Facebook
استعادات PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: زعيم نصار   
الإثنين, 31 كانون1/ديسمبر 2012 21:57

z3eeem

 

______ 2 لحظة الموجة التي ترى

 

الاستجابة التي تستدعيها قصيدة السياب ليست من طبيعة شعرية فقط، ولكي أكون دقيقاً، أقول: إن عالمية السياب هو ما تولده قصيدته في النفس من رؤيا لا على مستوى الأفكار، بل الفضاء الذي تفتحه في ما وراء الموت، لا أستطيع أن أتخلص من هذا الفضاء المنفتح عندما اقرأ قصيدته، تلك اللحظة الأولى للتأسيس ، لحظة الفضاء المنفتح بصورة مدهشة وبارقة، في نسيج الكلمات والصور والنشيد، تنفتح هذه الرؤيا وتنبثق في أبعاد غامضة مجهولة، في ما وراء الموت والحياة المهيمنين في قصيدته، هذه الأبعاد الرؤيوية ليست حاضرة هنا ، لكن الإشارة إليها قائمة في نسيج الكلمات، تجذبنا، وتنادينا جميعا، لا تفرق بين أعراف وثقافات وأيديولوجيات ومعتقدات، عبر الهزة التي تحدثها فينا، أولا كعراقيين، لكنها تذهب ابعد من ذلك وتعطينا نوعا من التمرد واليقظة التي يجب أن تكون كلية وعامة، عامة بالمعنى الكوني، وكلية بمعنى الامتزاج الشعري والمعرفي، أي الرؤيا.

إنها فضاء مفتوح، وعالم أكثر انفتاحاً ، هذا العالم المنفتح، تجد فروقاتنا فيه موقعاً لها، لأنها تشملها، بل تمتصها، هي قصيدة تدعونا جميعا و تتحدث معنا على الفور، غريب على الخليج ، هو أنت، وهو أنا، والأنشودة هي أنشودتنا، وأنشودة كل إنسان يدعوه المستقبل لفضاء غامض مجهول غير متوقع يحس فيه إن كل شيء هو غيره، ويبدو جديداً بالنسبة للحظتنا الشاردة توا، وقد تخلخل الزمن مترنحاً تحت تأثير اللحظة القادمة، هذا التأثير هو هزة للحظة التأسيس لحظة الفوز بالخلاص، و في الزمن ذاته هي لحظة مبتكرة ومحررة مجددة في حضور آخر ينتظرها، حضور الناس في الزمان، والناس في العالم، والناس فيما بينهم، لحظة لا تزال غامضة لكنها حقيقية تدعو وتوحد وتنتصر للحياة والموت معاً، تنتصر للأرض.

لحظة السياب هي لحظة الموجة التي ترى، ترى ما وراء استمرار حياتها وما وراء امتداها و تحولاتها، هي عالم وفضاء، وهي نقيض لعالم الفكرة . فنحن منذ ألف عام قد سقطنا تحت تأثير الفكرة، و لقد أعطتنا هذه الفكرة بفعل تحولات كثيرة ، التاريخَ بخيره وشره، دمه و قتله وظلمه.

تلك لحظة البرق العظيمة التي ترتفع في سماء قصيدته هي رعد ايضاً يدعونا إلى تخطي الفكرة التي تستند على القوة دائما، على السيف والفتك.

أما الفضاء المفتوح الذي تقدمه لحظة السياب لرغبتنا وحياتنا هو نقيض القوة والطغيان ، فضاء المرح والخصوبة ، فضاء تموز ، فضاء الرقص والفتوة، إنها لحظة الحب، وعالم الرغبة، وهذا من أعمق الأشياء.

أليس المحبة سيدة الوجود وسببه؟ والرغبة أقوى حقيقة بين الحقائق ، يبدو لي أننا تعبنا من الفكرة، و قد آن الأوان لحلول كلام الشعر بعد أن تم الإفراط في الخطاب النسقي من أية جهة جاء، من الفلسفة أو اللاهوت أو السياسة أو العلم أو التكنولوجيا.

ألم يقل باشلار صاحب العقل العلمي " على العلماء أن يتعلموا من الشعراء" الم يرتعد صاحب النظرية النسبية " آينشتاين" لهول ما اكتشف وأدرك الخطر الكبير الذي يهدد الإنسان، فيتبرأ من العلم ويلوذ بالفن والشعر ويعتبرهما ملاذا أسمى من التفكير الآخذ بقواعد الرياضيات، آينشتاين الذي أجاب بلا تردد " ديستوفسكي" حين سأله أحد الصحافيين عمن هو عبقري القرن الماضي؟

أما هايزنبرك الذي قررت نظريته مبدأً كمياً للايقين واللاحتمية، نراه يستنجد بالحدس لمؤازرة العقل ويعلن " إن الخيال هو الحقل الحقيقي لانتعاش المفاهيم العلمية" ويذهب به الأمر إلى المناداة بحق العالم في اللواذ برؤية فنية شاملة إلى الأشياء ) حين نقف على كل هذا أليس من حقنا أن نجعل للأداة الشعرية ما للأداة العلمية من الشرعية كما اشار ويشير كبار شعراء نوبل في خطابات التتويج المذهلة.

أن موقفي هذا لا لأني أتبنى الشعر هوية لي، ولكنني أجد كل شيء يحيطنا، يقودنا بالضرورة للشعر، إن اللحظة التي فتحت لي هذا الفضاء، هي لحظة متحولة تكمن في الدرجة الأولى في الخصائص العالية التي تتمتع بها قصيدة السياب من هنا أحييها لدورها التأسيسي والريادي الذي قامت به، لقد تعملت من السياب كيف اكتب قصيدتي على مهل و دراية، لذا تراني لا أسعى إلى طباعة كتب شعرية مستعجلة امام هذا المناخ الشعري المتشابه، ولا انشغل بالظواهر المنفعلة المسطحة ، تعلمت من السياب كيف ابني قصائدي واحدة تلو الأخرى لإيماني إن الذي يعمرمن هذا الكم الشعري الهائل لا يتجاوز عدد الأصابع ، لقد كتبنا كتبا كثيرة ، ولكن قصائد قليلة ستبقى، ستعمر طويلا، أنشودة المطر، وغريب على الخليج ، والنهر والموت، والمسيح بعد الصلب، والمومس العمياء ، وغيرهن من عمارة السياب، أقول عمارة ً، إشارة لهذا البناء المعماري الفذ لبعض قصائده وما لقائي معهن إلا لقاء افتتان وخصوبة، سيبقى السياب بلحظته الأولى وفضائه الذي فتحه يشغل موقعه إلى جانب اكبر المبدعين لا في ثقافتنا فقط بل في ثقافات العالم اجمع.