الامم المتحدة والنظام الدولي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: خالد الخفاجي   
الأحد, 12 حزيران/يونيو 2011 23:32

 خالد الخفاجي :

kaldalkfaaje
kaldalkfaaje
  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي
عندما كانت الحاجة ملحة إلى ميلاد منظمة دولية جديدة بعد الحرب العالمية الثانية لتدخل ميدان العمل وتعمل على حفظ الأمن والسلم الدوليين ، كان هذا الشغل الشاغل لرجال القانون وقادة العالم من أجل إقامة نظام دولي مستقر وغير متناحر، وبعد

 

المقــدمة

عندما كانت الحاجة ملحة إلى ميلاد منظمة دولية جديدة بعد الحرب العالمية الثانية لتدخل ميدان العمل وتعمل على حفظ الأمن والسلم الدوليين ، كان هذا الشغل الشاغل لرجال

القانون وقادة العالم من أجل إقامة نظام دولي مستقر وغير متناحر، وبعد المخاض العسير المعروف الذي أفرزته تصريحات الأطلنطي الصادر عام 1941 والذي تضمن هذا التصريح مجموعة من المبادئ تفترض وجود تنظيم دولي مثل ، )مبدأ الأمن الجماعي( ومبدأ )عدم اللجوء إلى القوة( ومبدأ )المساواة في الحصول على المواد الأولية(ومبدأ )التقدم الاقتصادي( ومبدأ)التأمين الاجتماعي( ثم جاء تصريح واشنطن الذي تضمن اقتراح اسم الأمم المتحدة وتم التوقيع عليه عام 1942 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي والصين وممثلي اثنتين وعشرين دولة أخرى وتضمن أيضا مجموعة من المبادئ كان أبرزها عدم رغبة الدول الموقعة في أي توسع إقليمي أو غير إقليمي . ثم تصريح موسكو عام 1943 وأهم ماجاء فيه بشان التنظيم الدولي الدعوة إلى ضرورة قيام هيئة عالمية واحدة ، ثم تصريح طهران الذي اجتمع فيه كل من روزفلت وستالين وتشرشل عام 1943 وقد أعلن المجتمعون مسؤوليتهم تجاه شعوب العالم . بعد ذلك جاء مشروع )دميارتون أوكس(ومن أهم ماجاء به هذا المشروع هو خلاصة لكل المؤتمرات والتصريحات السابقة حيث وضع الأسس العامة التي ستقوم عليها المنظمة الدولية المراد إقامتها من حيث المبادئ والأهداف والتنظيم .

هكذا ولدت الأمم المتحدة كشرعية ومرجعية دولية من أجل النظام الدولي الذي كان يمر في أزمات عسكرية خانقة في تلك الفترة ، وفعلا استطاعت الأمم المتحدة انتشال النظام الدولي من الانزلاق الكلي وحاولت من خلال قوانينها وفروعها التي أقرها المشروع مثل الجمعية العامة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية .

أما بعد حدوث المتغيرات الجديدة والأحداث العالمية الكبرى بما فيها هجمات 11 سبتمبر 2001 ونهاية الحرب الباردة وتبلور النظام العالمي أحادي القطبية الذي يتمركز حول القوة الأمريكية المسيطرة ، كل هذه أدت إلى ظهور اتجاهين في العلاقات الدولية هما دول الشمال ودول الجنوب ، وهنا توضحت الرؤيا لمصادر التهديد في النظام الدولي الذي صار يعكس حقيقة مزدوجة وهي أن دول الشمال بصورة عامة تتصف بالتجانس الحضاري والاستقرار السياسي واحترام التعددية وحقوق الإنسان والمدنية والرقي إلى مستويات عالية من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية ، فهذه الدول متفوقة على دول الجنوب تفوقا مطلقا في جميع المجالات ، فهي تمثل الدول الصناعية والمتقدمة ، وتضم الدول الغنية ذات الحداثة التكنولوجية وفي مقدمتها الدول النووية الكبرى التي تؤثر في تطوير العالم ومستقبله .

أما دول الجنوب فأهم سمة تميزها إلى جانب التخلف الاقتصادي هي سمة عدم الاستقرار السياسي والتفكك السياسي ،فاستمرار التخلف يجعلها تتعرض للثورات والانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية والاجتماعية ، كما أنها فريسة للحروب الأهلية والإقليمية المدمرة التي تستنزف طاقاتها البشرية والإنتاجية ، والى جانب ذلك كله تتحكم في معظمها أنظمة تسلطية وقمعية ومتعاونة مع الاحتكارات الدولية مما يساهم في استمرار تبعية الجنوب للشمال .

هذه السمات تجعل من الجنوب مصدرا للتهديدات التي تواجه النظام العالمي الجديد، وهذه التهديدات منها ماهو عسكري ومنها ماهو سياسي ومنها ماهو اقتصادي واجتماع، ومنها وماهو عقائدي ، وان كان هناك مصدر لتهديد النظام العالمي الجديد تشترك فيه كل من دول الجنوب ودول الشمال وهو التهديد المتمثل في النزاعات والصراعات القومية .

كل هذه الأحداث تضع الأمم المتحدة كمنظمة مسؤولة عن حفظ الأمن والسلام وتوازن النظام الدولي أمام مسؤولية كبيرة وتحديات خطيرة خاصة بعد عودة الإسلام إلى معترك الصراع العالمي بالجمع من جديد بين ثالوث العقيدة والشريعة والجهاد ، لن تعني فقط من وجهة نظر العديد من المسؤولين والمنظرين الغربيين ، الاندماج السريع بين عدد كبير من دول الجنوب التي تمثل رقعة جغرافية واسعة تمتد في وسط العالم من الصين إلى المحيط الأطلسي ، وإنما ستعني ظهور الكتلة الإسلامية بعد غياب طويل وتفكيك النظام العالمي الجديد الذي تهيمن عليه كتلة الدول الغربية .

