Facebook
حيرة ساعي بريد القارات أم شرخ نرجسي؟ PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: حسن مجاد   
الخميس, 27 حزيران/يونيو 2013 19:23

 

7assenmjaad
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

صالح هويدي فـي الوعي الشقي -القراءة الثالثة

 


أنحن بحاجة الى برهان البدهي في ان المقاربة النقديّة ليست مغامرة مجانيّة لتحويل النص الى مكعبات حجريّة أو فرضيات تطبيقيّة لمناهج قبلية لا تنسجم ومعطيات التجربة أصالة للرؤية وتطوراً لآفاقها في السياق الاجتماعيّ وجذور الوعي الفني بمصادره المتعددة؟!، كما انها ليست نثرا لمعاني الابيات وشرحاً لغوامضها على الطريقة المدرسيّة، سأعبر تلك الهرطقات الكبرى التي يضعها النقاد اليتامى معلنين عن وعود في مفتتحات أعمالهم ولكنك تبحثُ عنها في الخواتيم فلا تجد، سأعبرُها الى كتاب يعدُ أكثر من محاولة في تقديم أنموذج لقراءة ثالثة، وأعني بها القراءة التي لا تقف على اليمين أو على اليسار، وهي قراءة لا ترتدي جلباب الموضوعيّة الرثة التي يدعيها الآخرون جهلا وتعمداً وعلوا؛ لأن القراءة الثالثة لا تبتغي إطلاق أحكام عامة وهي الى جنب ذلك وأكثر لا تكترث بفذلكات النوايا المقدسة؛ هي ليست من اليمن السياسيّ الآتي من سطوة الاستبداد الدكتاتوري الذي يشيع نمطاً من الذائقة، كما انها لا تجيء من اليسار الساكن في أعماقه ظلم الفجيعة وأهوال المصيبة، كلا القراءتين ستكونان على شرفة التصدع المنهجي لا محالة؛ لتسقط في فخاخ الرائحة الايديولوجية وستنتج فيما بعد ضربا من الفضائح النقديّة والسير الذاتيّة المفتعلة، هي قراءة ليست نهائية إذ لا يعدها صاحبها (القراءة النهائية أو الوحيدة الممكنة، بقدر ما هي واحدة من القراءات المحتملة لهذه النصوص الناضجة التي يقدمها نص مفتاحي رئيس على قدر من النضج والتماسك، يجعله مثل كثير من نصوص الشاعر، بل ونصوص الشعر العربي العالية، الحديث منها أو القديم، قابلا لمزيد من القراءات المحتملة والمتنوعة بتنوع القراءات والقراء) الوعي الشقي : 23.
أقول ذلك وأنا أقرأ كتابا إشكاليا لتجربة إشكالية على مستوى الحياة والفن معاً، تقرأُ كتاب " الوعي الشقيّ - قراءة في البنية العميقة لشعر ساميّ مهديّ" لتسير مع نقد هويدي عابراً متاهات أصول المصطلح الفلسفيّة وتحولاته السوسيولوجية، على الرغم من أن مصطلح الوعي الشقي ينتسب الى طروحات هيغل في كتابه (فينومينولوجيا الروح) أو بترجمة أخرى الوعي بالذات الشقيّ بما يشير الى تناقض وجودي بين الوعي بكينونة الذات وعلاقتها بالمحيط الاجتماعي والسياسيّ فإن هويدي لم يكن منشغلاً بتقصٍ منهجي لجذور المصطلح ودلالاته، ولربما وجد الآخرون في ذلك منفذاً في الاعتراض عليه، نعم، فإن تحديد المفاهيم مطلب منهجيّ لكن التعويل على الممارسة التطبيقية كفيل بإيضاح المعنى ودقته، الا اننا حين نقرأ مقدمة هويدي وهو يتحدث عن سامي مهدي المثقف لا الشاعر سيتضح أمامنا دلالة المصطلح وخياراته في الإبانة، لان هناك عُلْقة بين موقف المثقف انتماء او انكفاء والجرح النرجسي للشاعر سقوطاً وضياعاً، ومن هنا يتضح عنوان هويدي لكتابه الذي لم يدرس فيه تجربة مهدي الشعرية كلها، وانما درس على نحو التحديد "قصيدة السيرة" كاشفاً عن دلالاتها السايكولوجيّة وهمومها الوجوديّة، وذلك خيار آخر بررته العنونة واستجابات الممارسة التحليلية ليتحقق العناق بين (الوعي الشقيّ) والمتن الشعريّ الذي كان محور الدراسة ومدارها، فنصوص (المصعد، السلم، الحمّال، البيت والسلم، الوهم، الرحلة، البداية الثانية) وقصائد أخرى كلها تشير الى النوس الوجودي والقلق المعرفي في رحلة شاعر ظل مقيداً برهانات الانتماء والرفض دون ان تتخلى النبرة النرجسية في الإعلان عن تأرجحها بين السقوط المر وعذابات النكوص، وإن أردنا أن نفسر ذلك سايكولوجياً عند مهدي فإنه تجيء على نحو جرح أنوي وشرخ نرجسيّ يدفعه هذا الشعور الى ما يُتصور عنه وما تشف به نصوصه من رؤية استعلائية مأخوذة بالتوجس والقلق من الاخرين وهذا ما دفع هويدي الى دراسته بمهارة في الذي أسماه بـ(التوجس من الاخر)48، وما بعدها، على حين بدت عند من تقدم عليه شعرياً وأعني به يوسف الصائغ كنوع من النزعة التبريرية لأخطاء قد وقعت ولربما وجد في الارث الإنجيلي فكرة الاعتراف التي ظل يتكئ عليها، وفي التطهير الدراميّ مرتكزاً في تبرير موقفه المتأرجح ،وإن مضينا مع الأخضر بن يوسف فإننا سنجد ذلك على نحو نستولجيا تعمقها قسوة انهيار اليسار العراقي.
