Facebook
كلمات فارغة PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عباس جواد الحجاج   
الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2013 20:38

 

 

lon2
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

أية إمدادات؟ كانت الإمدادات تصل إلينا من ثقب الباب! الموت عنيد معنا أيضاً، شعرنا بالهزيمة من كل جانب، النصر مجرد الحصول على بضع قطرات ماء، سيدي، أرجوك.. الأمنية هي أن تتمكن من إغماض عينيك لكي لا ترى تلك المشاهد الفظيعة، مؤسف ما حدث، لأول مرة أرى رجالاً بلا عيون.. عيون بلا رجال...أصابع أيادٍ متعفنة، أشلاء بشرية تلتصق بحذائي الرمادي الثقيل، دم ملتصق على وجهي المغبر، أحسست بأن صراخي وهم لا يسمعه أحد غيري، يذوب في مواجهة دوي التنانين المحلقة فوقنا، بحثنا عن الخلاص؟ عن الفرار؟ لم نجد أدنى منفذ، لو رأينا جحر فأر لتقاتلنا على اللجوء إليه، هاربين من حفرنا العارية تحت وحوش الموت السوداء الطائرة، حاولت الركض فأحسست الشلل بقدمي وكأن الأرض تبلعنا، حتى رجالي كذلك، صدق ما أقول سيدي، كنا نحاول أن نتقدم لنرفع اسمك سيدي، لأن أعدائك يسمونك الجرذ الجبان، أعترف بأن رجالك قالوا ذلك أيضاً لأن البنادق فوق رؤوسهم ثم يقتلون وهم يصرخون بأنك الجرذ الجبان، سيدي...
لقد خدعت سيدي لم تحسن اختيار رجالك، آسف لقول هذا، لم نكن جيشاً مجهز لقهر أعداءه، أغلب جنودك أحضروا من المستشفيات، كانوا أسارا أوجاع أمراضهم الخبيثة، يتغوطون كل دقيقتين..أيعقل هذا سيدي؟ أيعقل أن يحضر العمي والصم والبكم إلى الحروب؟ رأيتهم بعيني، عندها شعرت بالهزيمة، شعرت بالخذلان أيضاً...علي أن أخبرك بالحقيقة، سيدي، حين تسلمت وظيفتي في الجيش، قالت لي زوجتي: انتهت حياتك.. أشعرتني باليأس منذ تلك اللحظة، أعترف بأني لم أكن مقاتلاً، بل كنت منتظراً يوم عودتي لعائلتي، إنها الصراحة، سيدي، لم أفهم القتال كما ينبغي...
- ربما سأعطيك أمل واحد للنجاة
- لم أعد أفكر بنجاتي...رأيت كل ما كان والدي يحذرني منه...ربما كان يخشى علي من أن أتأذى، لكنه كان مخطئاً...هذه الحياة سيدي، لا تعرف كيف تنجو من المصائب...تخاف من أدنى شيء.. رغم أنك ستلاقيه...والدك يخاف عليك من الموت لكنه مستقبلك المحتم...
قد أكون ميت الآن، لا أعتقد أني أشعر بما حولي...لم أعد أشعر بوجودي...
- لا داعي من اعترافاتك، إذن...لقد اعتبرت خائناً.. والموت مصير كل خائن.