سنتناول في هذا البحث عدة مفاهيم نحاول أن نقرب من خلالها أواصر العلاقة بين الأمم المتحدة والنظام الدولي وذلك من خلال التعريف بالطبيعة القانونية الخاصة للأمم المتحدة ومبادئها وأهدافها ، ومسؤولية الأمم المتحدة أمام النظام الدولي كمبحث أول ،

إضافة إلى توضيح بعض المفاهيم الصرفة للنظام الدولي الجديد ومميزاته ومن ثم نوضح من خلال معطيات البحث مايتوجب على الأمم المتحدة كي تؤثر في صياغة النظام الدولي كمبحث ثان ،

المبحث الأول : طبيعة وأهداف ومبادئ الأمم المتحدة

سنتناول في هذا المبحث الطبيعة القانونية الخاصة للأمم المتحدة ، وأهداف تأسيسها ، ومبادئها وماهي البرامج والحلول التي قدمتها للمجتمع الدولي وهو يعيش في خضم المنازعات السياسية والعسكرية ، إضافة الى تشكيلات الأمم المتحدة وأهمها مجلس الأمن ، وسوف نحاول الإختصار في بحثنا هذا من خلال التركيز على النقاط والمفاصل الأساسية فيما يتعلق بدور الأمم المتحدة في صياغة النظام الدولي .

المطلب الأول : الطبيعة القانونية الخاصة للأمم المتحدة

تعتبر من الناحية القانونية وبلاشك في إن الأمم المتحدة تعد شخصا من أشخاص القانون الدولي العام يتمتع باختصاصات ووظائف وصلاحيات نص عليها الميثاق تترتب عليها شخصية المنظمات الدولية وهي لها قاعدة استثنائية لان حتى الدول غير الأعضاء فيها في المواجهة وليس فقط الدول الأعضاء مواجهة آثارها لذا يتيح لها ميثاقها أن كل الدول تجعلها تتمتع بشخصية قانونية لما تتمتع به من فقه وممارسات من شأنها الحفاظ على توازن النظام الدولي .

المطلب الثاني : أهداف الأمم المتحدة

إضطلعت الأمم المتحدة عند تأسيسها بعدة أهداف مهمة ومحددة أهمها مايلي:

1-حفظ الأمن والسلم الدوليين

2- تنمية علاقات الصداقة بين الدول احتراما لمبدأ المساواة واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها

3_ تحقيق التعاون في حل المشاكل العالمية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وتشجيع احترام حقوق واحترام الحريات الأساسية دون تمييز في العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين

4_ أن تكون مركزا لتنسيق الجهود بغية الوصول إلى هذه الغايات

المطلب الثالث : مبادئ الأمم المتحدة

1_ المساواة في السيادة بين كل الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة

2_ إخلاص الدول في الوفاء بالتزاماتها

3_ التسوية السلمية للنزاعات الدولية

4_ منع إستخدام القوة في العلاقات الدولية

5_ مساعدة الأعضاء للأمم المتحدة هو إلتزام دولي يعتمد على جميع الدول الأعضاء

6_ ضمان إن الدول غير الأعضاء تتصرف وفقا لمباديء الأمم المتحدة

7_ عدم التدخل في المسائل التي تكون يصفة أساسية من إختصاصات الداخلية لأي دولة

المطلب الرابع : تشكيلات هيئة الأمم المتحدة

وتتكون الأمم المتحدة من ست هيئات مهمة ومختلفة نذكر منها:

1_ الهيئة العامة

2_ مجلس الأمن

3_ المجلس الاقتصادي والاجتماعي

4_ مجلس الوصاية

5_ محكمة العدل الدولية

6_ الأمانة العامة

وهنا يهمنا أكثر هو مجلس الأمن الذي له صلاحيات واسعة في حفظ الأمن والسلم الدوليين ويعتبر مجلس الأمن من أهم أجهزة الأمم المتحدة ويعتبر المسؤول عن حفظ السلام والأمن الدوليين طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ولمجلس الأمن سلطة قانونية على حكومات الدول الأعضاء لذلك تعتبر قراراته ملزمة للدول الأعضاء ( المادة الرابعة من الميثاق ) .

ويتكون المجلس من 15 عضوا

- منهم خمسة أعضاء دائمين ولهم حق النقض ( حق الفيتو ) وهم كل من روسيا والصين وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا

- أما الأعضاء العشرة الآخرين تنتخبهم الجمعية العامة ليكونوا أعضاء غير دائمين في المجلس لفترات مدة كل منها سنتان . ولكل عضو من أعضاء المجلس صوت واحد وتتخذ القرارات بشأن المسائل الإجرائية بموافقة تسعة على الأقل من الأعضاء إلى 15 وتتطلب القرارات المتعلقة بالمسائل الموضوعية تأييد تسعة أصوات من بينها أصوات كافة الأعضاء الخمسة الدائمين وهذه القاعدة هي قاعدة ( إجماع الدول الكبرى ) التي كثيرا ماتسمى حق الفيتو . وبموجب الميثاق يوافق جميع أعضاء الأمم المتحدة على قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها ، والمجلس هو الجهاز الوحيد التابع للأمم المتحدة الذي يتمتع بسلطة اتخاذ قرارات تكون الدول ملزمة بتنفيذها بموجب الميثاق، أما الأجهزة الأخرى فإنها تقدم التوصيات إلى الحكومات .