مع هذا الشرخ النرجسيّ تبدو أخطاء سامي مهدي مقنعة (خطأ كان بيني وبيني وقنعته بالرماد) لهذا بدت له طرقه كالحجر وبدا سيره فيها تظلله عتمة الامكنة .
"كيف ضلت خطاه
في الرحيل الى ذاته
وارتخت قدماه"
هي قصائد على غاية من الأهميّة لانها تكشف عن حدة التناقص بين مخيال الشاعر و موقف المثقف من مصائره المهددة بالزوال، وكان اختيار هويدي لها منطلقاً في تحديد مأزق الوعي الشقي كاشفا عن البنى العميقة في دلالاتها الشعرية ورؤيتها الجمالية للعالم وللذات معاً.
لم يسم هودي تلك القصائد بـ(قصيدة السيرة)لأنه يعتقد ان الشعر بطبيعته يسفر عن نزعة غنائية وان تلبد بنكهة درامية في البناء أو تلفع بوعي أسطوري أو تاريخي، إلا انه بكل الأحوال يعبر عن تلك الصلة الخفية والظاهرة لعلاقة النص بالشاعر، وهي بأفقها العام تعبر عن المدى الوجداني لذات الشاعر وعلاقته مع الواقع المحيط به استجابة ونفورا، تفاعلا، أو نكوصاً، لكننا مع القصائد المختارة قيد الدراسة يمكن لنا ان نعدها قصائد سيرة تتيح للقارئ معرفة بالسياق الاجتماعي لتحولات العراق السياسي والثقافيّ، وهي قصائد لا تكتفي برسم ملامح الذات بل تعمل على استبطانها سايكولوجيا على الرغم من البساطة التركيبية التي تبدو في تجربة سامي مهدي الشعرية وهي بساطة في العمق تأتي بفعل مؤثرات كبرى شكلت مدار الرؤية الإبداعية بمرجعياتها في الشعرية الاوربية وهو الذي ترجم لجاك بريفير الباريسيّ مختارات من شعره، وترجم أيضاً لهنري ميشو البلجيكي أكتب اليك من بلد بعيد.
من هنا يمثل الكتاب منعطفاً مهما في إعادة قراءة الذاكرة الستينية بعيداً عن الهوس الايديولوجيّ والعنف الرمزي في الإقصاء عن المشهد أو الشطب من دفتر التاريخ، وحين أقول إعادة تقييم للتجربة الستينية عبر أنموذج مختلف عليه فلا يعني استبداد الأنموذج في التمثيل عن ذاكرة الماضي، فهذا كتاب فاطمة المحسن "سعدي يوسف النبرة الخافتة في الشعر العربي الحديث"، وذاك كتاب حسن ناظم "أنسنة الشعر" وهو يعود الى عالم فوزي كريم الشعريّ ناقداً ومحللاً، وتلك دراسات حاتم الصكر النقديّة وهي كلها تعبر عن نماذج دالة على مغامرة استعادة القراءة لجيل صاغت رؤيته احتدام الصراع الايديولوجي والاستبداد السياسيّ وتغيرات الخارطة وتحولات أقاليم الرؤية.
