Facebook
ظلال الغبار PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: د. رغد السهيل   
الإثنين, 29 تشرين1/أكتوير 2012 17:27

lo7aa
«الجميع يمرون ببيئة منفردة،

متميزة، وشبه خارقة للطبيعة .»

ألان روب غرييه

أن تموء القطط فهذا أمرطبيعي، لا يعني شيئاً، الوجود كله يكاد يكون

لا شيء، أ لن الغبار قد يغطيه في صبح الكون مجرد غبار.

إنها بلاد عجيبة لا تهد أ فيها العواصف الترابية. تراب يتطاير لا يستعصي عليه عائق، لا يعتر ضه عارض، أدق و أ صغر لموجودات يكتسح المدينة، الأ رض تفور، تنفخ ما فوقها، شيء أ شبه بغليان الماء حين يتحول الى بخار، فعل الطيران واحد، ضد الجاذبية، حتى تصرعه الجاذبية،لاشيء يخالف الطبيعة، لابد من لحظة لسقوط، فالهاوية نحو قبر يئن، ثم يثور الآخر على شكل ذرات من الدقيق الأصفر تغطي كل المكان، تدورالأرض لتنبش ما في جوفها، كمن يفتت شخ صاً نامسنيناً في الكهف!.

لا عجز أو توقف، استمرار يتحرك باتجاه مجهول، لا هدوء أبداًً، الحياة تتقلب دوماً. آهات بعض المرضى تحفر نفقاً في الروح ينخرالآذان، لا أحد يعرف مداه، ودموع مالحة مقهورة مكسورة الأمل تمضي لحال سبيلها.

لا معالم واضحة، الوجوه، الأ شجار، الشوارع، المدن، الرجال النساء والأطفال يتشابهون جميعاً في لحظة عاصفة، كلهم ظلال ترقص مع عزف الغبار في ظل الريح، القادم يخترق الحواجز، لا موانع ولا سدود، فهو يتسلل بخفة نحو المجرى التنفسي، تضعف أمامه كل وسائل المناعة، صراع الطبيعة، لا غالب فيه ولا مغلوب، لا فرق بين بصر النسر والبصير،الحلم والحقيقة سواء، لحظة خفية.. من يلتقطها ويصل إلى مغزاها؟.

ليتراكم هذا الدقيق الأصفر أينما يشاء، وكيفما يريد، لكن ليبتعدعن خدش روح هذه الصورة الوحيدة على الجدار، فمطاردة الغبار شيء من جنون تعودت على ممارسته. لست أبالي كثيراً بأحكام الطبيعة.. الطبيعة حمقاء، ولن أكف عن هذه المطاردة، من حق ال صور أن تتنفس، الأمر ليس سهلاًً أبداً، كل ذرة منه تحاول أن تسرق شيئاًً لتلتهمه،لا يغرنكم هذا القادم برقته، فهو أكبرمغرورعلى وجه الأرض.!

الصعود يمنحك بهجة الأطفال ومرحهم، الأمر يثير الخلايا العصبية في دماغي، فقط عليّ أن أكون نشيطة ومرنة، وأصعد فوق الأريكة، ثم إن النظر من أعلى يفاجئك بأ شياء لم تكن تبصرها، حتى لو كان الصعود من أجل طرد الغبار المتناثر. سعادة خفية تكسوني..و أجد متعة كبيرة في هذه المطاردة!.

هذه الزاوية تبدو نظيفة نعم، تشبه نظافة أمي، لكن لا.. هناك أثر عنيد لا يطاوع حركة يدي في الصعود والهبوط، لن أتراجع عن عملية التنظيف، هذا الأثر قد يشوّه ر ؤيتي ويشعرني بنق صان ما. لا بأ س، لن ينتصر عليّ بنعومة انتشاره، الآ ن كل شيء يبدو براقاًً للغاية، الصورة تلمع، تبرق، كم هي رائعة، هي كل ما تبقى.

ألتفتُ خلفي فأرى أمامي طفلاً وطفلة، أ شعر بخليط غير متجانس من الذهول والغرابة والخوف، ألوان ممتزجة ببعضها في لوحة تشكيلية:

من أنتما؟ كيف دخلتما؟ من فتح لكما الباب؟ تكلما بسرعة.