وهو منظم بحيث يستطيع العمل بدون انقطاع ، ويجب أن يكون ممثل عن كل واحد من أعضائه موجودا في مقر الأمم المتحدة طول الوقت. وتتناوب الدول الأعضاء في المجلس على رئاسته شهريا وفقا للترتيب الأبجدي الانجليزي لأسمائها .

المبحث الثاني : المفاهيم الصرفة للنظام الدولي، والنظام الدولي الجديد ومميزاته، وكيف

تؤثر الأمم المتحدة في صياغته.

المطلب الأول / المفاهيم الصرفة للنظام الدولي

وهنا تتجزأ المفاهيم الصرفة إلى نوعين حسب مقتضيات النظام الدولي وفق نظرة الدول الغربية الليبرالية والاشتراكية ، سنتحدث عنها في فقرتين منفصلتين وباختصار.

أولا : المفاهيم الصرفة ضمن تبلورات النظام الدولي

لقد كان للسوابق التاريخية ، من تجارب التعاون وإيجاد الحلول الإتفاقية لشتى المعضلات القائمة بين الدول الأوربية في الممارسة ، دورا في بلوغ أهداف تنظيمية لمعظم المصالح المشتركة بينها ، في حالة السلم والحرب تطورا نحو بلورة نظام ليبرالي ديمقراطي، إزداد في ترسيخه تحول الولايات المتحدة من السلبية الدولية بفعل مبدأ مونرو إلى الإيجابية، والتفاعل مع القضايا الدولية الأوربية داخل وخارج أوربا لتكتمل الحلقة من مجموعة الدول التي تسمى بالمجموعة الغربية ذات الفعالية والتأثير البالغ على مجرى العلاقات الدولية ، مما انعكس عمليا على سلوكها في نطاق التنظيم الدولي.

وهنا تعددت وجهات النظر والتفسيرات كما هو آت:

1_ نظرة الدول الغربية الليبرالية للمنظمات الدولية

2_ نظرة المجموعة الإشتراكية إلى المنظمات الدولية وتفسيرها لها

3_ تطور موقف المجموعة الإشتراكية في ظل التحولات العالمية

4_ العالم الثالث والمواكبة للتنظيم الدولي

ثانيا : المفاهيم الصرفة في ظل النظام الدولي الجديد

التفاعل الدولي بديناميكيته المستمرة والتي لايمكن أن تستقر عند أوضاع معينة، وتركن لمفاهيم قارة في الزمان والمكان ، بل على العكس من ذلك يخضع لعديد من المؤثرات التي تساهم في تطوراته وتحولاته ، فتتغير تبعا لتلك المفاهيم القائمة في ظل النظام الدولي وتتكون نتيجة لذلك مفاهيم مسايرة للمعطيات المستجدة في أحوال النظام الدولي أخيرا، من تحولات واضحة المعالم والأسباب أدت إلى تسميته بالنظام الدولي الجديد ، في أعقاب نهاية الحرب الباردة التي سادت العلاقات الدولية عموما منذ الحرب العالمية الثانية حتى مطلع عقد التسعينات .

إن تغيير درجة الفواعل في النظام الدولي أفرزت نمطا من العلاقات الجديدة وتشكلت على إثرها مفاهيم متطورة للمنظورات الصرفة التي كونتها مختلف المجموعات الدولية إزاء سلسلة من القضايا الدولية، وتأتي في صدارتها المفاهيم الصرفة تجاه المنظمات الدولية التي عرفت توجهات متطورة بفعل مالحق دورها الوظيفي ونشاطها في الممارسة على مستوى الحياة السياسية الدولية من تحول، بوءها مركزا متميزا في محيط العلاقات الدولية أخيرا، على ضوء تغير موازين القوة نحو النظام الدولي الجديد المتميز ومن خلال الآثار المترتبة على ذلك .

المطلب الثاني : النظام الدولي الجديد ومميزاته

النظام الدولي كمنسق قائم على بنية مادية ومعنوية تتداخل فيه العوامل وتتفاعل في عملية تأثير وتأثر ، لتفرز الطبيعة والخصائص التي تميزه فتتجاذبه تلك الفواعل ، لتطبعه في إطار نمطي معين تتبلور عنه المميزات والخصائص التي تطبعه في تطابق وانسجام مع مختلف المعطيات المحيطة في الزمان والمكان وانطلاقا من البيئة المخيمة على العلاقات السائدة وتفاعلاتها المتأرة إلى حد كبير بمختلف القضايا والمعضلات المطروحة على الساحة الدولية حيث تنعكس المواقف وسلوكيات القوى الفاعلة على مسار النظام الدولي وتوجهاته متأثرا إلى حد كبير بما يلاحقه من مستجدات .

وللاستدلال على ذلك يمكن الإشارة إلى النظام الدولي الذي ساد ردحا من الزمن ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية إذ تميز إبانها بالثنائية القطبية المنبثقة عن تحالف القوى المنتصرة في الحرب ، واستغرقته أنماط من السياسات الصراعية فيما عرف بالحرب الباردة ثم البحث عن علاقات من أجل التعايش السلمي درءا لمغبة التدمير النووي ثم سياسة الوفاق التفاوضي لإيجاد صيغة ملائمة ومرضية للأطراف المتصارعة على الساحة الدولية بحيث ظهر ذلك جليا في المواقف والمفاهيم الصرفة المتبلورة للجماعات الدولية التي صارت والحالة هذه تصنف إلى كتلة شرقية وغربية وعالم ثالث على مستوى التنظيم الدولي وحيث نلمس تباين المواقف من سياسة الاحتواء في مواجهة الاستقطاب .