وعلينا بعد كل ذلك أن نقف عند محور الرؤية النقديّة التي ينطلق منها هويدي في تصوراته النظرية ومقاربته التحليلية وهو الناقد الأكاديميّ الذي عني بالقصة والرواية تحليلاً وقدّم فيها أبحاثاً مهمة تأتي في سياق مابعد المنهج التاريخيّ الفني الذي أسس له بمهارة فائقة الأستاذ الدكتور الراحل عبد الإله أحمد وعمل على إشاعته الدكتور عليّ جواد الطاهر في كتاباته الأولى أو في عودته مرة أخرى الى عبد الملك نوري ونزار سليم كاشفاً عن الريادة الفنية وأصالتها في التجربة القصصيّة العراقيّة، وفي ضوء ذلك المناخ ينحاز هويدي الى ركائز النقد الجديد الذي أشيع عربيا وبدأت بواكيره في النقد الانجليزي والامريكي بين الاربعينيات والستينيات من القرن الماضي وظل يكتسب فرادته للتخلص من سطوة الإسقاط المنهجي الذي قد تفرزه الدراسات التاريخية والاجتماعية والنفسية، وقد حرص كل من ريتشاردز وت. س. إليوت، ومن ثم كلينث بروكس، وآلين تيت على العناية بالنص أولاً والاهتمام بفهم الدلالة الشعريّة في ضوء العلاقات التركيبية، ولنا أن ننسب عراقياً الناقد الراحل عبد الجبار عباس إلى آفاق هذا المنهج بوصفه ممثلا حقيقيا له دون ان يسقط في دوائره أو يشتط في مقولاته.
وقد تعلم هويدي أسس المنهج في العراق واستخلصه وهو يعد بحثه شرعة وطريقاً في القاهرة وأخذ يشيعه بين طلابه في بغداد، والكوفة و زوارة، والشارقة، وكان من نتاج ذلك أن يصدر كتاباً يعد خلاصة محاضرات لطلابه عنونه (النقد الأدبي الحديث - قضاياه ومناهجه)، وهو قبل كل ذلك معني بالنقد التحليليّ أكثر من ولعه بالعروض النظريّة، ومن عنايته بالتحليل الكشف عن الدلالة أولا والعناية بها مطلباً بحثياً وتقصيّ أعماقها وقد أعلن مبكراً إيمانه بالنص في مقدمة كتابه الترميز في الفن القصصي العراقي حين دعاه بالمنهج النصيّ، الترميز: 8، ولعلنا نلاحظ ذلك في عنوانات أبحاثه ودارساته التي لا تكتفي بالتقاط الدلالة الظاهرة بل تعمل على كشف المخبوء دلالياً وعلاقته بمظاهر التعبير الفنيّ، منتقلاً مرة بين أفق المعنى العام وتجليات الدلالة على مستوى الخاص، وعابراً الى البنية العميقة مرة أخرى بعد ان تطورت تجربته النقدية وأفاد من تلاقح النقد الجديد مع معطيات اللسانيات الحديثة لا سيما في الدرس البنيوي الذي اقترب منه على حذر شديد دون أن يُغرق درسه بمنعطفات المشكلات التي وقع فيها الآخرون، و لك ان تقرأ (الترميز في الفن القصصي العراقي الحديث) و (التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ) و (بنية الرؤيا ووظيفتها في القصة العراقية القصيرة)، وتعدها من المرحلة الأولى في تجربته النقدية تلك التي كان مخلصاً فيها لذائقته النقديّة من جهة ولطروحات النقد الجديد من جهة أخرى، ولك أن تمضي مرة أخرى لتقرأ (الوعي الشقي - قراءة في البنية العميقة لشعر سامي مهدي) و(لعبة النص - مقاربات نقدية في الشعر والسرد) و (جبل السرد العائم) لتكتشف التحول نحو مرحلة أخرى تبدو غير منبتة الجذور عن تلك المرحلة البغدادية ان استطعنا ان نصف المكان بما يتركه من أثر في الوعي والمعرفة!.
ومن هنا وتأسيساً على ما سبق، فلم يكن عنوان الكتاب غريباً عن هموم هويدي النقديّة التي تتضح خيارته الأولى في الكشف عن انتاج الدلالة الشعرية أو القصصيّة بحسب نظم البناء الفني مستعيناً بشيء من المدار السياسيّ و الخلفية الاجتماعية التي تضيء مسالك المعنى وتجليات الدلالة ولهذا نجده خلال تجربة طويلة في الدرس والمعاينة قد ظل فيها أمينا ومخلصاً لقراءة تجارب من اليمن واليسار العراقيّ غير مكترث بالاعتراضات التي سيجابه بها، ولعل أول من يعترض عليه هم الأدباء قيد الدراسة!!، يقول في كتابه:"وأغلب الظن أن الشاعر الذي يتخذ منه الكتاب مدارا للمقاربة والتحليل سيكون أول المختلفين معي في ما ذهبت إليه من قراءة وما توصلت اليه من نتائج" الوعي الشقي : 10.
