Facebook
في السماء .. الى عمّان PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: هادي ياسين   
الأربعاء, 22 أيار/مايو 2013 20:11

 

hadeyasen
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

بعد اثنتي عشر ساعة من الطيران المتواصل ، وصلنا الى ( مطار الملكة علياء ) في عمّان . الساعة هي السادسة تماماً من مساء اليوم التالي ، بحصول فارق في الوقت أثناء الطيران . لقد سبق لي أن سافرت ، من قبل ، على متن طائرات الخطوط الملكية الأردنية ، مرتين في طريقي الى المغرب و مرة ً قادماً من تونس ، فهي خطوط مريحة و هادئة ، غير أنني وجدت الطائرة الفخمة مزدحمة ( حتى النخاع ) ، هذه المرة ، بما ذكرني بالطائرة الكندية ذات الطابقين ( بوينغ 747 ) التي طرت على متنها من مطار ( فرانكفورت ) الآلماني الى مطار ( تورنتو ) الكندي ، غير أن الكندية كانت تحمل على متنها مسافرين من مختلف الجنسيات في العالم ، الذاهبين الى بلاد ( الأحلام ) الجديدة ، فيما القوم ـ هنا ـ عائدون الى بلاد ( الأصنام ) القديمة ، و كلهم عرب ، و معظمهم فلسطينيون و اردنيون ، و أحسب أننا ـ أنا و العراقيون الذين التقيتهم أثناء المغادرة من مطار ( أو هير ) في شيكاغو ـ كنا العراقيين الوحيدين على متن الطائرة .

كان مقعدي من جهة اليمين ، قريباً من الشباك الذي يفصلني عنه رجل عرفت ـ فيما بعد ـ إنه فلسطيني . كان يجلس قبلي ، و وجدت أنه قد فتح الشاشة التلفزيونية التي أمامه على برامج دينية ، ما أشعرني بوجود حاجز بيني و بينه . بعد أن استقر بي المقام رحت أبحث بدوري عما يشغلني على الشاشة الخاصة بي ، بعد بضع دقائق اطفأت الشاشة و رحت أقرأ في كتاب . عندما جاءت وجبة الطعام فكرت أن أطلب معها كأساً من النبيذ ، غير أنني ترددت ، احتراماً لجاري في الطائرة ، و أثناء الأكل تجاذبنا أطراف الحديث ، بعد الطعام علمت منه انه يدير ـ في شيكاغو ـ شركة لتجارة أجهزة الكومبيوتر ، وجدته أيضاً انساناً لطيفاً متفتحاً فاطمأننت اليه . و شيئاً فشيئاً انحدر الجميع الى وادي النوم ، حاولت الإنحدار بدوري ، غير أنني تعثرت . رأيت المضيفة السمراء الهندية ـ التي كانت تبتسم لي دائماً ـ مقبلة من جهة المقصورة ، طلبت منها كأساً من النبيذ الأحمر ، بعد دقائق احضرته لي ، فكرَعْتـُه مستغرباً من صغر حجم الكأس ، و حين عادت طلبت منها كأساً آخر و اخبرتها بأنني سأحتاج الى غيره ، هكذا شربت أكثر من خمسة كؤوس في محاولة لرمي نفسي في وادي النوم ، ولكنني بقيت يقظاً مثل ( ابليس ) . فتحت الشاشة التي أمامي و اخترتُ مشاهدة فيلم The King's Speech ( خطاب الملك ) ، الفائز بجائزة أوسكار هذا العام (2011 ) ، و فاز بطله الإنجليزي ( كولين فيرت ) بجائزة أفضل ممثل ، كان رائع الأداء . كنت قد شاهدت الفيلم في صالة السينما أولا ً ، ثم شاهدته بطريقتي الخاصة في منزلي ، لغرض الكتابة عنه .. لكنني لا أدري لِمَ لـَمْ أفعل ، مع توقعي أنه سيخطف الجائزة . الأمر ذاته حصل لي مع فيلم Black Swan ( بجعة سوداء ) الذي خطفت بطلته ( ناتالي بورتمان ) جائزة أفضل ممثلة . و اذا لم استطع النوم فسأشاهد هذا الفيلم أيضاً ، و قد وجدته على قائمة الأفلام التي أمامي . أنا أحب ( ناتالي بورتمان ) ، يا الهي كم كانت مذهلة في فيلم Goya's Ghosts ( أشباح غويا ) أمام الممثل الإسباني البارع ( خافيير باردم ) ، من اخراج عبقري السينما .. التشيكي ( ميلوش فورمان ) ، و كم كانت عفوية عندما سألها المذيع التلفزيوني ـ ذات مرة ـ عمّا تعرف من اللغة العربية فأجابت : ( كِس إمّك ) .