المطلب الثالث: كيف تؤثر الأمم المتحدة في صياغة النظام الدولي

إن نهاية الحرب الباردة، والخلل الاستراتيجي في التوازن الدولي وآثاره المترتبة على الساحة الدولية تصب في خانة مصلحة النظام الرأسمالي ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، إذ دعت إلى قيام نظام دولي جديد دون النظر إلى آراء ومواقف دول أوربا النامية، فرؤية أوربا للنظام الدولي الجديد هو ما تضمنه ميثاق باريس ـ(19 ـ22/ تشرين الثاني/1990)، وكان من أهم ملامحه تحقيق الديمقراطيات بما ينطوي على الإرادة الشعبية، واحترام حقوق الإنسان، ودولة القانون، والحرية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، أما الدول النامية (دول الجنوب) فلم تكن مشاركة في الدعوة إلى نظام دولي حسب المفهوم الأمريكي له، ولكن برغم ذلك كانت معنية بالتغيير لان انهيار الاتحاد السوفيتي جعلها في حيرة شديدة لأنها فقدت طرفا داعما لها، فقد كان من مصلحتها بقاء قطب دولي مثل الاتحاد السوفيتي لاعبا أساسيا في الساحة الدولية في خلق توازن دولي، ولتأثيره ونفوذه السياسي في المواقف السياسية على العديد من دول العالم لصالح دول الجنوب، وفي مساندتها ودعمها ومعاونتها في قضاياها المختلفة فكان من الطبيعي أن يكون لغيابه اثر عميق على النظام الدولي.

إن ما هو قائم فعلا هو نظام مرحلي للانتقال من القطبية الثنائية إلى الأحادية، وان هذا النظام لم تتحدد له ملامح بعد لان انهيار النظام الثنائي نجم عن انهيار الأوضاع السابقة واوجب إيجاد نظام بديل.

وان ما هو قائم ليس بالنظام الدولي لان ثلاثة أرباع البشرية لم يشملها، هذا النظام "بلدان الجنوب"،ولم تجد فيه من يستطيع الاحتكام إليه حيث أسفر اختفاء المواجهة بين الشرق والغرب،عن مواجهة بين الشمال والجنوب... فانهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية (ما عدا الصين) جعل من العالم الثالث "عالم الجنوب" يصبح العالم الوحيد المقابل للعالم الأول ـ الرأسمالية... فقد كان النظام الدولي السابق على الرغم من الثغرات التي تكتنفه وبارتكازه إلى توازن قائم على الاستقطاب ذي المحورين، يؤمن هامشا للمناورة تستطيع دول العامل التحرك من خلاله لتحقيق طموحاتها وفي ضوء ما تقدم نخلص إلى ما يلي:

أ. إن تغيير الترابية الهزيمة في النظام الدولي من القطبية الثنائية إلى الأحادية أوجدها انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية ـ ما عدا الصين علما إن الاتحاد السوفيتي كان من الأطراف الرئيسية في صياغة النظام الدولي في عام 1945.

وعليه فقد وظفت الولايات المتحدة نتائج هذا الانهيار لصالحها.

ب. إن النظام الدولي الجديد ــ وفق الرؤية الأمريكية ــ ليس إلا استمرارا للنظام الدولي السابق ولكن بترتيبات جديدة فكثير من (عناصر النظام الدولي وفي مقدمتها دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنة خاصة، والدور الغربي عامة، تؤكد لنا أن للنظام الجديد أرثا لايستهان به من النظام الدولي السابق.

إن محاولة قيام نظام دولي جديد بزعامة الولايات المتحدة ينبئ عن دور محوري قوامه النظام الرأسمالي، وهذا الأمر يؤدي إلى عدم استقرار وتوازن هذا النظام، والسبب في ذلك عدم توفر وحضور الإرادات الدولية الأخرى في المشاركة والموافقة على صياغة هذا النظام.

ج. وبالنسبة إلى منظمة الأمم المتحدة، فقد تجسد موقف الولايات المتحدة آراءها إلى إعادة الاعتبار للأمم المتحدة للقيام بدور أكثر أهمية، ويحق لنا أن نتساءل هل أن القوى الكبرى ـ وهي التي ساهمت في تأسيس الأمم المتحدة ـ لم تعرف أهميتها إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ونعتقد أن الجواب على ذلك مرتبط في نزوع القوى الكبرى إلى توظيف الأمم المتحدة لمصالحها.

هـ. إن العالم وهو يراقب ويتفاعل ويتأثر بهيمنة القطب الواحد، يتطلع إلى صياغة نظام دولي ينبع من الإدارة الدولية الجماعية، تكون دليله مبادئ وأهداف الأمم المتحدة، بعد دراسة وقراءة جديدة لميثاق المنظمة نفسها في ضوء المتغير الدولي، فلقد سبق رئيس وزراء الهند السابق "نارسيمها راو" إن قال في قمة مجلس الأمن/1990، ( إن أفضل صورة لإقامة نظام دولي هي دراسة جديدة لميثاق الأمم المتحدة وتصويب عيوبه وسد ثغراته) .

نخلص إلى القول أن النظام الدولي الجديد يمثل استمرارا للنظام الدولي السابق وفق ترتيبات جديدة، تتوضح فيها بصمات الأصابع الأمريكية نتيجة المتغيرات الدولية المذكورة والمعروفة آنفا، وان النظام الدولي الجديد الذي تسعى إليه الدول عامة، وعالم الجنوب خاصة، يكمن في الدعوة إلى إصلاح نظام الأمم المتحدة، وإرساء ديمقراطية العلاقات الدولية، والى إقامة نظام اقتصادي دولي جديد قوامه التعاون والتضامن، وتلمس السبل الصحيحة والعلمية في مواجهة عالم جديد، وعلى الرغم من أن ملامح الشرعية غير متوفرة، وغير حاضرة في النظام الدولي الجديد، لكنه وحتى سنوات قد تكون طويلة ستبقى السياسة الدولية متأثرة بالمتغير الأمريكي، وكذلك بالمتغيرات الأوربية والآسيوية.

