Facebook
في ظلِّ شجيرة خوخ PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كريم راهي   
الأحد, 14 تموز/يوليو 2013 17:42

 

kreemrahe12
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

في واحدةٍ من مسرحيات شكسبير، يصرخ ريتشارد الثالث، وقد سقط عن صهوة جوادهِ، "مملكتي بحصان، مملكتي بحصان!". لكّنّهُ يموتُ على أيّةِ حال ، قبل أن يستجيبَ أحدٌ ما. لقد ذهبَ حلم ريتشارد سُدىً،إذن، وخلّفه هنري السابع.

هناك من الأحلامِ ما لا يتحقق، وهناك ما لا يُرادُ لها ذلك، أحلامٌ كبيرةٌ أقلُّها موجع. أن تعودَ صبيّاً مثلاً. لكنني على أية حال، خُلقتُ، كما يقول المتنبّي، ألوفاً، لو رجعتُ إلى الصِبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا.

بعد عشرين عاماً من الآن، أو أقلّ، سأكونُ طاعِناً في السن، ولن أجد غضاضةً - وهذا ما لا أجدهُ الآن أيضاً - في أن يناديني أحدُ الأحفاد يا جدّي! بل إنّ هنالك ابنةُ أخٍ لي، هو الأكبر، تعدّت الخمسين، مثلي وهي الآن جدّة فعلاً، فأنا المولود الأخير من أبوين عاش لها عشرة أبناء.

أجلسُ الآن في شرفةٍ مطلّةٍ على الخُضرة، وأرى الشمس وهي تنحسرُ إلى أسفلِ اليمين، فيما ظلالُ الأشجارِ تتعاظم. أيّةُ طبيعةٍ هذي التي أتأمّلُ! ولأيٍّ من أصواتِ العصافير التي تتناوبُ سمعي سأُصغي! تقفز ببالي فجأةً أبياتٌ من شعر أحمد بن الحسين ثانيةً، أبا محسّدٍ أعني، المُتَنَبّي، في واحدةٍ من قصائدِه التي كتبها في مثلِ هذه الجنّة:

"مَغاني الشِعبِ طيباً في المَغاني بمنزلةِ الربيعِ من الزمان
ولكنّ الفتى العربيّ فيها غريبُ الوجهِ واليدِ واللسان."
وأقولُ نعم.. أنا هو ذاك..

أفتحُ غير قاصدٍ، جهاز الموسيقى، حيثُ تركتُ أغنيةَ تنتظرُ فيأتي صوت (أبي يعقوب) وهو يصدح بنهاوندٍ مدمّر:

"من يوم فرگاك جسمي من صدودك عود
هيهات عگبك يسليني نديم وعود
كلما اعذل النفس، روحي تگلي عود
لي صاحبٍ گط محّد گال بيه لوله..."

أوقف التسجيل، وأعاوده مكرراً لعدّة مرّاتٍ سماع هذا البيت، والإنصات لتلك تلك المفردة العجيبة وكيف ينطقها.. (گط) ! ثم استمر بالإنصات لباقي المقام:

"... وحياة من بالمهد جبريل اله لوله
لوما يگولون واعرف بالحچي لوله
چنت احچي وياك لاچن بالزبيبة عود".

بعدَ أن هدأ (تورنادو) حياتي الأكبر، وخفّت أصواتُ (الطلقات التي تصفر خلف الظهر)، وانحسرت الرعودُ والعواصف، وقد تحطّم في غمضة عين كلَّ ذلك الصرح الذي كان من الهشاشة بدرجةٍ لم أتخيلها. كان عليّ أن أغيّر وجهتي تماماً، هرباً من الأماكن التي جعلت هواء ستوكهولم يغدو خانقاً، وكلَّ ألوان الخريف المشتعلةِ، تُرى بالأسود والأبيض. كنت أفكّر بالفرار لأيَّ هدفٍ إبتغاء الخلاص، وكانت الوجهةُ بغداد. الحياة.

