا تعكس أول ما تعكس إرثا تراثيا معاشا محفورا في ذات الفنانة، فهو عالم متسع ومتوالد وليس شيئا جامدا بل حلما متدفقا. ففي خلفيات اللوحات كحاضنة لونية متممة لتوزع مفرداتها الأساسية في متنها، تبرز متواليات الأشكال التي ترنو إلى جموح التشكيل وإلى خبرة بصرية لمساحة الغواية الشكلية، وإلى إبراز واضح لذاتية الفنانة ومقدرتها على تفريغ انفعالاته بتلقائية الوصف والتشكيل، تعرف عن سابق تصور وتصميم إدراج رمزية بصرية تشير إلى معالم المكان بوصفه وشما وتوشِيَةً لونية تعتمد على ثيمة الذاكرة المثقوبة ، فتتحول الى أحلام مكنونة وأوهام طفولية تتسم بالسريالية التي تنزاح عن الواقع لترسم عالما يتقاطع فيه الحلم واللاوعي و التذكر والنسيان والشعور واللاشعور. كي تثير الاستفزاز في المتلقي عن إدراك هذا التجريد والإضمار والتغريب كل هذا يعكس الحنين إلى المنابع ووجع الهجرة والارتحال. فالذاكرة عند الفنانة (أفين أمين) هي إعادة بناء مستمر مجدد لماض ما، وليس بالضرورة استعادة أمينة لهذا الماضي وكما يصف ذلك (لويس ميلي) في كتابه: (إدراك خيال وذاكرة) فيعرفها بأنها "استجابة في ظروف غياب بعض الحقائق، ذلك أن فعل الذاكرة هو في الأصل اكتشاف إنساني، هدفه مقاومة هذا الغياب الذي هو من خصائص الذاكرة"، فأعمالها ربما تكون حلم نكوصي يعبرعن الارتداد والتذكر كمحاولة للهروب من ثقل الحاضر وتناقضاته الكثيرة كي تستعيد مركزية الحنين والوقوف على أطلال مضت، لكنها تنفتح على آفاق أرحب في العمل التشكيلي. أن استخدام الكتلة والفراغ والسطوح الخشنه في بعض الأعمال مع استخدام الألوان الحارة بكثرة إنما هو لإعطاء اللوحة الطابع الشرقي، فبعض الأعمال لها علاقة ملموسة ما بين الواقع والمكان والزمان، وبعضها الآخر عبارة عن صور ذكريات لا شعورية تجسدت في اللوحات باللاوعي وهي (رسم المدن).

إن المشاهد يقف موقف الإعجاب والتأمل لتلك الأعمال، فعلى صعيد اللون والضوء والحركة، اللوحة تمتلك تماسكا ما وإغراء للمشاهدة الطويلة والتحديق والتحليل، ولكن اللوحة رغم تضليلها تحتوي علي إمكانيات جمالية، فتعتيم الرؤية باعتباره خلفية موازية لمحددات الشكل والمعنى، تأخذ مساحاته اللونية موقعها المتدرج في توليفات اللوحة. إن للتجريب أثرا كبيرا في تمكين الفنانة من إيجاد موقف متميز على مستوى الإبداع، كما إن هناك بعض الأعمال الفنية لها علاقة بحالات إنسانية. والتي تتجلى في رسم الوجوه ( البورتريه) في لقطات جمالية قدمت فيها الكثير من الأناقة التصويرية والتشخيص المجازي معتمدة على الذاكرة للدخول في أغوار النفس وهذا دليل الثقافة الواسعة التي تمتلكها فهي سليلة عائلة (أمين) الفنية والتي تعد مدرسة تشكيلية في مدينة كركوك العراقية بمنجزها الفني الذي يعتمد على الحلم والذاكرة البصرية المفتوحة على مقامات السرد