فعالمنا اليوم أحادي على الصعيد العسكري والسياسي، ومتعدد على الصعيد الاقتصادي، أن النظام الدولي الجديد يعيش أزمة التشكل لان الولايات المتحدة ورغم وجودها كقوة في السياسة الدولية لكنها لوحدها لا تستطيع أن تسعى إلى الهيمنة المطلقة فهي بحاجة إلى شراكة دولية، ومن الممكن أن تظهر متغيرات في أوربا وآسيا تقف حائلا دون الرغبة الأمريكية مثل الصين، وروسيا، وأخيرا أن الذي نشهده هو الجديد في النظام الدولي.

من المتغيرات الحديثة التي تجري بخطوات متسارعة في حركة جيوسياسية شملت دول عديدة من العالم ، إضافة إلى ما أحدثته تقلبات العولمة من أحداث خطيرة، وماسببته الأزمة الاقتصادية من انهيارات مهمة في مختلف أركان النظام الدولي، وما أفرزته أحداث 11 سبتمبر الذي حولت شكل العالم الأمني هذا من جانب،ومن جانب آخر الصراعات الاقتصادية التي غيرت اتجاه القوى هذه المرة وهذا يعني إن الصراع العالمي الحالي الذي يهز توازن النظام الدولي هو صراع اقتصادي ومن الواضح بطل هذا الصراع هو الصين لذلك لم تعد الولايات المتحدة هي القوة الآمرة الوحيدة في العالم .

كل هذه المعطيات تؤكد لنا إن الأمم المتحدة غير قادرة على صياغة النظام الدولي بالشكل الذي يؤمن له الاستقرار والتوازن والأمن الذي نصت عليه أهداف ومبادئ الأمم المتحدة عند تأسيسها سنة 1945،ونستطيع أن نختصر القول بأن الأمم المتحدة ربما إستطاعت خلال سنوات عمرها أنة تحقق الجانب الأمني للنظام الدولي لكنها في وقتنا الحاضر وفي خضم الصراع الاقتصادي لاتستطيع أن تفعل له شيئا .

خاتمـة

في مقدمة الحديث عما يسمى بالنظام الدولي الجديد، نود التوقف عند محطة نعتقد أهميتها في مسار تشكل ذلك النظام. ففي العقد الماضي، وتحديدا عند عام 1985 صرح الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف: أن مشكلات العالم اليوم لا يمكن حلها من دون الجهود المشتركة لكل الدول والأوطان، المشكلات الجديدة في أفاق الفضاء وأعمال المحيطات، ومشكلات البيئة والأمراض والفقر والتخلف.. كل هذه المشكلات أصبحت من حقائق العصر وهي تستدعي، اهتماماً دولياً، ومسؤوليات دولية، وتعاوناً دولياً..

ذلك الحديث، وإشارات كثيرة وردت في أحاديث أخرى، نحت نفس المنحى، حددت ملامح نقطة انعطاف في سياسة الاتحاد السوفياتي، فمن جانب مثلا الإعلان عن توجه في سياسة انفتاح على العالم الغربي، الذي كانت في الأمس تعيش وإياه أنماطا من الحرب، اخذ إطارها العام عنوان الحرب الباردة، على الرغم من أن الكثير من مفرداتها، كانت عبارة عن مواجهات وحالات تنافس حادة وساخنة في العديد من الميادين والمناطق. ومن جانب ثان، ألمحت إلى الرغبة بالتحرر من هيمنة الفكر الشيوعي ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نتيجة الإحساس بالتعب، والشعور بعدم القدرة على مواجهة التحديات التي عاشت الحركة الشيوعية وهم امتلاك الحلول لها.

وإذا ماكان غورباتشوف، ورغم توقفه الطويل عند برنامجه الإصلاحي المسمى بالبيسترويكا، قد فشل في العثور على صيغ تعامل سليمة مع تحديات ذلك المنعطف، فان الولايات المتحدة الأميركية والمسؤولين عن رسم السياسة فيها قد توقفوا عنده أطول وتأملوه باهتمام أكبر، فهم يمثلون الطرف الدولي الأكثر اهتماماً بما يجري في الاتحاد السوفياتي، إن لم يكن الطرف الذي بذل الجهود الحثيثة، والممتدة عبر عقود من الزمن لخلق مقدمات ذلك المنعطف، وبهذا الصدد يذكر سايروس فانس وزير الخارجية الأميركي زمن الرئيس كارتر، مذكراته التي كتبها أواخر عام 1982 «إن كثيراً مما سيحدث في العالم في السنوات المقبلة سيتوقف على استعداد السوفيات للاعتراف بالتغير في أوروبا الشرقية وغيرها من الأماكن، واثر هذا التغير وان يفعلوا هذا عاجلاً خيراً من إن يفعلوه آجلاً. وبوسعنا أن نقدم حوافز يمكن أن تساعد في التوضيح للزعماء السوفيات إننا لا نسعى إلى طي بساط السيطرة السوفياتية على أوروبا الشرقية كي نكسب لأنفسنا مزيداً من النفوذ، وان درجة اكبر من تقرير المصير لدول أوروبا الشرقية ليست بالضرورة تهديداً لأمنهم..».

ونتيجة لذلك المستوى من المتابعة والاهتمام بالشأن السوفياتي فان الولايات المتحدة الأميركية قد أدركت أن فراغاً عظيماً سيصيب الوضع الدولي، نتيجة تنحي احد طرفي معادلة القطبية الثنائية التي تحكمت لأكثر من أربعة عقود من الزمن بالسياسة الدولية، وحتى لا يستفيد من ذلك الفراغ احد سواها، أخذت تهندس فصول المقدمة التي طالما كانت تسبق حالات التحول الكبيرة في النظام الدولي.

