Facebook
صالون عطية PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محمود السيد   
الأحد, 08 كانون1/ديسمبر 2013 06:18

 

m7mudalsed
لايجوز تكرار النشر دون الاشارة لمجلة سطور

 

في ليلة من ليالي الشتاء وبعد الانتهاء من صلاه المغرب توجهت من منزلي في حي مصر الجديدة إلى حي المطرية حيث كنت أقيم مع أفراد اسرتى منذ ما يقرب من خمسه وثلاثون عاما ... تفرق الإخوة والأخوات كل في منزله مع زوجه واولاده .. خاصة بعد وفاة الأم وتبعها الأب وواحد من الأشقاء .. كان حي المطرية الشعبي قد جمعنا لسنوات طويلة نحن الاخوه والزملاء والأصدقاء .. نشأت بيننا وبين العديد من اسر وعائلات الحي صداقات استمرت سنوات وسنوات لم تنقطع ولم تستطع الأيام والليالي أن تمحو ذكرى أيام جميلة عشناها.. فهذا عم عبد العاطى ,, وهذا عليوة البقال وأبو جرجس المكوجى وسيد المسحراتي وبوحه العجلاتى .. ومخبر المعلم بخيت .. لم تكن الارض ممهدة , لكن الأرض ورائحتها مطبوعه فى ذاكرة كل منا .. كنت اتابع عن بعد اخبار ام عبده وبناتها واخبار ام ناديه وبناتها.. ايمان ومنى وسعاد وامانى ,, لكل اسم ذكرى 00 ولكل ذكرى عطر مازال فى القلب وحنين لايام خلت وسنوات مضت وكأننا نسابق الزمن ............

مررت بشوارع كثيرة , اعتدت ان اقطع المسافة من حى مصر الجديدة الى المطرية سيرا على الاقدام وكلما اقتربت نحو بيتى القديم ازدادت دقات قلبى حتى كنت اسمعها بين ضلوعى وكلما اقتربت لاحت لى انوارا كثيرة : ماهذا !! ماهذه الانوار ؟ ومع اقترابي ترامى الى سمعى صوتا ( ان المتقين فى جنات وعيون ) سرادق عزاء لاحت ملامحه من على البعد : من ياترى ؟ وازداد اقترابى وبدون ان اسأل توجهت الى السرادق وممدت يدى مصافحا . البقاء لله .. شد حيلك .. ومضيت اسلم على الواحد تلو الاخر حتى انتهيت الى مقعدى فى الصفوف الاخيرة فقد امتلأ السرادق عن آخره ومازال قارىء القرأن يقرأ ماتيسر من آيات الذكر الحكيم ثم يصدق ليتيح الفرصة والمكان للمعزيين الذين لم يتوقف توافدهم ... وما بين الربع قبل الاخير والربع الاخير سألت من يجلس بجوارى : البقاء لله . رد : الدوام لله .. الله يرحمك ياعمى .. الف رحمه ونور تنزل عليك ... التفت اليه وانا اربت على كتفه متسائلا , من فى اعمامك بالضبط ؟ عمى عطيه ... فبادرته على الفور ., عطيه ,,,, صاحب صالون عطيه !! انحدرت من عينيه دمعة .. نعم عمى عطية . توفى مساء امس . بعد ان انتهى من حلاقة دقن الزبون وقبل ان يبدأ فى حلاقة شعره شعر بألم شديد فى صدره فلم يتمالك نفسه من الالم ..امسك بشعر الزبون . اشتد الألم عليه فوضع يده على صدره وباليد الأخرى أمسك شعر الزبون حتى فاضت روحه فوقع على الارض والزبون من فوقه صرخ الزبون .. وتجمع من فى الشارع على صرخاته وخلصوا شعره من يد عمي بصعوبه بالغة , قلت: لا حول ولا قوه الا بالله . عم عطية ... اطمئن .. عمك مات شهيداً .. مات وهو يؤدى واجبه .. مات فى معترك الحياة . .فى سبيل لقمة العيش .

