Facebook
الرمق الأخير PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: ميرفت أحمد   
الإثنين, 03 حزيران/يونيو 2013 20:13

 

 

merfd
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

قاصة من سورية

 

لم يأبه بنداء أمه .. شغب الطفولة وهذيانها الجميل كانا يحكمان السيطرة عليه . رمى حقيبته المدرسية وراح يركض بعيداً جداً دون أن يتناول الطعام الشهي الذي أعدته أمه .

 

صعد إلى التلال وركض خلف الفراشات والصراصير.

 

وعند غياب الشمس تهالك على حافة الساقية الصغيرة وراح يغسل وجهه وقدميه بمائها العذب وهو يتأمل شكله المنعكس على سطح الماء . شعره الأشعث بدا مضحكاً لكنه لم يستطع الضحك من شدة التعب .

 

بلل رأسه بالماء فتسارعت أنفاسه ودب َّ النشاط في جسده من جديد .

 

نهض والماء يقطر من أطراف جسده وسار متجها ً إلى البيت .

 

عندما وصل لم يجد منزلاً .. بل عويلاً ودماءً تزنِّر المكان .

 

تكاثفت الغيوم السود في حلقه وولد صليل النار في راحتيه . تفتقت عيناه بوجوم الدمع وراح يبحث عن أي أثر ٍ تحت الركام المرعب ... أين هم ؟!

 

السكاكين انهالت بالطعن في صدره , تخرّش جسده , تخرّش صوته وضاعت أوردته . لمح وجه أبيه تحت الحجارة الضخمة مغطىً بالتراب وبعيدا ً عن كل ِّ شيء ٍ وقريبا ً من روح الأرض .

 

صدر أمه الممزق أرعبه . تذكر نداءها له قبل ساعات ورائحة طعامها الشهي .

 

غص الدمع في حلقه وتفجّرت البراكين من عينيه .

 

بحث عن أخوته فهالته الأشلاء المريعة وذابت مفاصله أمام أعاصير الدم والتراب .

 

راح يشهق أنفاسه بصعوبة وذرات التراب تتجمع في عينيه وحلقه مختلطةً بدموعه وشهقاته .

 

وفجأة سمع أنيناً خافتاً منبعثاً من بين الركام .

 

بحث جيدا ً فرأى وجه أخته الصغيرة يستغيث به . أورقت عيناه بالأمل ..

 

إنها ما تزال حية .

 

اقترب منها وحاول نزع الصخور المنهارة عليها . لكنه تراجع عندما سمع وقع خطوات أحدهم .

 

اختبأ خلف الشجرة وراح يرقبه .

 

كان أحدَ جنود الأعداء . رجلاً ضخماً يحمل سلاحه ويتجوّل بين أنقاض المنزل .

 

نظر الطفل إلى عيني الجندي فوجد وجهه مغطى ً بالدموع .. هاله المشهد . ترى هل هو حزين ؟! هل هو نادم على ما فعله وأصحابه ؟!

 

أتتحول صورة الوحش القاتمة إلى وردة بيضاء ناصعة .

 

اختلطت الأمور في ذهن الطفل الصغير وراح يخربش بأظفاره على مئات الكلمات التي تعلمها وآلاف الصور التي شاهدها وهو يرى للمرة الأولى دموعاً في عيني عدوه . وهاله أكثر اقتراب العدو من أخته التي بقيت على قيد الحياة .

 

كان يمسح عينيه براحة يده وهو يسير ببطء باتجاه الطفلة العالقة تحت الركام ومع كل خطوة يقترب فيها منها كان خفقان قلب أخيها المختبئ خلف الشجرة يتسارع ويزداد قوةً وجنونا ً.

 

توقف الجندي أمام الطفلة الجميلة ورمى سلاحه جانبا ً ...

 

ترى هل سينقذ الجندي أخته ؟ هل ستنبت وردة بيضاء في صدر عدوه ؟.

 

اختلطت الدهشة بالسؤال والانتظار وراح الطفل يرقب ضراوة المشهد برعشة قوية .

 

نظر الجندي إلى وجه الطفلة المستغيث .. مسح وجهه بيديه ثم رفع ساقه الضخمة وداس على عنقها بقوة . فخنق آخر رمق للشموع وأعلن ذبول طيف الوردة .

 

ثم مسح عينيه من بقايا التراب العالقة فيها , ومشى بعيدا ً .

 

بينما ظل الطفل عالقا ً في ظل الشجرة وغارقا ً في عويل مؤلم بين أشلاء عائلته .