لا معنى للتفكير بشباك الطائرة ليلا ً ، إلا اذا اردنا أن نضفي عليه بُعداً فلسفياً . لا شئ غير عتمة الكون خلف هذا الشباك مربع الشكل بزواياه غير الحادة .

ما نحن في هذا الكون الذي نطير في حناياه أو في تضاريسه غير المرئية ؟

هل الطائرات اختبارات للآلهة أم للإنسان الذي من حقه تكرار التساؤل حول مَن خلق مَن : الآلهة أم البشر ؟.

فكرتُ بـ ( دي سانت اكَزوبري ) و روايته الأثيرة ( أرض البشر ) . قارنتُ بين ما آلَ اليه حالُ ( اكَزوبري ) على كثبان و سطوح بحر من رمال شمال افريقيا ، و ما قد تؤول اليه حالي شمالَ العالم .. حيث لا مستقر تحتي للمحيط المائي عميق الظلمات .

الوقت يتمطط في هذه السماء الظلماء التي لا حدود لها ، و نحن هنا ذ ُريرات ملمومة بانتطام في هذه العلبة المعدنية الطائرة في حيز ضيق و قصير من هذا الكون لامتناهي الحدود .

أكثر من مئتي انسان معي في هذه العلبة التي تترجم عظمة عقل الإنسان الذي صح فيه البيت الشعري المنسوب لغير شاعر :

توهّمت َ أنك َ جُرمٌ صغيرٌ و فيك َ انطوى العالـَمُ الأكبرُ .

كل واحد من هؤلاء ـ الذين معي الآن ـ جُرمٌ ينطوي على عالم خاص ، لكل منهم أحلامُه و آماله و آلامه و احباطاته و مشاريعه و أهدافه و ذكرياته ، فيهم الثري و فيهم متوسط الحال و فيهم العادي ، ولكن اذا ما سقطت الطائرة عبر هذا الظلام السماوي في قلب ظلمات المحيط أو ظلام غابة ، فجميعنا سنتساوى كلـُقيْمات سائغة لأسماك القرش أو لوحوش الغابات أو للهيب النار الناتج عن انفجار الطائرة على الأرض . هناك من تنتظر مَقدمَهُ خطيبة أو حبيبة أو زوجة ، و هناك من ينتظره عميل تجاري مهتم بمصلحته ، هناك من سيلتقي بمن يشتركون معه في مشروع سياسي ، أو حتى ارهابي و نحن لا نعلم ، و هناك من لا أحد بانتظاره .. ربما دفعته نزوة الى الرحيل نحو الشرق على متن هذه القطعة المعدنية الطائرة قاطعاً كل هذه الآلاف من الأميال فوق المدن و المحيطات و البحار أما ليشبع توقاً لديه نحوالشرق ، لذاته ، أو لأنه يريد التخلص من غياب ( معنى ) حياته في الغرب ، و هناك من في انتظاره أم كأمي التي لم أرها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً . كل واحد يرى في أمه كائناً فريداً في الحنو و العطف و العظمة و الطيبة ، و هو رأي و احساس صحيحان ، فكل أم عظيمة ، يكفي انها أم : الأم الإنسانة ، القطة ، الكلبة ، البقرة ، اللبوة ، الذئبة ... الأم .. الأم . ليتني كنت أماً .

تذكرتُ ( ليلى ) . أخرجت روايتها و رحت أقرأ نتفاً من الفصول التي فيها رَوْيٌ عن أم ِ بطلة الرواية ، التي تسعون بالمئة منها هي ( ليلى ) نفسها ، و تالياً فان ( الأم ) في الرواية هي ( أم ليلى ) شخصياً . ( ليلى ) تحدثني كثيراً عن أمها التي تحبها بجنون ، ولكن بوعيٍ لمعنى و قيمة و دلالة الأم ، و هي تشكو من كون أنها الوحيدة التي تعتني بأمها أكثر من أخوتها الكثيرين ، بل تشكو من أن اختها ـ التي تكبرها ـ تفكر بكيفية دفنها أكثرمما تفكر بكيفية الإعتناء بها و تلبية حاجاتها . هذا ليس كشفاً لخصوصيات و اسرار صديقتي العذبة ، فالمبدعون بقدر ما هم ذوو أسرار عميقة ، غير أنهم يتوقون ـ دائماً ـ الى أن تكون حيواتهم ميداناً للبوح . كل أنثىً أمٌ بالتكوين ، و ( ليلى ) الرائعة تحمل ( روح أم ) فيما هي ليست أماً لأبناء . يا لليلى .