لم يخطُر ببالي، وأنا أخطط لأن تكونَ زيارتي قصيرة، أنني سأمكثُ سبعةً من الشهورِ هنا، لكن وكما يبدو، فإنني كنتُ قد وقعت على خارطةٍ فيها، قادتني للعثور على كنز القراصنة. لقد وقعتُ على صُحبةٍ ليس لأحدٍ (گط)أن يقولَ أن في أحدٍ منهم (لولة). مجموعة (أواني مستطرقة) من الذين يصفهم ألن غينسبيرغ في قصيدة (عواء):
"هَبَائيُّونَ برؤوسِ مَلائكَةٍ، يَتَحَرَّقُونَ لِلوصَال السَّماوِي العَتيق، بِالدَينَمُو النُّجُومِي فِي مَكْنَنَة اللَّيل.". أو ما وصفوا هم أنفسَهم به: (شخصيات قلقة في الإنستغرام).

لم أكن في الحقيقة، أعوّل على الأصدقاء كثيراً، فسرعان ما سيختفون ويخلّفونَ مشقَّةَ تذكُّرِهم واحداً إثر الآخر، مثلما أتذكّر الآن الكتيبة الأولى منهم.
ها إنا جالسٌ في الشرفة ذاتِها وقد آلت الشمسُ للمغيب، لأتّذكّرَ (عدنان رچاب)، أوّلَ من تركَ غصّةً في القلب موجعة، يوم لوّحتُ لهُ في گراج النقل العام في النجف، بعد قبوله في جامعة الموصل وهو يقرأ (دعاء الركوب)، ثمّ عاد إليّ في أوّل إجازة صيف وهو يتحدّث بحماسٍ عن فقر العالم الثالث وصراع الطبقات، وبين يديه كتابٌ حمل عنوان (أصل العائلة والملكيّة الخاصّة والدولة).
ثلاث سنوات بعدها عاد من معركةٍ لم تعنِه قطّ، ملفوفاً بالعلم ذي النجمات الثلاث ذاته. وليس بعيداً عن گراج النقلِ الذي ودّعتُهُ فيه في النجف، دُفِنت أحلامُه في قبرٍ سيُخطّ على شاهدتِه:
(يا قارئَ كتابي/ إبك على شبابي/ بالأمس كنتُ حيّاً/ واليوم تحتَ الترابِ.الشهيد البطل المهندس عدنان رچاب الجنابي. إستشهدَ في قاطع عمليّات الشِيب 1958- 1981)
ثم بدأت قوافلهم تترى. من رحل منهم بنفس الطريقة، أم من خُيِّلُ لهُ أنّه سينجو من المحرقة بالفرار من البلاد..
أتذكّر (نصير الصبّاغ) الذي ودّعني قائِلاً أن لا وسيلة للحياة إلاّ بالهرب خارج العراق، ودّعتُهُ في گراج آخر، ببغداد، ثمَّ انقطعت أخباره. كان هذا أيَام حملة تصفيات الشيوعيين. بعد ربع قرن سمعتُ من يقول أنّه رأى بأمِّ عينيه كيف استُشهدَ في مجزرة (بشتاشان) ولا يُعرفُ للآن مكانُ دفنِه. امّا (قاسم عبد الصاحب)، زميلُ دراستي في الهندسة للسنة الأولى فقط، فلم يعلُق في ذاكرتي منهُ أكثر من ضحكاته المجلجلة في المشرب الصيفيّ قبل أن يُذابَ جسدُهُ الطري في حوض تيزاب.
ليس سهلاً الحديث عن أصدقائك بهذه الطريقة، قائمتُهُم تحتاج وقتاً طويلاً لعدّ أسمائهم فقط، ووقتاً قد لا تتوفّرُ عليه للكتابة عن مآثر كلّ منهم ولو بسطرين. سأكتفي بذكر المسالك التي ساروا فيها إلى حتوفهم. الحربُ طبعاً أتت على أكثرهم، من قتِلَ ومن فقِدَ منهم. التغييب ممَّ شمل الشيوعيين، والشباب الذين سُفِّرت عوائلهم ولم تعرف مصائرهم للآن (سمير وأمير و...)، من هاجرَ وانقطعت أخبارُه، ومن قُضي عليه بحفنة بارود. أمّا من علّق منهم بالمشانق أم أعدِم بالرصاص، فلا طاقة لي بتذكّرهم.