جورج بوش ومهندسو السياسة الأميركية يدركون تماماً أن المراحل التاريخية التي يمر بها النظام الدولي، وبالذات خلال العصر الحديث، كانت تتولد وتتشكل بعد حروب غالباً ما أخذت طابع التورط الواسع من قبل المجتمع الدولي فيها، وكانت تصوغ ملامحها الدول المنتصرة في الحرب، ومثال على ذلك النظام الدولي الذي تمثل في «حفظ الاستقرار الأوروبي» بعد مغامرات نابليون السياسية التي عصفت بأوروبا، إنما جاء نتيجة لإرادة الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب عام 1815م. كذلك فان إقرار اتفاقية «فرساي» وتشكيل «عصبة الأم» اللتين استخدمتا لتكريس السيادة الأوروبية على السياسة الدولية في النظام الدولي الجديد آنذاك، ما جاءت إلاّ نتيجة لإرادة المنتصرين في الحرب العالمية الأولى.

وعلى هذا الأساس فإننا نميل للاتفاق مع أصحاب الرأي القائل بأن سيناريو حرب الخليج قد وضع أصلا في عام 1988، أي قبل أشهر عديدة من تاريخ غزو الكويت، وذلك بناءا على عدد من الحيثيات، منها الحملة الإعلامية الغربية، الغريبة في توقيتها، التي استهدفت النظام العراقي، وكانت مادتها، المدفع العملاق.. المكثفات الخاصة بالأسلحة النووية.. وإعدام الصحفي البريطاني بازوفت.. والتي امتدت أكثر من عام قبل الاحتلال العراقي للكويت. وكذلك التدريبات العسكرية ضمن ما يسمى بـ «اللعبة الحربية السنوية للقوات الأميركية» التي قامت على فكرة تحرير الكويت من احتلال مفترض، وتمت تحت عنوان «الشرك الأميركي للعراق» كما أشار بذلك الجنرال الأميركي نورمان شوارتزكوف في مذكراته عن أزمة الخليج. والتي استحصل الموافقة الرسمية عليها في الاجتماع الذي عقد في الأول من حزيران 1990 في البيت الأبيض، لغرض عرض سيناريو الرد الأميركي على الاعتداء المستقبلي على الكويت أمام المسؤولين. وما وضع ذلك السيناريو إلاّ لتحقيق هدف مركزي يثبت الدور القيادي للولايات المتحدة الأميركية، والذي يمثل جوهر النظام الدولي الجديد الذي بصدد إنشائه، ففي تاريخ 11/9/1990 وفي لقائه مع الكونجرس قال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش «أننا نتطلع إلى نظام عالمي جديد يصبح أكثر تحرزاً إزاء التهديد بالإرهاب...» وبهذا فانه يؤكد حقيقة التوجه والتخطيط لذلك النظام الدولي الجديد، إذ أننا لا يمكن أن نفهم من أمر التطلع الأميركي غير ذلك، أما كيف يساهم ذلك الرد الأميركي، على الاعتداء العراقي في الكويت، بتحقيق ذلك الهدف المركزي، فانه يتم من خلال.

أولاً: ترسيخ مسألة تنحي المعسكر الشرقي، وبالذات الاتحاد السوفياتي عن ممارسة أي دور سياسي يقابل الدور الأميركي، بل وتثبيت تبعيته لذلك الدور.

ثانياً: ترويض أوروبا وعدم إعطائها الفرصة في التفكير بأي دور يتقدم على الدور الأميركي في مرحلة ما بعد انهيار المعسكر الشرقي.

ثالثاً: إحداث الصدمة النفسية اللازمة لإرهاب المجتمع الدولي وقهره على التسليم بما تقرره الولايات المتحدة الأميركية من حلول تراها مناسبة للمشكلات التي تتفاعل في واقعه.

رابعاً: تحقيق مرجعية دولية فاعلة لمجلس الأمن في توجيه السياسة الدولية، بعد أن تمكنت من أحكام قبضتها عليه وبات يشكل غطاءاً دوليا لسياساتها.

وربما حديث وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر والذي حاول من خلاله شرح السياسة الأميركية بخصوص تلك المسألة يوضح ذلك الأمر أكثر فقد قال: «استراتيجيتنا هي قيادة تحالف عالمي، تحالف سياسي لعزل العراق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وينبغي على العالم أن يقف متحداً للدفاع عن المبادئ المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، وفي هذا المجهود يجب على الولايات المتحدة إن تقود وعلى شعبنا إن يفهم ذلك، إننا نظل الأمة الوحيدة التي تقع تحت تصرفها الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية الضرورية لكي نستجيب استجابة ناجحة للعدوان العراقي في المجتمع الدولي».

لاشك أن ذلك الهدف المركزي لم يكن مطلوباً لذاته فقط، على رغم ما في مسألة القيادة من إغراءات، إلاّ أن تحقيق المصالح وسد النواقص وتحقيق ما يعتقدون انّه من مطالب أمنهم القومي، هي أمور تعتبر أكثر أهمية، بل هي ما استهدفوا القيادة من اجل الحفظ عليها، وربما كانت هي من أهم الأسباب التي دفعتهم لاختيار منطقة من اصطلحوا عليها بالشرق الأوسط مسرحاً أو رحماً لتلك الولادة المفتعلة للنظام الدولي الجديد، خصوصاً إذا ما أدركنا أن الحضور العسكري الأميركي في تلك المنطقة لم يكن بمستوى ما تتطلع إليه الولايات المتحدة الأميركية، وقد أشار للأمر الجنرال الأميركي شوارتزكوف في مذكراته قائلا: حتى ذلك الحين «أي كانون الثاني 1989» لم يحبذ احد حضور الولايات المتحدة الأميركية في الخليج عسكرياً سوى إمارة الجزيرة الصغيرة البحرين، فلقد استضافت مقر قيادة قوّة سلاح البحرية في الشرق الأوسط منذ عهد ترومان. ورغم النقد الموجه من جانب الدول الخليجية الأخرى، بقي أمير البحرين ثابتاً على التزامه..».