قرأتُ روايتها ( سهدوثا ) ثلاث مرات تقريباً . ولكنني قرأتها بطريقتي الخاصة التي أعتقد انها تتفق مع طريقة ( ليلى قصراني ) في كتابتها . هذه الطريقة تعتمد اللاتسلسل في قراءتي لها و التي اكتشفت ، خلال تصفحي الأول للرواية ، انها مكتوبة لكي تـُقرأ هكذا ( بتعمد من الكاتبة أو بدونه ) . و هكذا فأن القارئ يستطيع أن يبدأ القراءة ـ في أية لحظة ـ من أية صفحة من الرواية ، مستمراً الى ما يشاء أو قافزاً على تسلسل الصفحات .. تقدماً أو رجوعاً .

عندما أقرأ هذه الرواية اشعر بأنها كُتبت غريزياً .. لكي تُقرأ غريزياً .

قرأتُ نحو ثلاثين صفحة ً غيرَ منتظمة التسلسل من رواية ( سهدوثا ) ثم أعدتها الى الحقيبة ، فتحت الشاشة التي أمامي . اخترت فيلم ( بجعة سوداء ) و شاهدته بالطريقة غير المنتظمة ذاتها ، إنها تزجية الوقت المبررة في ظرف مكاني و زماني كالذي أنا فيه في هذا المدار الغامض .. من هذا الكوكب الغامض .. في الكون الغامض .

مناخ الطائرة الداخلي ساكن ، سوى أن أحدهم يشخر بين الفينة و الأخرى في مقعد ما من الطائرة ، و لأنني شككت في طبيعة الشخير و ايقاعاته فقد فكرت : ربما كان الشاخر ، هذا ، يفتعل الشخير ـ عمداً ـ سعياً الى كسر الرتابة في هذه الرحلة التي نحن ـ جميعاً ـ عابرون فيها .. كعبورنا في الحياة و في الوجود . إنْ صح شكّي بالشاخر فهو ذو روح جميلة ، و قلقة أيضاً ، فهو أخي . لكن أوهامي ربما هي التي تصور لي ذلك .

كان هناك من ينام بسكينة الأطفال . نعم ، يكاد أن يكون الجميع نياماً إلا القلقون . تذكرت ابن مدينتي الشاعر ( السياب ) :

( ينامُ الناسُ إلاّ واحدٌ

يبقى يصبّ ُ.. و تشربون ) .

مرّ بيتُ ( المتنبي ) ، خطفاً جنب خاطري ، ولكنني لم استوقفه :

قلـَقٌ على قلقٍ و مثليَ يقلقُ و جوىً يزيدُ و عبرةٌ تترقرقُ

أحياناً ، عندما اُدرك أن وقت النوم قد فات و أنني لم أكن مكتفياً نوماً ، أتشبث بأي تذكّر أو فكرة عبرت في خاطري ، فأفسر ذلك بأنه كان حلماً ، و ما هو بحلم في حقيقته ، لغرض اقناع نفسي بأنني كنت قد ذهبت عميقاً في النوم .. بدليل أنني قد حلمت .

هذا الكذب على النفس مارسته و أنا أتقلب ذات اليمين و ذات اليسار بين فترة زمنية و اخرى ـ لا أستطيع تقديرها ـ على مقعدي في الطائرة .