وبعد مقدمة يضع فيها أسس المقاربة و أهدافها، ينتقل الى الكشف عن عناصر التجلي والغياب في الدلالة الشعريّة مستعيناً بمبادئ اللسانيات السوسيرية وما بعدها في إنضاج المصطلح ومداراته، و ملاقحا بين تلك التصورات وتصورات أخرى تتيح له إمكانية التأويل عبر الإفادة من نظرية القراءة و التلقي أو من نقد استجابة القارئ، وهو يأخذ منها ما يوفر لدرسه صفاء الذهنية النقدية دون أن تقع في اضطراب الرؤية وإساءة الفهم، على الرغم من أن اتكاءه في تقدمة المفاهيم كان على مراجع عربية ان لم نقل انها ثانوية ومنها ما كتبه صلاح فضل ونبيلة إبراهيم.
إن أهم مرتكزات النقد الجديد بحسب ما يقول رامان سلدن تلك التي يحرص هويدي على تطبيقها بقوة هو ما يعرف باكتشاف مبدأ الوحدة أو التماثل التي تجعل للنصوص المتعددة المتضاربة أو المتباينة دلالة محورية وعلى الناقد الحق أن يعمل على اكتشاف قوانينها في إنتاج الدلالة، ومن الطبيعي أن تجد هذه المقولة أثراً خفياً في البنيوية إلا أن البنائية الشكلية عملت على تحويل التجربة الشعريّة الى هياكل مجردة بشطب المحتوى العاطفي و السياق الاجتماعي، ومن هنا نتلمس مقولة مبدأ الوحدة في ممارسة هويدي النقدية حين يستثمر قصيدة (المصعد) في تشييد أطروحته التي تشكل لب القراءة وعمادها الرئيس ومن هنا يحدد أطياف الوعي الشقي من الصعود الى الظلمة والفراغ ومن ثم يقف عند التوجس والتصالح مع الاخر ليمسك بمصير الرحلة على حيرة الاسئلة بوصفها نهايات مفتوحة ومعلقة إلا أن هويدي يلغي مسافة التطابق بين القصيدة والشاعر أحيانا مفسراً ذلك بنزعة قصصيّة تبدو في النص تتيح له إمكانية هذا الالغاء والتعليق يقول معللاً حالة الصراع الداخلي والتصدع في تجربة الشاعر :"لذا لم يكن غريبا ان ينتهي الامر بالشاعر إلى أن يتنازل على لسان احدى شخصياته عن احلامه:
"منذ عهد بعيد تخليت عن حلم
وعن امرأة كنت أحببتها
ثم شيئا فشيئا
تخليت عن كل ما كان لي
كل شيء
ولم يبق لي غير شعري
وها أنا أمنحه لسواي". الوعي الشقي : 106
ونحن نميل أكثر الى المطابقة بين ذات الشاعر وذات المتلفظ في القصيدة لاسيما في هذا النص في أرجح الأقوال لأن قرينة نصية تؤكد على ذلك "ولم يبق لي غير شعري"، لذلك يعد هويدي المطابقة هذه مظهراً خادعاً لكي يؤكد فكرته في انسجام الوحدة بتعديلاتها "مقولة الحضور والغياب" التي برهن عليها سابقاً في أطروحته يضيف قائلا:"ان تخلي الشاعر هنا وإن بدا في صيغة فعل منسوباً الى الذات فإن هذا التخلي الذي يأخذ شكلاً إراديا حراً، ليس سوى مظهر خادع على مستوى الحضور أن تقنعنا به". 107.
ومن هنا يلوح هويدي في إقصاء المستوى الظاهري في قراءة النص الشعريّ معتمداً في ذلك على إرث قد وعاه في الاتجاه الرمزي وطوره فيما بعد بممارسة النقد الجديد ليجد في مقولة الحضور والغياب منفذاً للدخول الى البنى العميقة المولدة للدلالة ويظهر لي أن البنى العميقة لا تتجسد إلا في نصوص حرجة هي الأخرى مما توفر مساحة للتجول في متاهات لا يخرج منها إلا ناقد حصيف تدبر النصوص خبرة وممارسة وعايشها دون ان تستحوذ عليه مؤثرات البوصلة الايديولوجية، وهويدي في النهاية تابع حيرة مهدي في مراثي القارات ماسكاً بنبرة التوتر ومأزق الوعي الشقي في التمثل والاستجابة.