Facebook
الأسطورة ما بين الفعل الإنساني البسيط والخيال PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: • محمود عبد اللطيف   
الأحد, 07 نيسان/أبريل 2013 22:35

 

m1
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

الأسطورة ما بين الفعل الإنساني البسيط والخيال سارق النار إنموذجاً

 

 

 

 

 

للإنسان وحده تعود بنية الأسطورة في مجملها و مضمونها .. ذلك أن الحدث الإنساني بحد ذاته و على بساطته او عفويته و نتيجة لحدوثه صدفة أو دون موعد مسبق أو تجارب يمكن ردّه إلى شيء ما ورائي أو خارق للطبيعة بالتالي فـ إن منفذه و إن كان لا يقصد هو ليس بشراً عادياً .. و يذهب الانسان القديم إلى رد أصل هكذا اشخاص الى أنهم آلهة أو بضع إله ( من نسل إله وبشر )

من هنا و نتيجة لوجود الاسطورة في مختلف جوانب الحياة البشرية تاريخياً و لكون بعضها أثر على الامتداد الزمني للحضارة الانسانية وصولاً إلى اليوم كما فعلت الاساطير ذات العلاقة المباشرة بالاديان و خاصة السماوية منها فـ لابد من وضع أو رد الاسطورة الى فعلها الانساني البسيط بتفسير عقلي بسيط وفيه نستخدم أداة إنسانية لفعل ذلك و هي ( وضع حدود معينة للخيال الإنساني )

 

 

مدخل إلى علم الأساطير ( الميثولوجيا )

 

الميثولوجيا (Mythology ) : و ثمرة إنتاج معين لخيال شعب من الشعوب في شكل حكايات وروايات يتناقلونها جيلا بعد جيل..

 

ميثو Mythoi : ومعناها ألفاظ وكلمات

أختلف العلماء في تفسير بداية الأساطير و نشأتها

فقد رأى جيمس فريزر وإدوارد تيلور : أن كلمة الأسطورة ترتبط ببداية الإنسانية, حيث كانالبشر يمارسون السحر ويؤدون طقوسهم الدينية التي كانت سعيا فكريا لتفسير ظواهر الطبيعة..

أما لكن هربرت ريد فقد أكد أن فريزر وتلاميذه يخطئون في زعمهم أن الأساطير كانت محاولة لتفسيرالكون..

وفي ذلك أيده ليفي برول قائلا: لم تنشأ الأساطير والطقوس الجنائزية وعمليات السحر ـ فيما يبدو ـعن حاجة الرجل البدائي إلى تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرا قائما على العقل، لكن نشأتاستجابة لعواطف الجماعة القاهرةأما لويس هورتيك فقد قال : أن الأسطورة التي هي الفترة الدينية للجيولوجيا وعلم الحيوان نشأت علىأطلال كانت يوما قصورا أو مدنا عامرة.. في حين ترى جين هاريسون أن الأسطورة هي التفكيرالحالم لشعب من الشعوب تماما مثلما يعتبر الحلم أسطورة الفردفي حين ان توماسبوليفينشي ذهب في كتابه ميثولوجية اليونان وروما إلى وجود أربع نظريات في أصل الأسطورة

 

النظرية الدينية:التي ترى أن حكايات الأساطير مأخوذة كلها من الكتاب المقدس مع الاعتراف بأنها غُيِّرت أو حُرِّفت، ومن ثَمَّ كان هرقل اسماً آخر لشمشون، والمارد ديوكاليون ابن بروميثيوم الذي أنقذه زيوس مع زوجته من الغرق فوق أحد الجبال هو نوح، وهكذا.

النظرية التاريخية:

التي تذهب إلى أن أعلام الأساطير عاشوا فعلاً وحققوا سلسلة من الأعمال العظيمة، ومع مرور الزمن أضاف إليهم خيال الشعراء ما وضعهم في ذلك الإطار الغرائبي الذي يتحركون خلاله في جو الأسطورة.

النظرية الرمزية:وهي تقوم على أن كل الأساطير بكل أنواعها ليست سوى مجازات فُهمت على غير وجهها الصحيح أو فُهمت حرفيًّا، من ذلك ما يقال عن أن "ساتورن" يلتهم أولاده أي الزمن يأكل كل ما يوجد فيه.

النظرية الطبيعية:وبمقتضاها يتم تخيل عناصر الكون من ماء وهواء ونار في هيئة أشخاص أو كائنات حية، أو أنها تختفي وراء مخلوقات خاصة.. وعلى هذا النحو وجد لكل ظاهرة طبيعية – ابتداءً من الشمس والقمر والبحر وحتى أصغر مجرى مائي - كائن روحي يتمثل فيه وتنبني عليه أسطورة أو أساطير.