كنتُ اراقب شبّاك الطائرة على يميني . ثم لامست عيناي أطراف مخملٍ من الضوء قادمٍ من وراء الزجاج . إنه الشرق حتماً . انبعث في قلبي أمل في ( الإقتراب ) . إنه فجرٌ يشبه الغسق ، ربما بفعل المكان السمائي المطل على مطلع الشمس ، فتشبتُ به ، إنه سينمو باتجاه الضوء حتماً ، ما يعني اقتراب نهاية الرحلة بعد ساعات . استيقظ جاري في الرحلة ، و ربما هو ـ بطريقته الخاصة ـ لم ينم أيضاً . أطال النظر عبر الزجاج ، نكون الآن قد قطعنا نصف المسافة ، ليلاً ، النصف التالي سيكون تحت ضوء الشمس . كانت الطائرة مازالت تعلو على غيوم بدأت تتلاشى مع اقترابنا من الشرق . ما أن استيقط الركاب حتى راحوا يتصرفون كعرب أقحاح و هم يشكلون وفوداً تذهب جماعات الى دورات المياه و كأن ( صنابيرهم ) توحدت مقابل ما فرقتهم السياسة بشأنه ، ما أجمل هذه الوحدة لولا روائحها . قطعنا أميالاً طويلة في رحابة السماء الصافية حتى التفت نحوي صاحبي الذي كان يطيل النظر عبر الشباك و قال : أظن اننا فوق اسرائيل ، مددت نظري من فوق كتفه . قال : هذه مستوطنات اسرائيلية . أخرجت كاميرتي و صوّرتها من علٍ . و احتراماً لمشاعره ـ كفلسطيني ـ لم أقل له أن بي رغبة لزيارة هذه ( البلاد ) قلقة الهوية . و أحسب أن كلانا قادرٌ على ذلك بسهولة : فهو يحمل الجنسية الأمريكية و أنا أحمل الكندية . غير أن الفرق بين دافعَينا هو أن دافعه ( الحنين ) الى أرضه .. فيما أنا دافعي ( الفضول ) لمعرفة ما حصل عليها .

فكرت بالكاتب و الأكاديمي الإسرائيلي ، عراقي الأصل ، البروفيسور ( شموئيل "سامي " موريه ) الذي قرأت له الكثير من مقالات الحنين الى العراق . يهودي تدمع عيناه عبر كتاباته بسبب مرض اسمه ( حب العراق ) . أحسب أن هذا الرجل قد ترك لسانه في أزقة منطقة ( البتاويين ) التي تحاذي شارع ( السعدون ) ، وسط بغداد ، و قلبه في مكان ما من بغداد ، و روحه في العراق كله ، فيما ذهب الى اسرائيل ـ باكياً على روحه المتروكة ـ و ليس له من متاع سوى الذكريات .

تذكرت اليهودي ( صالح الكويتي ) ـ العراقي المولود في ( الكويت ) فـلـُقـب بـ ( الكويتي ) ـ على غرار ( البصري ) أو ( الواسطي ) أو ( الموصلي ) ـ و الذي أسّسَ لحداثة الموسيقى العراقية فقدّم لتاريخ العراق الحديث ما لا يُنسى من الأغاني الخالدة . وتذكرت ـ أيضاً ـ شقيقه الموسيقار ( داوود الكويتي ) .

تذكرتُ ( فلفل كرجي ) المطرب العراقي العظيم ذا الصوت الذي لا يُهمل و لا يُنسى و لن يمر بطرف اُذن دون أن يُلتـَفت اليه انجذاباً لرخامته ، ذاك الذي مات في باحة بيته في اسرائيل عام 1982 ، و يقال إنه كان يوجه وجهه نحو ( العراق ) . استمعوا ـ مثلا ً ـ الى اغنية ( آنا منأكَولن آه و اذ ّكر أيامي http://youtu.be/JfQBDfQrgXU ) المُعادة بصوته بعد أن كانت قد غنتها المطربة ( زكية جورج ) .. و احكموا .

تذكرت (ساسون حسقيل ) أول وزير للمالية في أول حكومة للدولة العراقية الحديثة ، و هو منظم أول ميزانية في تاريخ العراق ، و واضع أول هيكلية للضرائب ، و هو الذي أجبر شركات النفط البريطانية على الدفع للعراق بالباون الذهبي و ليس بالعملة الورقية . تذكرت ( مير بصري ) الشاعر و الكاتب المؤلف لنحو أربعين كتاباً و رجل الإقتصاد الذي رفض الهجرة الى اسرائيل مؤْثراً البقاء في بلده ، غيرأنه تعرض الى ملاحقات و مضايقات البعثيين فاضطر الى مغادرة العراق عام 1974 بعد أن أهدى مكتبته الشخصية الضخمة الى المكتبة الوطنية العراقية ، و قد توفي في لندن عام 2005 عن 94 عاماً تاركاً ذكرى طيبة لدى كل عراقي وطني شريف . تذكرت المطربة ( سليمة مراد ) و القاص ( سمير نقاش ) و مواطني العراقي الكندي الروائي ( نعيم قطان ) و .. و .. .

