Facebook
هل حدثَ لأحدٍ مثلُ هذا من قبلُ؟ PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كريم راهي   
الإثنين, 24 حزيران/يونيو 2013 07:13

 

kremrahe
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

اليومُ سبتٌ، عيدُ أسلافِ الفايكنغ الكبير، الحياةُ معطّلةٌ لأنه يومُ منتصف الصيف، هذا يعني أن نهار اليوم سيكونُ أطول من كلِّ نهاراتِ السنة. تشرق الشمس فيه باكرةً وتغيب متأخرة، وبين إشراقتِها ومغيبها ثمّةَ صورةٌ واحدةٌ ماثلةٌ: امرأةٌ بعينِها مازالت تعبثُ بحياتِك. تأخذُ بتلابيب قلبِك وتمرّغُهُ بوحلِ الإستِحالة.
- وهل الحبُّ إلاّ الإستحالة؟
- وهل قلتُ أنا غيرَ ذلك؟ ألمْ أكتُب يوماً أنّ جوهرَ الحبِّ الحقيقيّ يكمنُ في استحالتِه؟
محدّثي على الطرف الآخرِ كانِ شَبحاً. تحدّثتُ وإيّاهُ لساعاتٍ بلا كلل، فأنا بطبيعتي أحبُّ معاشرةَ الأرواح، وبدرجةٍ ما، أصحابِ القلوبِ الهشّةِ منها.

إعتدلت في جلسَتِها، ثمَّ سحبت نفساً من سيجارة خفيفةٍ، هكذا تخيلتُها، نفثتهُ مع حسرةٍ واضحةٍ وأردفت:
- حسناً سأروي لك جانباً من حكايتي معه. التقيتُهُ قبلَ بضع سنواتٍ في محفلٍ عام، كنتُ حينَها لا أعرف سوى المسافة ما بين بيتي وعملي. كانت حياتي تسيرُ برتابةٍ، بلا ملاحمٍ كما كُنتَ تقول. تزوّجتُ كأيّة امرأةٍ هنا، تقليديّاً. واستمرّ الحال على ما عليه لخمسةَ عشر عاماً كنتُ خلالها قانعةً مثلَك، مثلَ نملةٍ بحبّةِ قمح..
هل تذكر متى تعرفنا لبعضنا، أنت وأنا؟ يومَ نشرتَ نصّاً بعنوان (كانَ يحيا).

يقول ماركيز أن الحنين يمحو الذكرياتِ السيّئةَ ويُبقي على السعيدةِ مِنها. ويُردِف، ليس هناك من ينجو من آثاره المخربة. وأنا بالطبعِ لم أكُن من الناجين.كنتُ يوماً قد كتبتُ بدافعٍ من الحنين هذا، عدوّي وصديقي في آن، اعترافاً. وكنتُ غايةً في الندم لما آل إليه الأمرُ. كان قد أجهزَ على حبّي الذي كنتُ أعتقدُه مُخلّداً، جمعٌ من كبار السفلةِ يبدو أنّهم تعاضدوا جميعاً من أجلِ أمرٍ واحد، أن يوقِعوا بالصبيّةِ المسكينةِ تلكَ في فخاخٍ من الأوهام أدرَكَت هيَ بعد فوات الأوان مرارتها حين انفضّوا عنها وتركوها نهباً للألم.

مرّ على الأمرِ عامٌ وأكثر، وأنا الآنَ نادمٌ لا لشيء، إلاّ لأنني كنتُ سبباً في إتيانهم حياتها غير المحصّنة. لقد صرتُ أكتبُ بعدَ تلكَ الواقِعة، هرباً من شعوري بالندمِ، بضميرِ الغائب:

" كان يَحيا بِلا مَلاحِم/ قانِعاً مثلَ نملةٍ بحبّةِ قمح/ وفي قلبِهِ كانَ يُضمرُ الصرير./ لا تُذَكِّروه/ لا تَذكُروا شيئاً أمامَه/ عن رفيفِ الأجنِحة/ عن ميقاتِ القلوب/ وعن مدِّ الحُبِّ وجَزرِه./ قولوا لهُ فقط/ أنَّهُ دارَ كطاحونةِ هواء/ كطاحونةِ هواءٍ في زوبعة."

