Facebook
قصة قصيرة ..طريق السعادة PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: يوسف الشيخ   
السبت, 30 آذار/مارس 2013 22:45

 

 

yosff
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

إلى: خالد الدغال

تروح وتغدو بين زخمة من الأكوام البشرية ،ترتدي سروال "جينز" أزرق مترهل يغطي جسدها النحيف و قميص أبيض اللون كبياض رأس عبد السلام الذي ما فتئت عيناه تراقب تحركاتها وهي تحلق من طاولة إلى أخرى لتلبية طلبات الزبناء. تبدو قسوة الدهر موشومة على جبينها رغم الابتسامة الصفراء التي تطبع محياها. وددت و لو للحظة أن أطلع على ما يجول بخاطرها وهي تحاول أن تتحاشى نظرات رواد مقهى السعادة.
تصطف الكراسي ذات اليمين و ذات الشمال،وتراك تسمع كلاما ليس كالكلام ،حديث هنا و جدال هناك،و بين هذا و ذاك تقابل فاطمة سهام التحرش بابتسامة عريضة وخفة في الحركة حتى لا تترك للذئاب المفترسة فرصة لنهش كبريائها ،تراوح مكانها بين الطابور الذي تتوسطه الطاولات كريم يبحث عن الماء في أرض جرداء.
اقترب عبد السلام منها و همس:
- قهوة سوداء لو سمحت يا فاطمة.
عادت بعد لحظات وقد أحضرت القهوة،وضعتها برفق على الطاولة و انسحبت بهدوء دون أن تنظر إليه ،في تلك الأثناء كان يحدق اليها بعمق،يتأمل الخانة أسفل عينها اليسرى ،و يحرك شفتيه دون كلام و كأنه يريد أن يهمس لها بشيء ما.
و على الجانب المقابل يجلس شابين في عمر الزهور،خالد و يوسف ،يتفاعلان في حميمية قل نظيرها مع عصام الشوالي و هو ينظم القوافي تلو القوافي ،يزاوج بين الفصحى و العجمية كزواج الأمير عبد العزيز بن موسى بن نصير من"إيخيلونا" أرملة "لذريق"،فجأة يصيح عصام كما لو أن جيوش العرب قدغارت على بني صهيون في عقر الدار،فيرد الحاضرون بصيحة أخرى ،يختلط معها الحابل بالنابل ، يبدأ العناق و التهليل ،و تتعالى أصوات التهاني والتبريكات. يستغل عبد السلام تلك الضوضاء فينسل إلى الوراء في غفلة من الجميع ،يوهم نفسه أنه يرد على مكالمة هاتفية لئلا يفطن أحد لأمره ،ودون أن يحرك رأسه يسرق النظر تارة على اليمين وتارة أخرى على الشمال.
تظهر فاطمة من جديد لتعيد الكراسي المتناثرة إلى مكانها ،ترفع رأسها نحو سقف المقهى وتتنهد بعمق ،لعلي بها تندب حظها العاثر الذي أتى بها إلى هذا المكان و هي لم تتجاوز عقدها الثاني بعد. لقد عاشت طوال عمرها وسط أشخاص غرباء ،انتشلوها من على سكة القطار وهي ماتزال رضيعة ،أحسنوا إليها و تلقت على أيديهم أبجديات العيش في هذه الدنيا العبثية. ولما اشتد عظمها وأيقنت أنها جسم غريب عن الدار قررت أن تمضي دون وجهة بحثا عن سعادة مفترضة ،تقاذفتها أمواج الحياة من مكان إلى آخر وانتهى بها المطاف كنادلة.
يعود الهدوء ليعم القاعة من جديد ،ويعود عبد السلام إلى مقعده خالي الوفاض ،لعل مهاتفه قد أفسد عليه الأمر الذي قام من أجله أو لربما لم يسعفه الحظ للخلوة بالحمامة بمعزل عن الأنظار.لقد ألف ارتياد هذه المقهى منذ أن كان شابا ،غالبا ما كان يمضي اليوم بأكمله في احتساء القهوة السوداء ،و التربص بسعيدة ،شابة قروية كان قد أحضرها صاحب المقهى لتحضير الرغائف وتنظيف الصحون. إستغل الوسيم عبد السلام سذاجتها البريئة ووعدها بأن ينتشلها من غياهب الفقر،فتوالت اللقاءات بينهما ،وكم كانت سعيدة سعيدة للغاية ،لم يكتب لها أن تتذوق طعم الحب مع شخص قبله ،لذلك كانت تحاول أن تستمده من وسامة عبد السلام ذي القامة الممشوقة و من كلامه المعسول الذي خدر كيدها الفطري.