كانت الأسابيع التي تفصل بين عودتي الأولى من بغداد ورحلة السفرة التالية لها ليست بذات بال. قضيتُها بالمرور بذات الأماكن التي لم أعتد المرور بها بمفردي، قضيت الأسابيع الثلاثة الأولى من آذار بصحبة الذكريات، لكن لا منجى، لذا حزمتُ أمري... بغداد ثانيةً، والصحبُ الذين خلّفتُ في مآقيهم دمعاً لم يجفّ.
هل أنا محظوظ لهذا الحد بفريق الأواني المستطرقة ذاك؟ هل سأعود فأجدُهم كما تركتُهم متشوقين "للوصال السماويّ العتيق" بتعبير غينسبيرغ؟ قد يهوّن الأمر عليّ شيءٌ واحد، أنا أكبرهم سنّاً، وسأسبقهم وفقاً لمعايير الحياة، للموت. إذن لامجال لحزني هذه المرّة فيما لو سارت الأمور كما يرام، هم من سيبكون رحيلي، إلى حيث.

أمسِ اتصلّ بي أحدُهم، كان وحيداً كما يبدو. أسرّ لي بشيء:
- كريم.. لقد ساءت الأمور هنا بالنسبة لي، في هذه المدينةِ بالذات، للحدّ الذي فكّرتُ فيه بالهجرةِ مثلك، هل تنصحُني بذلك؟
- حسناً يا صديقي، سأبادلُك مثلَ ريتشارد، مملكةً بحصان، وسأجرؤَ أن أحلمَ ولو مرّةً، أنني سأعيشُ في مثل جنّتِك. جنّة الصحب الذين عبثاً سأهتدي لمثلهم. أوروبا وسيعة وشاسعة، لكن من هو مثلك لا أعتقد أنه سيصمدُ فيها يوماً بلا ًصُحبة. على فكرة.. كتبت اليوم نصّاً عن المدينة التي تنوي الخلاص منها. وددتُ لو أني أعيش في ظلِّ شجيرةِ خوخٍ فيها حتّى النهاية.

سافر إبراهيم مرّة، قبل ثماني سنواتٍ، في رحلةٍ حسبَ أنّها ستطول، وظننتُ أنني لن أراه بعدها، كتبتُ يومها قصيدة:

"لاشيء/ لا ما يصلُ الليلةَ/ غيرَ الكأسِ، بالأخرى/ولا الثلجُ سينحلُّ./وتحتَ قدمِ النادلةِ النحيلْ/كتبتُ: بئسَ الحبُّ.../لا جدوى/سيمضي البردُ بي/وحدي/طويلاً قاحلاً./لا أنتَ/لا (بارُ الأناضولِ)/ولا الثَيِّبُ في (ماشتا)/ويمضي الصحبُ أيضاً./غيرَ أني هاهنا/أُدفَنُ تحتَ الثلجِ مسروراً./وأني.. في إنتظارِ المشربِ الصيفيِّ/والصحبِ الذين عبثاً يأتونَ/أعددتُ لهذي الميتةِ البيضاء/ذاتَ الكأسِ من (شيراز)/من ذاتِ فتاة البارِ/في ذاتِ العشيّاتِ التي تمضي/إلى الـ (عشرينَ تحتَ الصفرِ)./لكنّي/وتحتَ قدمِ النادلةِ النحيلْ ـ/كتبتُ: بئس الحبُّ والرحيلْ."

عاد بعدها، وسررتُ لمرآه ثانية.

(إبراهيم)، الذي يبعدُ منزلهُ الأن ثلثمائة متر عنّي، أقطعُها وسط الأشجار، لا أراه إلا لساعتين بين أسبوع وآخر، أمّا (حنا)، فلم ألتقِه منذ عدتُ غير مرّة.
سأعود لبغداد!