لعنت من قاد الى عملية ( الفرهود ) في بغداد ـ في 1/6/1941 ـ التي راح ضحيتها ـ على يد الرعاع ـ أكثر من 175 مواطناً عراقياً يهودياً قتيلاً و أكثر من الف جريح ، فيما تم نهب و حرق و تدمير أكثر من 900 منزل ، تلك العملية السافلة التي هي ـ حقاً ـ هولوكوست منسي دفعت بنسبة 80% من يهود العراق الى الهجرة نحو اسرائيل التي ربحتهم و خسرهم العراق .

مرت الطائرة فوق المستوطنات الإسرائيلية لنقترب من الأردن و نحلق فوق عاصمتها التي كنت قد عشت فيها نحو اربع سنوات لأغادر منها الى كندا .. و ها أنا أعود اليها نازلاً في ( مطار الملكة علياء ) . بالتأكيد فأن هذا المطار صغير و متواضع جداً ، بل لا يساوي شيئاً أمام مطار ( تورنتو ) أو مطار ( أو هير ) ، غير أنني أحسست حالاً بفارق التعامل هنا . تم ختم جواز سفري من قبل الضابط المسؤول عن الأجانب ( باعتباري أحمل الجواز الكندي ) و دفعت رسوم الدخول لأذهب الى قسم حقائب الطائرة القادمة من شيكاغو ، غير أنني لم أجد حقائبي ، و لم أجدها أيضاً و أنا أبحث ـ عبثاً ـ بين الحقائب القادمة من بيروت . استفسرت عنها من شاب مسؤول ـ كان غاية في الأدب ـ فطلب مني جواز سفري ، و حين دقق المعلومات ـ بواسطة جهاز الكومبيوتر ـ أخبرني بأنها ما زالت في مطار ( تورنتو ) و ستصل غداً ، و طلب مني عنواناً في عمّان كي يتم إيصالها إليّ فأعطيته رقم هاتف صديقي ( شاكر حامد ) الذي هو بانتظاري حتماً . إذاً الضابط الأمريكي السافل رحّلني و ترك حقائبي ـ عمداً أو بغير عمد ـ دون شحن . حاولت الإتصال مرات عديدة بهاتف ( شاكر) النقال أو بهاتف منزله ، بواسطة هاتف رجل أردني كريم كان في المطار ، ولكنني لم أفلح . يا الهي خرجت من الغرب بنكد و حللت في الشرق بنكد . استسلمت لليأس فحملت حقيبتـَيْ اليد و الكتف و هممت بالخروج ، و اذا بشاكر حامد يفاجؤني باقباله عليّ فاتحاً ذراعيه ليحتضنني و كان بصحبته إبنه ( أحمد ) . كان ( شاكر ) ينتطرني قلقاً و كان ـ قبل أن يراني ـ يهم بالإستفسار في المطار عما اذا كنتُ على متن الطائرة القادمة من شيكاغو .

( شاكر حامد ) صديقي منذ أكثر من خمسة و ثلاثين عاماً ، تجمعنا صداقة متينة و حقيقية ، و لنا ذكريات كثيرة معاً ، و هو صديق وفي و نظيف القلب . مضى نحو سبعة عشر عاماً و نحن مفترقان ولكننا نتواصل عبر الهاتف و الفيس بوك ، و أثناء الإجتياح الأمريكي للعراق ( عام 2003 ) كنت اتابعه ، من كندا ، بحرص و هو ينقل التقارير الساحنة المباشرة ، بحرفية عالية ، من بغداد الى قناة ( أبو ظبي ) . هو يعمل الآن في محطة BBC في لندن ، و هذه فترة اجازته السنوية التي اتفقنا على ان نلتقي خلالها في عمّان ، حيث تسكن عائلته .

حمل ( احمد ) الحقيبتين الصغيرتين عني و سبقنا الى سيارته التي ستقلنا الى المدينة . و ما أن اجتزت باب المطار و شممت الهواء حتى أحسستُ به مختلفاً تماماً ، كان بالنسبة لي ملوثاً تماماً .. فعبر هذه السنوات الطويلة اعتدت على هواء نقي تتميز به كندا الخضراء ذات الطبيعة الساحرة ، حيث افتح الباب ـ كل صباح ـ على الحديقة الخلفية من منزلي و املأ رئتيّ من هوائها النقي الصافي الذي ينعش جسدي .

 

فصل من كتابي ( جوّاب المدن ) .. قيد الإنجاز