هل عليَّ أن أقولَ أنني تحررتُ، بعد كلِّ تلكَ الشهور الطوال، من الذكريات؟ قال لي الشبحُ الذي مازلتُ أستحضرُه حينَ أشاءُ وأحاورهُ، أن هذا لايكفي، ما زالَ الجرحُ عميقاً ومُتَّسِعاً. ألستَ ترى أنكَ تتوسل الآخرين بألاّ يذكروا أمامكَ شيئاً عن الجمال؟
كانَ من أكثر الأشباحِ صراحةً ووضوحاً، حتّى أنني كنتُ في أحايينَ كثيرةٍ ألمحُ قطراتِ الدمعِ تحتَ جفنيهِ، أو فلأقُل بين جفنيها، فقد كانت شبحَ أنثى، حين كانت تتحدّث عن أمر الإستحالة في الحبّ.
- لقد أحببتُ رجُلاً غير زوجي، ولا أزال. هل خطَرَ ببالِكَ أن تخونَ شريكاً لك في الحياةِ لأكثر من عقدٍ ونصف، لا أعني جسديّاً، فتلك خيانةٌ عظمى؟
- ........!!
لم أنبس بحرف، كوني من ممجّدي الخياناتِ إن كانَ الحبُّ هو الدافِع. بل على العكس، فأنا أؤمن بمقولةٍ لا أدري إن كانت لي أو لغيري: الحبُّ أقدسُ الخيانات.
- حسناً.. القبول يعني الرِضا. أنت فعلتَها.. هه؟ أنا سأجيب بدلاً عنكَ بنعم. كتابُك بين يديَّ ونصُّك الذي شبّهتَ نفسك فيه مثل ماموثٍ لا يتركُ مجالاً للشكّ بذلك.

الحديث مع امرأة بهذا القدر من الصراحة، يرفَعُ شأنَها عندي لأنّها تتحدّثُ بلا مواربة، لا أكثرثُ بشأن خيانتِها قدر اكتراثي لأمرٍ أشعر أنّهُ مُبَرّر عِندّها حين قالت: أنا تزوجتُ بلا حبّ، وأحببتُ بعدها من التقيتُهُ وأنشبَ الحرائِق في قلبي، لأنني أشعرُ أنّ الإنسان يجب أن يكونَ ذا أهميّةٍ استثنائية لدى أحدهم.

لستُ ممّن يحفلونَ بالتفاصيلِ الدقيقة في مثل هذه الأمور، فهي في خاتمة الأمر متشابهة: كانَ يقول لي كيتَ وكذا وكان يفعلُ من أجلي ما بوسعه أن.... إلخ. فأنا في الحقيقةِ واحدٌ ممن كانوا يقولون الكذا تلك ويفعلون الكيتَ من أجلِ فُلانة.

- قلتَ مرّةً أن الموتَ رحيمٌ، لكنّ الطريقَ إليهِ مُعذِّبٌ. في الحبِّ يختلفُ الأمر وتنقلبُ جهة التناول، الطريقُ إلى الحبِّ رحيمٌ جداً، لكنَّ الحبَّ بِذاتِهِ معذِّبٌ. هل عرفتَ لماذا يمثلون الحبَّ بسهم كيوبيد الذي إن نفذَ فلا يخرجُ إلاّ بمشّقةٍ ودمويّة؟

تذكّرتُ على الفور حين كان البابُ يوشك أن يصطفق، وكانت تحمِلُ أغراضها الشخصيّة مُغادِرةً منزلي:
- ستدفعُ ثمناً باهضاً لذلك، حياتُكَ أو من يهمّك أمرُه ستكون مهدورةً يوماً ما. أنت تقول فلنبقَ صديقين؟ هه؟ سترى!

توشك الشمسُ على أن تغيبَ لبرهةٍ ثمَّ تعود. اليومُ ينقضي وسيعقبُهُ يومٌ آخر، وثمّةَ امرأةٌ بعينِها ذكراها ماثِلةٌ وتأبى أن تَغيب، آخر مابقيَ مِنها ببالي تلكَ النظرةُ الكسيرة التي تجمّدت بباب منزلي يومَ عدتُ أدراجي لأجمعَ أنا أيضاً أمتعتي وأغادِره.

اليومُ أحد، لا أدري إن كانَ ثمّة أمرٌ سيحدثُ، معجِزةٌ أنتظِرُها في ساعةٍ بعينِها، وفي مكانٍ بذاتِه.