Facebook
أدري.. أدري! PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كريم راهي   
الأحد, 02 حزيران/يونيو 2013 10:38

 

 

kreemrahe1
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

- مؤهّلاتُك عالية، لكن لِلأسف، فالعمل غيرُ مناسبٍ لكَ، لأنّه يتطلّب أقلَّ بكثيرٍ مما تملكهُ أنتَ من شهاداتٍ وخبرات، جِدْ فرصَتَك في الحصول على عملٍ أفضل، حظّاً طيِّباً!.

قالت (كارينا)، وسلّمتني الملفّ الضخمَ الحاويَ على أوراقِ السيرةِ وطلبِ الحصول على عمل. وبالطبع لم تَكن ربَّةُ العمل، الذي فشلتُ في الحصول عليه، صادقةً في القول. هنالك عبارة يتندرُ بها الأصدِقاء هنا في السويد، فيما لو حاول المرءُ التقدُّم للحصول على عمل:
- نتمنى أن لا يُقالَ لكَ أنَّ مؤهلاتَكَ أكثرُ من المطلوب!

لم يكن ما سأتقاضاهُ، على أيّةِ حالٍ، مغرياً بالنسبة لي، لكنّ وفرةَ الجميلاتِ، ممن يشكين الوحدةَ، في الشركةِ التي سأعملُ تقنيّاً لمكائنِ الهيدروليك فيها، كانت أكثرَ مما يدخلُ في حساباتِ الربحِ والخسارة عندي. فالخياراتُ مُتاحةً تماماً.

الساعة قاربت على الثانيةِ ظُهراً، وقيظُ بغداد لا يرحمُ. كلُّ الطرقِ المؤدّيةِ للمطعمِ الذي سألتَقي فيهِ (سيدة النساء)، كما مثبتٌ اسمُها في هاتفي، مُغلقة. خوفٌ وترقّب من عملٍ إرهابيٍّ ما سيجعلُني (أخسر طموحي بالبهجة). ردّدتُ عبارة (مهنّد يعقوب) هذي وأنا أطلبُ من سائق التاكسي أن يتوجّهَ صوب مطعمٍ آخر في منطقةٍ أقلّ سخونةً.

قد أكون غريب أطوارٍ أحياناً بحساباتِ آخرين، لكنني وِفقاً لحسابات نفسي أجدُ أنّني منطقيٌّ جداً، ولا أجد حَرَجاً، أنا مؤلِّفُ كتابٍ لحلِّ المسائلِ الهيورستيكيّةِ، في أن ألجأ لكتاب رياضيات الصف الثاني الإبتدائي، لكي أحسب الأمر كما يلي: بعدَ سبعةِ أعوامٍ بالضبط سأكون عند مشارفِ الستّين، بينما ستكونُ هي قد قارَبَت الأربعين. حسناً! الأمرُ يعني أنني لن أكونَ قادِراً على إسعادِها وهي في عمرِ الذروة بالنسبةِ لحاجَتِها كامرأةٍ لرجُل. كيف سأرتّبُ الأمر إذن مع العقلِ الذي أحتكمُ إليه في كلِّ شارِدةٍ ووارِدة؟. سلسة الأفكار هذه قطعها صوتٌ آتٍ من سمّاعة الهاتف:
- وصلتُ المكانَ بعدَ لأيٍ. الطرقُ كلُّها مُعطّلة. أنا في الكراج. حاول أن تخرج من صالة المطعم كي لا أتعبَ في الإستدلالِ عليك في الصالة!

في حديقةِ المطعم الخارجيّةِ، حيثُ الأشجار والخضرةُ، قَبَّلتُ يدَ واحدةٍ مِن أجمل النساء. كانت في أبهى زينَتِها. كنتُ في ما سبقَ أراها غيرَ مكترثٍ للأمر لأنني لم أضع ببالي أنني سأطلبُ ودَّها يوماً، لكنَّ الأمرَ بدا مُختلِفاً هذه المرّة. بدَت صغيرةً وضئيلةً، حتّى أنني تذكّرتُ مِن نأمةٍ بدتِ منها، ابنتي الكبيرة. زينتُها والعطرُ كانا يَشيانِ بأنّها بذلت جهداً مُتكلِّفاً في أن تظهرَ بهذا الشكل الذي يجعلُ آخرين يعرضونَ عَلَيها بلُطفٍ مواربٍ المساعدةَ، إن كان الموقفُ مؤاتياً.

رافَقتُها، ثمَّ توجّهتُ وإيّاها إلى صالةِ المطعم. أوّلُ ماقالت بعد التحيّة:
- تصوّر! هنالك شخصان ما أن رأياني أُركنُ عربتي، حتّى عرضا عليَّ أن يدفعا بدلاً عني رسوم الكراج! الناسُ هنا اقتحاميّونَ ومتطفّلون.
- لكنَّكِ حقّا جميلةٌ ومُلفتةٌ للنظر، ولو كنتُ أنا في الخارجِ أيضاً، لما تردّدتُ في أن أحذو حذوهما. في حالِ أنني لا أعرِفُك.