هذا وقد كان مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، ماكفرلين قد أدلى في عام 1988 بتصريح جاء فيه: «إن الذي يستولي على الخليج الفارسي في أواخر القرن العشرين يمكن أن يركع الاقتصاد العالمي..».

أما أهم تلك المصالح والمطالب، وكما أشار إليها التقرير الاستراتيجي للأمن القومي الأميركي، الذي صادق عليه الرئيس الأميركي جورج بوش في شهر آب عام 1991 فهي:

1ـ مساندة الأنظمة السياسية الصديقة لاميركا وحمايتها

2ـ تأمين تدفق النفط

3ـ الحد من الأسلحة المصدرة لدول العالم الثالث ولا سيما الأسلحة ذات التدمير الشامل.

4ـ منع الحروب الإقليمية ودفع عملية التسوية في الشرق الأوسط.

5-التشدد إزاء الدول التي تدعم الإرهاب الدولي.

6ـ تأمين وجود عسكري أميركي دائم في الشرق الأوسط للحفاظ على أمن الخليج العسكري والسياسي والاقتصادي.

وما إن وضعت الحرب أوزارها، وبعد أن تمكنت الآلة العسكرية الأميركية، من تدمير ركائز البناء الاقتصادي والخدمي في العراق، وبعد أن تسببت بقتل ما يقارب الربع مليون مواطن عراقي، ووفرت المبرر الموضوعي لخروج العراق من ميدان الصراع مع الكيان الصهيوني، تحت ذريعة فقده لقدراته العسكرية، وخضوعه لضغط الموقف الدولي وقرارات الأمم المتحدة.. وما إن شعرت الولايات المتحدة الأمريكية إن الهدف المركزي الذي جاء سيناريو غزو الكويت من اجله قد أنجز، صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش أثناء زيارته لقاعدة عسكرية بتاريخ13/4/1991 قائلاً: «إن النظام العالمي الجديد لا يعني تنازلا عن سيادتنا الوطنية أو تخليا عن مصالحنا، انّه ينم عن مسؤولية أملتها علينا نجاحاتنا، وهو يعبر عن وسائل جديدة للعمل مع الأمم المتحدة من اجل ردع العدوان».

ترى أي عدوان هذا الذي يتحدث عن ردعه زعيم النظام العالمي...؟

اهو عدوان العنصرية الصربية الوحشي، ضد الشعب البوسني المسلم الأعزل، الذي وقفت منه الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤها الغربيون ومجلس امن اممهم المتحدة، موقف المتفرج على عمليات القتل والتدمير البربرية، موقف المتلذذ بمشاهدة صور العذاب والمعاناة المرتسمة على وجوه الأطفال والنساء والشيوخ البوسنيين، بعد ان حرموا المدافعين عنهم من السلاح.

أم هو ذلك العدوان الذي مارسته السلطات الجزائرية ضد الإرادة الشعبية، المطالبة بحكومة العدل الإسلامي، والذي باركته الحكومة الأمريكية، رغم كونه عدوان على الديمقراطية، التي تزعم رفع رايتها والذود عن المطالبين بها..

أم العدوان العسكري المسلح، الذي عملته القوات الأمريكية في الشعب الصومالي الذي يعاني من عدوان الفقر والجوع والمرض، بعد إن امتهنت إرادته الوطنية، واعتدت على حقوقه السياسية..

أم هو عدوان السلطات الفاشية الظالمة، التي تسلطت على مقدرات الشعوب في العديد من بلدان العالم الثالث، فحرمتها من حقوقها الفكرية والسياسية والاقتصادية، ومارست بحقها كل الصيغ الإرهابية، من ملاحقة واعتقال، وتعذيب واغتيال، وبدعم مباشر من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

لاشك أن مصطلح العدوان، في القاموس الأمريكي، لا يعني صور العدوان تلك، إنما يعني تلك الحالات التي تقف فيها الشعوب والحركات، مدافعة عن حقوقها ومصالحها، وحرماتها ومقدساتها، أمام صور الاعتداء المباشر أو غير المباشر، الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية والدائرون في فلكها.. حالات الدفاع المشروعة تلك تسميها أمريكا «إرهابا» وقد قالها صراحة جورج بوش أمام الكونجرس الأمريكي، قبل عدوانه على الشعب العراقي، وعلى مقدرات الأمة في الخليج، كما اشرنا لذلك في مقدمة الحديث.

دور القيادة الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الدولي الجديد، قائم على ركيزتين، الأولى: وهم في المخيلة الأمريكية ورغبة جامحة في نفسها المريضة، والثانية: حالة ضعف واستسلام لا تستند على مبررات واقعية، إنما هي وليدة صدمة نفسية، وهالة إعلامية زائفة، أخذت طريقها للعديد من النظم والشعوب والقوى.

