Facebook
قسمة ضيزى PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: دلال جويد   
الأحد, 14 نيسان/أبريل 2013 22:50

 

dlal
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

غسلت الحمص اليابس في مغسلة البيت الخارجية في الهواء الطلق ونقعته ثم تركته طول الليل في قدر الطهي على " جولة" صغيرة خضراء تبقيها امي مشتعلة على مدار اليوم وغالبا ما يزعجني دخانها، لكن النار الصغيرة كانت رحيمة أمام نيران القصف الشديد الذي اشعل ليلنا كله برائحة الموت، هذا القصف جعل الأسر في البصرة تحمل ما خف من امتعتها وتهرب الى المحافظات المجاورة حيث يوجد أقارب يستقبلونهم.
اقبل الصباح بهدوء قاتم، لا أصوات للأطفال في الزقاق، ولا تحايا بين الجارات، معظم الأبواب مقفلة أو خلفها أباء اخذوا أسرهم عند اقاربهم في الناصرية او العمارة أو اي مكان آخر آمن من قصف الحرب، لذا حين أطلت أمي من الباب وجدت أن بيتنا هو الوحيد الذي بقي محتضنا اطفاله حيث هربت العوائل من القصف ولم يبق سوانا.
كانت أمي تتظاهر باللامبالاة وبأن كل شيء على ما يرام، فهي وحيدة معنا ولا تدري كيف تهرب بنا وإلى أين وقد تقطعت السبل فلا وسيلة نقل متوفرة ولا رجل يحضر سيارة من حيث لا أدري ويصرخ بنا أن اصعدوا إليها، كانت تردد جملة وحيدة لم أفهمها الا بعد سنوات طويلة هي " شما قسم لأمي قسملي" فقد كانت تستعيد سنوات سجن والدها الشيوعي في الستينيات حيث بقيت امها تهرب باطفالها من مكان الى آخر خوفا عليهم من مصير مثل مصير ابيهم، وتقارنه بسنوات أسر أبي الطويلة وحيرتها معنا.
كان الحمص الناضج يثير الشهية لكن الوجوم الذي خيم على البيت لم يغر أحدا بتذوقه، حتى طرق الباب عمي الكبير فتهللت اسارير أمي على الرغم من صراخه علينا "يالله اتركوا الكتب تحركوا بساع للسيارة" استطعت حمل كتاب واحد معي كان مقدسا عندي هو قصة تجاربي مع الحقيقة لغاندي، بينما تركت مكتبتي كلها وحشرنا داخل السيارة منطلقين نحو الناصرية التي سمعت عنها كثيرا ولم أر منها الا أهوار الجبايش حيث قضيت عطلي الصيفية كلها هناك.
وصلنا إلى منطقة اسمها الفضيلية لم أسمع بها سابقا ولا يبدو المكان الذي وصلنا إليه بيتا صالحا للسكن فقد كان جدرانا بلا شبابيك وليس سوى بعض الابواب، انه بيت قيد الانشاء، وجدنا أن عائلة عمي قد سبقتنا اليه فاستقبلونا بابتتسامات كبيرة لأننا نجونا.
لم أر أمي تبدي امتعاضها ابدا من المكان، كانت هادئة وشاكرة لعمي بينما كنا منزعجين من كل شيء وأكثر ما يضايقنا ملاحظاته حول تعلقي واخوتي بالقراءة فهو لا يرى اية جدوى لها خاصة ان المدارس في البصرة مقفلة والحرب على أشدها، حاولت أن أناقشه فأشارت لي امي بالصمت وحين انعزلنا في غرفة وضعنا فيها احدى البطانيات مدخلها يكون لها مفعول الباب الغائب، قالت لي عمك رجل امي بسيط، النقاش لن يجدي معه لذا لا تتحسسي من كلامه فهو يعبر عن معرفته بالحياة ولا يعرف ماذا تعني الكتب.
كنت في السادسة عشر من عمري، وبيتنا الجديد بلا ابواب ولا شبابيك، زارتنا جارتنا في الصباح وعرضت علينا أن نطلب ما نحتاجه منهم فهم يعرفون أن هذا وضع مؤقت وسينفرج الكرب، شكرتها امي وعمتي وحاولتا ترتيب البيت بما احضرنا من افرشة واغطية، بينما كانت زيارة خالي المفاجأة لنا بعد اسبوع هي المفاجأة السعيدة فقد عاد من الجبهة ليطمئن علينا ولم يجدنا فبحث عنا حتى وصل الينا وقف بسيارته امام الدار لينزل كميات كبيرة من الفواكه والخضروات والطحين والرز والسمن وكل المؤن التي تنقذنا في هذا الشتاء القاسي، وحين قبلني قال لي عندي مفاجأة لك، انزل كيسا يشبه اكياس الطحين ليفرغ منه مجموعة كتب لم أحلم بامتلاكها، قال هذه كتب كمال السعدون أراد أن يرميها في الهور في واحدة من نوبات حزنه فقد امطرت عليها الدنيا وتلف معظمها، لكني قلت لها دعها لي أعرف من سيفرح بها، وكانت فرحتي أكبر من توقعاته على الرغم من التصاق بعض الاوراق ببعض فقد ضقت بهذا المنفى الذي لا كتب فيه.
أولاد جيراننا يتلصصون على منزلنا من خلف الاسيجة، مع انهم يدرسون في مدرسة مختلطة!!
وقد صادف أن طلبت أمي مني أن احضر من بيت جارتنا " صوندة" ماء فلبست عباءتي ولففتها بالطريقة "البصراوية" التي اعتدت عليها، وطرقت بابهم حتى خرج الي الشاب المتلصص فبادرته السلام بهدوء "مساء الخير" واجابني بارتباك بالغ "مساء النار"..... لم اضحك فقد دربت نفسي على اني فتاة مؤدبة لا تضحك امام الاغراب، لكنه اختفى من امامي هاربا بينما حضرت أمه مرحبة لتعطيني ما طلبت.
بدأ الشتاء بالرحيل والقصف يخف على البصرة عدنا إلى بيتنا بشوق كبير حين فتح الباب وجدت حبة حمص قد أصبحت شجرة صغيرة داخل مغسلة البيت الخارجية، فقطرات الماء والشمس والهواء منحتها حياة جديدة بعيدا عن قدر الطبخ القاسي