بنبرة غريبة أجابتني الطفلة:

انزلي أولاً من تلك الأريكة فقد تقعين، والأ طباء كلهم مشغولون بمرضى هذه العاصفة، كنا نلعب، وهبّت العاصفة الترابية ولم نجد مكاناً نشعر فيه بالراحة مثل هذا البيت..

لم يرُق لي كلامها، فيه نكهة لم أتذوقها قبلاً، أدهشني الحدث..

كيف دخلتما.. من أي باب؟.

نحن ندخل من أي باب نشاء لا تقلقي.... انزلي على مهل.. احذري حافة الأ ريكة فهي حادة.

تلاشت متعتي في الصعود حين هبطت من ا لأ ريكة، صار للهبوط معنى آخر أشعره، لم أكتشفه بعد. هذان طفلان بريئان، قطعاًً لن يخيفني الأطفال. وقفت أتفحصهما بدقة، هي طفلة حنطية اللون ذات عينين سوداوين كبيرتين تغطيان نصف وجهها, وتبدو طويلة بالنسبة لسنّها، لعلها لا تتجاوز التاسعة، لها ضفائر طويلة خلف ظهرها. تبدووديعة للغاية، رقّ قلبي لمنظرها، لا أعتقد أنني ر أيتها قبلاً، ثيابها قديمة نوعاً ما لكنها نظيفة جداً, ربما أهلها فقراء، ليت الأ رض تبتلعني ولا ألمس أوجاعها.

يصحبها طفل يبدو في سنها تقريبا، أ سمر البشرة، عيناه أيضاً كبيرتان، ذوشعر رمادي اللون، بالتأكيد اكتسبه بالوراثة، فلا يعقل أن يشيب شعر طفل، ثمة شامة كبيرة في وسط خده، هناك تشابه واضح بينهما.

سألتها وهي تبدو قائد حملة الغزو التي أعلناها عليّ:

هل أنتما أخوان؟ من الجيران؟.

ردت البنت بسرعة: طبعاً لا.. نحن رفيقان تعوّدنا أن نلعب معاً ونتجول معاً، ولسنا من الجيران...

لا أحب ضجيج الأطفال، وصلت مرحلةً من العمر لا أحتمل فيها أي طفل لأكثر من ساعة، ويبدو أنهما ينويان البقاء هنا حتى تهدأ العاصفة، ماذا عساني أفعل بهما؟.

تحرك الطفل في الصالة بخطوات واثقة، يسير رافعاًً رأسه بصورة ملفتة للنظر، وتبدو على وجهه علامات الجدية والصرامة.

كان صامتاً, أردت منه أن يتحدث لأ عرف سره:

ما بك.. لماذا أنت صامت؟

رد عليّ بنبرة لا تخلو من حدة وغضب، عقد حاجبيه وقال:

هل هناك سبب لأتكلم؟ قلة الكلام دلالة على الهيبة والاحترام، عليك أن تعرفي أن من يُكثر الكلام إنسان فارغ!..

هززت رأ سي وحاولت إستيعاب كلام هذا الطفل الرجل, أغمضت عينيّ بشدة لأتأكد أنني لست في حلم، وحين فتحتهما وجدت الطفلين ما زالا أمامي. أحياناً يحفظ الصغار كلام الكبار ويرددونه دون أن يعوا معناه... أمر عادي, فلماذا أ ضخم الأمور؟..

ما زال الطفل يتجول في أرجاء الصالة يتفحص المكان، أردت أن أهدّئه قليلاً، قلت له و أنا أتوجس مما سأ سمعه منه:

هل تبحث عن شيء.. هل تحتاج شيئاً؟.

التفت نحوي بلامبالاة وقال باعتداد: لا.. لا شيء. لكن هلا صنعت لي فنجاناً من القهوة المرة.

فتحت عينيّ على وسعهما، قلبت شفتيّ ورفعت كتفيّ، أقنعت نفسي أنني أمام فيلم كوميدي يقوم ببطولته صغار.

لكن ألم تخبراني بأنكما جئتما للعب. ماذا ستفعل بالقهوة المرة؟ دعني أمنحك كأ ساً من الحليب.

هذه المرة، دق ناقوس الخطر فعلاً، وتصاعدت أمواج الخوف داخلي.

صار البحر أكثر وضوحاً والموج يعاندني, وضعي صعب جداً، لا يحتمل مخلوق بصلابتي ما احتملته.