أمريكا لا تمتلك فعلا المؤهلات اللازمة لكي تقوم بدور القيادة للعالم الإنساني فعلى المستوى العسكري، فان مجرد امتلاك تكنولوجيا الحرب وأسلحة الدمار الشامل، لا يكفي وحده أن يمنحها حالة القوة والقدرة الفعلية لأداء الدور، أو لقهر الآخرين وتحقيق أمر الفوز والغلبة.. فتجربتها في لبنان، في بداية الثمانينات، ما زالت ماثلة في ذهنها، وان غابت عن أذهان الكثيرين. وقبل ذلك هزيمتها في فيتنام، ومؤخرا في الصومال، لدليل على فقدانها للمؤهل الإنساني من جانب، وفقدان عوامل القدرة الفعلية على الغلبة من جانب آخر.

بل حتى ذلك السيناريو الذي اعتمدته لميلاد ذلك النظام الدولي الوهم، كان مؤشرا ودليلا واضحا لحقيقة ضعفها وهزالها، ذلك إنها لم تجرأ على مواجهة بلد صغير من بلدان العالم الثالث، أتعبته حرب دامت ثمان سنوات، إلا بعد أن جيشت جيوش العالم، واستنفرت كل إمكاناته.

وعلى المستوى الاقتصادي، فان أمريكا اليوم ليست أمريكا «مشروع مارشال» التي استطاعت أن تساهم وبقوة في عملية إعادة بناء أوربا اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.. إنها اليوم تتحسر عدم قدرتها على تقديم المساعدات المالية لجمهوريات أوربا الشرقية ولروسيا، والتي تعتقد ضرورتها للامساك بها وإبقائها ضمن دائرة النظام الدولي الجديد الذي تحرص على صياغة معالمه.. فالركود الاقتصادي الذي أصابها بدءا من العام 1990 مازال قائما، وان الجهات الأمريكية المسؤولة عن الموازنة قدرت ان حجم العجز الكبير في الميزانية الأمريكية ، في الوقت الذي تميزت الحركة الاقتصادية لمنافسها الاقتصادي اليابان، بسرعة النمو والتحرك الواسع، الأمر الذي ضمن اليابان قدرة تنافسية لا تضاهى، كما وفر لها فائضا مستمرا في الميزان التجاري، ومكنها من عملية غزو اقتصادي للعديد من دول الغرب المنافس، حتى أصبح إسهامها في السوق العالمية يعادل الـ10%، وكذلك الأمر بالنسبة للمنافس الثاني ألمانيا التي صارت ثالث ثلاثة يتنافسون على التحكم بالوضع الاقتصادي الدولي.

على المستوى الحضاري والأخلاقي، فهي تعبير عن عقلية همجية لا تدرك من المعاني الإنسانيّة الفاضلة معنى، ولا تعطي لقيم التعامل والتفاهم الإنساني دورا، فهي اقرب لمستأسد في غاب منها لدولة تحيى حياة متحضرة. ففي الوقت الذي ترفع فيه صيحات من هنا وهناك، مطالبة بنظام دولي جديد قائم على أساس:

1 ـ رفض اعتماد العنف في حل النزاعات الدولية، أو بين الجماعات العرفية والمذهبية.

2 ـ احترام رأي الأكثرية العددية للرأي العام الدولي عند استصدار القرارات السياسية.

3 ـ احترام المتبنيات العقائدية للأفراد والشعوب والأمم.

4 ـ احترام إرادة الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

5 ـ إلغاء منطق الفيتو الذي هو حق للأقوياء فقط، واعتماد منطق الحوار والتفاهم بين الشعوب والأمم.

6 ـ التوجه نحو تحقيق المشاريع الإنمائية للدول الفقيرة، واعتماد مبدأ تبادل المصالح وتكامل المشاريع والخبرات في الحالة الدولية، بدل النهب والتدمير.

7 ـ التوجه نحو تحقيق السلام العالمي الحقيقي العادل، لا السلام المفروض على الضعفاء.

في مقابل ذلك نلحظ أنها (أي الولايات المتحدة الأمريكية) تعتقد أن من حقها، استخدام مختلف الأساليب والوسائل، لردع كل من يحاول أن يختار خيارا غير خيارها، أو يحاول الوقوف بوجه منهج التغريب السياسي العالمي، الذي اختارته طريقا لترسيخ نظامها الدولي الجديد المفتعل، هذا ما اصطلحت على تسميته بـ«الوسائل الجديدة للتعامل مع الأمم الأخرى» ويالها من وسائل جديدة؟!..

هذه هي حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية، وحقيقتها تؤشر أن النظام الدولي الجديد، مازال ينتظر من يتقدم ليملأ فراغ القيادة بجدارة، ولن يملأ الفراغ غير امة تستمد عناصر قوتها من القيم والأفكار والعقائد والأخلاق الفاضلة،

نستخلص مما تقدم إن الأمم المتحدة كانت ومازالت حبيسة إرادة الدول الكبرى المؤسسة لها وبشكل خاص الولايات المتحدة التي تحاول تمرير القرارات الدولية التي تخدم مصالحها فقط على حساب النظام الدولي الغارق في الأزمات ، وهذا من الواضح ماهو إلا شل كامل وتدمير لإرادة الأمم المتحدة وتسويف شرعيتها التي تهدف إلى بناء نظام دولي متماسك حر يتمتع بالحقوق والسيادة ، نرى وحسب مايشهده العالم من أحداث سياسية وعسكرية كبيرة ومتسارعة أن الشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة عاجزة بل غير قادرة على تحقيق أهدافها التي جاءت بها ومن ضمنها النهوض بالنظام الدولي على أساس التوازن والاستقرار الذي ينشئ على أسس احترام الحريات والحقوق وتقرير المصير .

المراجـع

1_ نظرية المنظمات الدولية الدكتور بلقاسم كريمني

2_ مقالات

3_ أنترنت

تاريخ آخر تحديث: الأحد, 26 حزيران/يونيو 2011 15:11