وكان أن طلب منها ذات يوم الخروج في نزهة إلى شاطئ "الأمان" ،فوافقت دونما حاجة إلى تفكير. و كيف لها أن ترفض و هي غارقة في هيامه وشاردة الذهن حتى و هي بين يديه. فعلا كان له ما أراد ،و منذ ذلك الحين صارت تلك النزهة فصلا جديدا في رواية كتبتها سعيدة بمداد كرامتها و كان بطلها جنين غير شرعي.
صمت رهيب يعم القاعة ،ذكرني بليلة إعدام بلبل بابل عشية عيد الأضحى و النعاج نيام ،و لا يسمع في الأعماق سوى صوت عصام الذي أرهقه التعليق على المباراة ،فأطلق العنان لذاكرته الكروية لسرد أمجاد فريق برشلونة ،و كلما أخطأ في رقم أو نسي لقبا يتداركه الجمهور الحاضر داخل القاعة. لقد وجدوا في البارصا- فريق الأحلام- ملاذا للهروب من واقع مرير،أموال ضخمة تروج بين ناظريهم مصدرها حقول "النعناع" المترامية الأطراف على طول الشريط الجبلي ،وتصرف بسذاجة على أقداح الرذيلة و المهانة ،هناك داخل سراديب العار الممتدة على طول الشريط الساحلي ،و كأن ما يجود به الجبل يلتهمه البحر.
بشغف و تلذذ يستنشقون عود "النعناع" ،ضباب كثيف يخيم على المكان ،ورؤوس عطشى تنتظر بفارغ الصبر متى يحين دورها لمعانقة هذا البلسم البهي ،وترى العود ينتقل بديمقراطية من جليس لجليس.يذكر المشهد بالسيمفونية الخامسة لموزار و أنت ترى الكرة تنتقل عبر الشاشة من لاعب واقف لآخر يقابلها انتقال العود بين الحضور من لاعب جالس لآخر.
ينفد صبره ،فيشير بإحدى يديه إلى الأعلى ،تتجه صوبه بخفتها المألوفة ،تذكره نظراتها بأيام الصبى ،يومها كان شابا دون العشرين ،إنها نسخة طبق الأصل لسعيدة ،يحدق إليها بإمعان و كأن التاريخ يعيد نفسه ،يتهيأ له أن القادمة نحوه هي سعيدة ،إنها تسرع في خطواتها وكأنها تستعجل القصاص منه ،يرتفع ضغط الدم بعروقه ،فتتسارع نبضات القلب ،ويحمر وجهه خجلا. مثل نصب تقف عند رأسه قائلة:
- عذرا سيدي.
- أريدك على انفراد في أمر يهمك.
- تفضل سيدي.
- لا... ليس الان. عفوا...كنت أقصد بعد أن تنتهي من العمل.
- أنت تعرف أنني أعمل حتى لوقت متأخر من الليل.
- سأنتظرك إذن.
تعود أدراجها دون أن تنبس ببنت شفة ،بينما يراقبها وهي تمضي مطأطئة الرأس حتى تغيب عن ناظره يفرك راحة يديه متنهدا ،لم يصدق نفسه أنه قد رتب موعدا طالما انتظره مند أشهر خلت ،وتراه يحرك شفتيه وكأنه يسبح من خلقه ،يبتسم تارة ويقطب جبينه تارة أخرى،يهم أن يقوم من مكانه ثم سرعان ما تراه يعود للجلوس على مقعد آخر.لقد اقترب وقت اقفال المقهى ،وانتشر مريدو السعادة في الأرض مرحا بعدما انتشوا بفرحة الفوز على ريال مدريد ،و سلك كل طريقه. لم يبق في الجوار إلا ذانك الشابين في أقصى اليسار،ينهضان بعد برهة ،يهمس أحدهما للآخر،فيطلقان ضحكة مدوية هزت سكون القاعة المطبق ،كتلك القهقهة التي واجه بها سعيدة يوم أخبرته أنها حامل منه ،تردد صداها مرات ومرات ،وقتها لم يرحم أنينها الذي كان سيهد الأعلام لو سمعته و لا حتى دمعتها الرقراقة وهي تتوسل ستر الفضيحة ،تبرأ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب. أتاها المخاض وهي على الطريق ،وهناك تركت فلذة كبدها ،وانطلقت لا تلوي على شئ. لم تلبث أن مرت سويعات قليلة حتى ثارت لوعة الأمومة بأحشائها ،فهرولت نحو مقطورات متهالكة أين كانت قد تركت قلبها ،وكم كانت صدمتها حين لم تجد له أثرا ،فأطلقت عويلا كانت وحدها من تسمعه ،فالمكان ظلمة ،وقطار الرابعة أطلق صفيره و ضوضاءه.