 

وعلى هذا الأساس قام العلماء بتقسيم الأساطير إلى ثلاثة أنواع هي:الخرافة البحتة Myth proper)   )وهي محاولة خيالية سابقة على العلم لتفسير بعض الظواهر الطبيعية الحقيقية أو المزعومة والتي تثير فضول مبتكر الخرافة، أو بمعنى أدق هي محاولة الوصول إلى شعور بالرضا والاقتناع في أمر مقلق محير يتعلق بتلك الظواهر، وخرافات هذا النوع غالباً ما تخاطب العواطف لا العقل.. فالخرافة البحتة هي ثمار إنتاج التخيل الساذج في البحث عن الحقائق التي تعرف بالخبرة، والتي يكشف لنا عنها فيما بعد كل من الفن والعلم.. وقد أطلق على هذا النوع من الروايات اسم( Aetiological ) أي ما يهتم بالبحث عن علة وجود الأشياء من حركة ظاهرة للأجرام السماوية، إلى شكل تل، أو أصل عادة محلية، وفى هذه الحالة الأخيرة غالباً ما تخبرنا الروايات بما يوحي بأنه تاريخ أو ما يشبه التاريخ. 

 

النوع الثاني ما يسمىSagaوهى كلمة إسكندناوية الأصل وتعني "قصة أو رواية" وعادة ما تذكر الآن للتعبير عن تلك الروايات التي تعالج أحداثاً تاريخية أو شبه تاريخية.. وغالباً ما تتناول في خطوطها العريضة أموراً تتعلق بالبشر ومعاركهم ومغامراتهم.. لكنها تغفل الكثير من التفاصيل التاريخية وتركز على الأبطال وقدراتهم الخاصة وتدخل الآلهة في الأحداث معهم أو ضدهم

 

النوع الثالث : القصص الشعبية Marchen  ) ) وهذا النوع يهدف أولاً وأخيراً إلى التسلية والإمتاع، ولا يعمل حساباً لأي شيء آخر، فلا تسجيل لأحداث تاريخية أو شبه تاريخية، ولا محاولة لتعليل ظاهرة طبيعية، ولا ملاحظة لأفكار المستمعين وعقولهم فيما يتعلق بأمر الضرورة والاحتمال، بل هو في مجموعه عبارة عن قصص شعبية بسيطة أنتجها الخيال في دور الطفولة المبكرة للشعوب وتناقلتها الأجيال، وأبرز ما يميز هذه القصص هو تشابه كثير من أحداثها عند الشعوب المختلفة.

 

 

 

على هذا الأساس يمكن لنا أن نطرح أنموذجاً لدراسة الأسطورة في مردها الأنساني الفعل و المصدر بالأعتماد على تحليل بسيط للحدث من خلال ارجاعه إلى انسانيته البسيط ولعل اسطورة ( برومثيوس – سارق النار ) انموذجاً جيداً

 

 

تفاصيل الأسطورة ( برومثيوس – سارق النار )

 

بعد ان تغلب زيوس علي كرونوس .. قسم الدنيا بينه وبين باقي الآلهة فاخد زيوس " جوبيتر " السيادة علي الآلهة و البشر وكان يحكمهم كملك من جبل الاوليمب ....

واختار " زيوس " هيرا " جونو " زوجه له ... وعهد الي نبتون " بوساديوس " بحكومة المحيط ... و وبلوتو " هاديس " بحكم العالم السفلي ...... و فيستا " هيستا " ربه الوطيس والمنزل ..... وصارت كيريس " ديميتير " ربه الزراعه .

 

في تلك الاثناء ظهرت الاجناس البشرية علي الارض و تعاقبت جيل وراء جيل .

ففي عهد كرونوس كان العصر الذهبي حيث الدنيا ربيعا طول الوقت ... والبشر يعيشون في سعادة دائمه و تأتيهم الشيخوخة متثاقله ... ولا يوجد حقد او كره .... ولا كد ولا تعب ... واذا جاء الموت اخيرا يأتيهم كانه حلم يعيشون فيه .

 

اما العصر الفضي فهو بعد حكم زيوس ..

..فخلق جوبتير الفصول وجعل العمل ضروريا ...وساد الجوع والبرد فاضطر البشر لبناء المنازل و البيوت .... وابدي البشر شجاعة في ذلك العصر و لكنه تغطرس علي الآلهة ولم يعطها الاحترام اللائق .

 

ثم بعد ذلك العصر البرونزي ....وفيه تعلم الانسان استخدام الأسلحة فبدا بالصراع و الحروب .

 

ثم بعد ذلك العصر الحديدي ... و هو عصر الاجرام وعدم الشرف و اساء الانسان استخدام نعم الآلهة ...وانغمسوا في الوضاعة والانحطاط .

 

 

ارتبطت قصه برومثيوس بالجنس البشري ومعني اسمه" التفكير المسبق" او" بعد النظر" اما اسم ابيمثيوس " التفكير المتأخر"

 

فكان بوسع برومثيوس التنبأ بما سيفعله زيوس مسبقا .. واستمر مستشار زيوس لفتره طويله .