اتذكر عم عطية وصالون عطية طالما صحبنى ابى الى هناك للحلاقه عنوة عند عم عطيه الذى يقول لوالدى : حرام عليك . الولد شعره جميل . ثم يضع يده على شعرى مرددا : حرام عليك الولد . وكثيرا مااشعرنى عم عطية اننى ضحية كلما ذهبت لاقص شعرى .. لكن هذا حال الدنيا .. توفى عم عطيه وترك سعيد وصبحى اولاده . كافح معهم حتى تخرج سعيد في كلية الحقوق وكان صبحى قد تخرج قبله بسنوات في كليه التجارة وبطبيعه الحال علّمهم والدهم الصنعه فمهنة الحلاقة مربحه تدر عليهم دخلا يكفل لهم العيش الكريم .... حتى كان يوما عاد فيه عم عطية الى بيته ليفاجأ بزوجته وام اولاده حميده وقد فارقت الحياة بلا مقدمات

انهار الجميع وتساقطت الدموع من عين عطية الذى ترك البيت .. ترك سعيد وصبحى مع اعمامهم وزوجاتهم , لم يطاوعه قلبه ولم يتحمل المشهد... زوجته حميدة التى عاش معها اربعين عاما.. حاول ان يسعدها بقدر الامكان والان حان الأجل وأن الأوان .. هل يتحمل ان يراها تغسل وتكفن .. هل يحملها الى الصندوق ؟ .. هل يودعها الثرى بيديه .. هل يدفن اليد الحانية .. لحظه فراق امتدت العمر كله وبقيت فى قلبه وعقله ماثله امامه حتى لحق بها .

بعد الانتهاء من قراءة الربع الاخير وصدق الله العظيم انصرف الجميع مقدمين التعازى لاسرة الفقيد وتقدمت معزيا اولاده سعيد وصبحى .

لم تنقطع صلتى بحى المطرية فقد كان طول شعرى والحنين الى الماضى يجذبنى الى الحى فأبدا بصالون عطية اقص شعرى واسأل عن احوال سعيد وصبحى , اتجاذب معهم اطراف الحديث ثم انصرف فى النهايه متوجها الى احد الاصدقاء او الجلوس على مقهى لملوم .. هذا المقهى ملتقى شباب الحى وكبار السن ويقع فى منتصف منطقة سوق الخميس .. ذلك السوق العتيد .. اتفق الباعه دون اتفاق على عرض بضاعه كل منهم يوم الخميس . فمنذ الساعات الاوله من الصباح يتجمع الباعه من كل الاحياء ومن كل صوب وحدب متوجهين الى حى المطريه .. اعتدت ان اقضى بضع ساعات على مقهى لملوم استنشق عبير الحى فى جرعات متلاحقه تكفينى شهرا او شهرين حتى يطول شعرى مره اخرى ويعاودنى الحنين مرات ومرات حتى كان يوما توجهت فيه الى صالون عطيه فوجدت سعيد وصبحى وقد جلس امام كل منهم زبون .. شرع صبحى فى الحلاقة اولا وبعده بدقائق بدأ سعيد فى الحلاقه للزبون الآخر .. مرت حوالى ربع ساعة انتهى خلالها صبحى من قص شعر الزبون وبدأ فى حلاله ذقنه وانا مازلت انتظر دورى .. انا لا افضل حلاقة احد على الآخر . فسعيد حلاق ماهر مثل اخيه تمام وكل منهم يرضى بما قسم الله له .. ينتهى الواحد منهم من الحلاقة ثم يمسك الفوطة وينفضها عدة مرات بينما الزبون يعبث فى جيبه مناولا اياه أجرة الحلاقة.. الشىء نفسه يفعله الشقيق الاخر مع زبونه .. مازلت فى انتظار دوري . ولم يبق فى الصالون زبون غيرى . ..وماهى الا لحظات حتى انتهى الشقيقان من عملهما فى وقت واحد . واخذ كل منهم ينفض فوطته عدة مرات بينما كل زبون يعبث فى جيبه مناولا كل منهم أجرة الحلاقة.. انتظرت لحظات وانتظر معى الشقيقان ,, لحظه فارقة وسألت نفسى : هل اتقدم .. ولمن ؟! اتقدم ناحية صبحى ؟ ام اتقدم ناحية سعيد ..انتظرت لحظات وساورتنى شكوك وراودتنى آمال . وقررت الا أتقدم حتى ارى ماذا سيفعل الشقيقان .. تمنيت ان اقتحم كل منهما لأرى ما فى نفسه .. شعوره نحو أخيه .. نوازعه موقفه من المكسب والخساره والقيم بصفة عامه ..تمنيت لو رأيت صبحى او سعيد يشير الي بالتوجه نحو كرسى شقيقه .. وانتظرت لحظات هى كالدهر . قرر بعدها سعيد واشار الى من طرف خفى بالجلوس على كرسيه للحلاقه دون أن يراه اخيه صبحى ..انتفضت واقفا . وقد دارت بي الدنيا ولا أعرف كيف غادرت صالون عطية دون أن احلق !