النادِلُ يعرِفُني، فأنا عادةً ما أتردّدُ لهذا المكان صحبةَ نساءٍ كنتُ أعتقدُ أنّ واحِدةً منهنَّ ستصلحُ لصُحبةٍ طويلة. إلتقيتُ سَبعاً منهنَّ هنا، ألقيتُهنَّ في ما بعدُ في مكَبِّ الذِكريات.

لا أنكِرُ أنّها كانَت مَن أجمل ما رأيت، يكفي أن الجميع صاروا يتطلّعونَ إلى ما هي عليهِ من جمالٍ جعلها تعطي ظهرها لهم في المقعدِ الذي اختارتهُ بمعرفةِ العارفين. هذا كثيرٌ عليّ يا إلهي، كثيرٌ على رجلٍ مِثلي أحلامُهُ أقلّ بكثير مما هو كائنٌ.
- أتعلمينَ كم أنتِ جميلة؟
- أدري.. أدري.
- إليك بهذه النُكتة: واحد اشتري سيّارة تاكسي، في الطريق يلوّحونَ له: تاكسي! تاكسي وهو يجيبُ: أدري.. أدري والله أدري.
- هههههههههههههههههههه! أنا أكررها كثيراً لمن يقولون لي أنني جميلة.. قالت وهي تحاول أن تكتمُ ضحكتها كي لا تفقدَ ما تجهدُ أن تكونَ عليه من جدّية.
- والله لن تفلتي من أن تظلّي تضحكين طوال حياتك كلّما قال لك أحدهم أنّكِ جميلة... هذه أولى لَعَناتي.. خذي الثانية.

تنقضي ساعتانِ بين جدٍّ وهزَل، وأنا غيرُ راضٍ على أن هذا المخلوق الذي يتصرّفُ بطريقةٍ بَدَت مُتكلِّفةً في الجديّةِ والتهذيب، كانَ حاذِقاً على المناورة في شأن علاقةٍ خطّطتُ لها لإن تكونَ طويلة. تحدّثنا في شؤونٍ شتّى. حدّثتُها عن حياتي بالتفصيل، وحدّثني في المقابلِ عن حياتِها بإسهابٍ شديد. كانت بين الحين والآخر تُظهِرُ جُهداً في أن تتحاشى الحديث عن مفاصل في حياتِها كان ضروريّاً لي أن أعرفَ شيئاً عنها في لقاءٍ أوّل. قدّرتُ الأمر فالصبيّةُ كانت تتهرّبُ من أن تتطرّقَ إلى مواضيعَ بعينِها. قالت في نِهايةِ الأمر أنّها مُهشّمةٌ من الداخل، وأنَّ هنالك الكثير ممّا هو مؤلمٌ في حياتِها، فلذتُ بالصمت.

حينما خرجنا، عرَضت عليَّ أن تُقِلَّني بعربتِها إلى حيث وجهتي المُقبِلة، دفَعَت رسمَ الوقوف في الكراج، أدارت مفتاح التشغيل والتفتَت إليَّ:
- إلى (السقيفةِ) في شارعِ أبي نؤاس. صحبي هناك ينتظرونني. قلتُ لَها.

قريباً من المكانِ الذي سألتقي فيه بَعضاً ممن أرى في صحبتهم حَصانةً لحياتي، ودّعتُها بلطفٍ شديد وأنا أهمُّ بالنزول من العربة، مُردِّداً أوّلَ عبارة قلتُها لها على المائدة:
- أعتقدُ أنّكِ كثيرةٌ عليَّ. ما أنتِ عليه من جمالٍ ويفاعةٍ، أكثرُ مما يستحقُّهُ كهلٌ مِثلي أضاعَ بوصلةَ حياتَه.. ثمَّ أردفتُ، كان يوماً جميلاً! سعدتُ بصُحبَتِك.
- وأنا سعدتُ أكثر. ضَحِكتُ هذا اليوم أكثر من أيِّ يومٍ مَضى، بطني للآن تؤلِمُني. أدري.. أدري... هههههههه!

تذكّرتُ (كارينا) ربّة العملِ هُناك، وملفِّ الأوراقِ الضخم، والموظفاتِ الأربعينيّات الوحيداتِ ممّن كنَّ يتهامسنَ بأنَّ مهندساً جديداً ووحيداً سيعملُ معَهُنَّ في الشرِكة. إشتريتُ زجاجةً من المخزنِ المجاور، ثمَّ تسلّقتُ السلالمِ حيثُ سألتقي من يُحصّنونَ حياتي بوفائِهِم، وحيثُ سأفكّرُ طويلاً في شأنِ إلى كم سيطولُ بحثي عن امرأةٍ أقلّ منها بالمؤهّل.