وحدث عراك بينهم بسبب البشر .. حيث ان زيوس غضب من سقوط البشر وانحطاطهم ..فقرر القضاء علي هذا الجنس من البشر وخلق جنس جديد ...

 

ولكن الجنس البشري الجديد كان اضعف من الاجناس السابقة في العصريين السابقين ... فكانوا يناضلون بسبب تغيرات الطقس و كانت الارض لا تأتي بثمر الا ذا تعبوا في حرثها و احاطت بهم الوحوش الضارية ..وبدوا وكأنهم سوف يهلكون الا اذا مد احد يد المساعدة لهم ...

 

فطلب برومثيوس من زيوس اعطائهم نعمه النار المقدسة ...فبها لن يخافوا البرد و سوف يصنعون الأسلحة و الادوات .

 

لكن زيوس رفض اعطاء البشر هذه النعمة الثمينة ... فحزن برومثيوس حزنا شديدا وقرر انه لن يعيش مع زيوس بل سوف ينزل الي البشروغادر جبل الاوليمب و معه الهديه الثمينة مخبأة في بوصه وهي النار المقدسة .

 

و من هنا عرف البشر الدفا وصناعه الأسلحة والادوات ... كما علمهم بناء السفن و تربيه الحيوانات ..

 

وما ان علم زيوس بما فعل بروميثيوس حتي امر بإحضاره مكبلا بالقيود و تعليقه بين جبلين و سلط عليه طائر الرخ ان يأكل لحمه وكبده و كل يوم ينمو له في قلب جديد وكبد جديد و يأتي الطائر ويلتهمهم مره اخري

و هكذا ظل بروميثيوس يتألم جيل وراء جيل بهذا الطائر الي ان جاء هرقل و قضي عليه

 

 

أنسنة أسطورة برميثيوس

يمكن لنا أن نرّد هذا الاسم في معناه أولى إلى انه لقب أطلقه الناس تالياً على شخص ما اكتشف النار بمحض صدفة ما دفعهم لتأليه فعله باعتباره جاء بشيء خارق للطبيعة و ا يقدر على فعله بشر عادي

و على اعتبار أن حكام ذاك الزمن كانوا آلهة يعبدون بطبيعة ان الانسان يميل الى التدين و رد الفعل الخارق إلى شيء ما أو شخص ما لا يملك صفة البشر فأنهم يدينون للحاكم آنذاك بالعبادة و التأليه كم فعلت آلهة جبل الأولميب الذي كان مقراً للحكومة التي حكمت الإغريق ذاك الزمن و عليه فأن الاكتشاف حين وصل إلى دار الحكومة – الأولميب – و على اعتبار ما سيفعله من هزّ مكانه الألوهية المكتسبة من الشعب فأن من الطبيعي مواجهة هذا الخطر الذي يهدد استمرارية الأولميب و ما يتبعه فأمر الحاكم بمعاقبة هذا المكتشف على اعتبار انه خان الأمانة و ردّ إلى الناس ما يفيد بأن النار اصلاً من صنع الحاكم و هذا الشخص مجرد خائن للأمانة ما يفيد الأولميب باستمرارية ألوهيته فهو صانع النار الأصلي .. على ذلك فان العقوبة المقترحة الصلب على حجر تحيل الجسد الى جسد ثابت ما يدفع الطيور التي تأكل الجثث في العادة مثل النسور و ما إلى ذلك الى التحليق فوق الجثة المصلوبة (برميثيوس ) و لأن الناس أحبّت هذا الشخص الذي قدّم لها خدمة جليلة برأيها تراه إله و أن العقوبة التي طالته تعسفية , ومنهم من تعاطف مع الأولميب و رآها عقوبة مستحقة من هنا نجد أن الانقسام في الأهواء يجعل من توارد الحكاية عبر البشر و مروراً بالتراتبية الزمنية للسنوات و مستفيدة من ميل الأنسان إلى وضع جزء من الحكاية كان يتمناه فيه مستخدماً اللاوعي للأضافة نجد أن الحكاية تكبر لتخرج من اطار الفعل الأنساني الى الفعل الإلوهية , ما يحدث قلقلة في حقيقة الحدث و نتيجة لهذا التوارد المضاف عليه تصبح الشخصية الإنسانية في مثل هكذا حكاية أقرب الى الخيال و ما نسميه ميثولوجيه

 

 

 

على هذا و باستخدامنا للحد من التخيل البشري نقرأ ان بسيط الفعل الأنساني و ميوله و رغباته هي ما تحكمت بنشوء الاسطورة من حدث أنساني بسيط وقع في مكان ما تورادت أخباره و رواياته على السنة الناس مطورة في كل مرة الحدث ككرة الثلج الصغيرة التي تتدحرج من أعلى قمة الجبل .. ____________________________________