شيخ في السبعينات ،يبتغي وجها عزيزا ،يسلك طريقه إلى مسجد النور،كانت الساعة تشير الى الرابعة إلا ربع فجرا ،يسمع صوت ملاك يناديه ،يقوده قلبه في اتجاه الصوت ،فجأة يتعثر بكتلة بيضاء ،يتحسسها بيديه ،فيخر ذلك الصوت الشجي ،يسرع في خطواته حتى يصل إلى الضوء الخافت لمحطة قطار النجاة.يبتسم الحاج علي ،يعود مسرعا إلى بيته ،لقد وهبه الله من حيث لا يحتسب صبيا ،يؤنس وحشته و يوقظ أمومة زوجته العقيمة. يعود ليسلك نفس الطريق باتجاه ملاذه السعيد ،وحتى يبلغ المشوار عليه أن ينتظر مرور قطار الرابعة. بعد أن صلى و كبر،و حمد و شكر،عاد سالكا نفس الطريق ،لم يصدق ما سترى عيناه: شابة حسناء ميتة، ملقاة على الأديم و قد التف حولها بعض الفضوليون ، يتبادلون أطراف الحديث:
- لقد دهسها القطار.
ما كان عليها أن تعبر قبل أن يمر القطار.
-لقد أخطأت الطريق...
يدرك عبد السلام أنه قد حان الوقت لمغادرة المقهى ،يلملم قواه المنهكة ،يتوكأ بيديه على الطاولة ،يقوم من مكانه ،بخطى ثقيلة يسير في اتجاه الباب الرئيسي ،يفتح مزلاج الباب ثم يخرج ،يلفح وجهه نسيم منتصف الليل ،ينظر بعمق في تلك الظلمة ،هناك ضوء يقترب منه شيئا فشيئا ،يمضي باتجاهه ،وقبل أن يبلغ مصدر الضوء يسمع باب المقهى قد فتح من جديد ،تخرج فاطمة و تمضي دون أن تكترث للكهلين الواقفين ،أحدهما على قارعة الطريق و الآخر يسير بطمأنينة و يحمل مصباحا بإحدى يديه لينير طريقه.يصيح عبد السلام:
-أيا فاطمة
يدرك الحاج علي أن هذا الصوت ليس بغريب عنه ،ولا حتى اسم فاطمة ،إنه من اختار هذا الاسم لصبية كان قد تبناها يوما ما وفطمت قلبه حين قررت أن ترحل إلى وجهة مجهولة ودون أن تستشيره في الأمر. يتوقف ، ثم يبتسم بعد أن عرفه ،إنه صديق طفولته،فيصيح هو الآخر:
- يا عبد السلام.
يرتبك عبدالسلام حين يسمع صوتا يناديه ،خيل له للوهلة الأولى أن الشابين خالد ويوسف يتعقبانه ، تجاهل الأمر وهرول في اتجاه فاطمة ، و دون أن يسرق النظر على اليمين و على الشمال كما كان يفعل داخل المقهى قطع الطريق ،باغتته سيارة لتهريب "النعناع" ،كانت تسير بسرعة في الاتجاه المعاكس فأردته على الأرض قتيلا.
يسرع الحاج علي نحو صديقه ،فيمسك بقميصه الملطخ بالدماء و يضعه على وجهه ،يتحسر على موته و هو ثمل.يكلمه و كأنه يسمعه ،يعاتبه تارة ويبكي تارة أخرى ،فقلت في نفسي وهل يجدي البكاء على اللبن المسكوب؟
يرفع الحاج علي رأسه فيجد فتاة حسناء القد ،تقف عند رأسه ،تتراءى له دمعة رقراقة تهوي على خانتها. يبتسم والدموع تقطر من لحيته البيضاء ،ويهمس بحنان:
أئنك لفاطمة يا قرة عيني؟
ترتمي بين أحضانه باكية:
أنا فاطمة يا أبي.
أين كنت يا نور عيني؟ لقد بحثت عنك في كل مكان.
لقد كرهت نفسي فرحت أبحث عن شيء يسعدني.
وهل وجدت ما كنت تبتغين؟
كنت أشتغل كنادلة بمقهى السعادة.
يمسك بيدها برفق فينهضان معا ،يعم المكان ضوضاء رهيب ،يتجمهر مستعملو الطريق حول الجثة في انتظار وصول الاسعاف. يجبرني فضولي أن أبقى لأراقب الوضع عن كثب ،فيطول أمر الانتظار،وما هي إلا سويعات قليلة حتى هز المكان صوت منبه ،صفيره ليس كباقي الأصوات ،إنه صوت منبهي الذي كنت قد ضبته على الساعة السادسة صباحا ،أنداك أيقنت أنه علي أن استيقظ ،و ينتظرني يوم عمل شاق. وجدتها تقف عند رأسي مبتسمة وتربت على شعري وقالت بحنان:
- انهض يا حبيبي.
-عانقتها وقبلت جبينها وقلت:
-صباح الورد يا أمي... آه كم أنا سعيد...

 المملكة  المغربية