ارتفع صوته بلهجة غاضبة:

كل شيء له وقته ألا تفهمين هذا؟ الآن أريد قهوة مرة، سنلعب لاحقاًً.

الحليب عند النوم أو عند الفطور، فهو يحتوي على الكالسيوم الضروري لتقوية العظام، فقط هيا تحركي..

ما هذا؟ هو يصرخ بي كأني خادمته، لو علا صوته لارتج كل البيت وتزلزل، من يجر ؤ أن ينطق في حضرته، أو يرد له أمراً.. بالتأكيد هما يسببان التعب لوالديهما، تربية ا لأ طفال صعبة في هذا الزمن، ويبدوكل منهما وقحاً وطويل اللسان, عليّ أن أحتملهما، قلبي لا يطاوعني أن أطردهما فيما العا صفة الترابية خارج المنزل تعصف وتعصف.. قد يتيهان في الطريق، وقد يصابان بنوبة ربو، قد يخطفهما أحد، حالات خطف الأطفال منتشرة هذه ا لأ يام، لا لن أطردهما، لن أفعل.

سمعت الطفلة حديثنا وهي تقلب الكتب في المكتبة، فقالت وهي تديرظهرها لي: ما دمت ستصنعين له القهوة المرة، فأنا أريد شاياً بالهال و إذا كان لديك بعض أوراق النعناع، فسيكون ذلك أفضل!.

نعم.. ماذا تريدين جنابك, شاياًً بالهال والنعناع أيضاً؟!.

اجلبيه مركّزاً.. لا تخففيه بالماء، واحذري أن تحترقي و أنتِ توقدين

الموقد..

ثم التفتت إلي: أين كتاب الفرنسية؟.

هذه الحسناء الصغيرة تريد شاياً مُركّزاً وبنكهة الهال والنعناع, طفلة وتميز هذا المذاق، ربما هناك أطفال يحبون الشاي تقليداً أ لهلهم، ربما أهلها أدخلوها مدارس فرنسية، ليس من غرابة في أن تطلب كتاباًً بالفرنسية، لا بأ س.. هما ظريفان على كل حال.

سألتها: هل تجيدين الفرنسية؟

ردت كمن يستهجن أمراًً: أنا أقوم بتدريس الفرنسية للطلاب!.

الصمت حمل سلاحه في وجهي و أمرني بالخضوع. الأفلاك تدور و أنا أدور معها داخل و ضعهما الغريب و أتصارع وحدي مع خصم لا أراه. أبسط الأمور تمتلئ غرابةً، دون أن نشعر بها، فمن يشعر بشعيرات رأسه مثلاً شعرة شعرة.. إلا إذا انسلت بين يديه؟ من يفكر بالدم الذي يجري في عروقه.. إلا إذا أ صابه فقر الدم؟ الدهشة في كل مكان وما مجرة التبان إلا واحدة من عالم غير متناهٍٍ... ومن يضع أوراق النعناع بالشاي مرة ستطيب له!.

بدا أن عليّ الاستمتاع بوجودهما معي كيفما كان، سأرضى بوجودهما، فهما هنا بالتأكيد، أراهما، و ألمسهما أيضاًًً. الأهم من كل هذا أني أقبض على لحظة نادرة يضحك فيها قلبي، غادرني الأمن والدفء بكل ألوانه، قررت أن أتعامل مع الأمر كمتفرج لا يتوقع الحدث التالي في الفيلم..

سأنتظر النهاية.

أعددت لهما ما أرادا، وعُدتُ للصالة أحمل صينية الطلبات وكأنني عاملة في مقهى، المقهى يمتلئ بالزبائن، ربما هناك خمسون زبوناًً، سأسرع. تلك السيدة طلبت عصير برتقال، كيف نسيت؟ قالت لي إنها مستعجلة،عليّ تلبية طلبها قبل أن تثير زوبعة، أعرف أنها ليست سهلة التعامل، ثلاثة من زملائي غائبون اليوم وليس هناك سواي، أنا وظلي.

كم مرهق العمل لأجل لقمة العيش. جميل جداً أن تعمل بإمرة أطفال، أمر شيق للغاية، يعيد للروح طفولتها الخفية، كلنا أطفال شئنا أم أبينا، لكني أجهل لماذا لا تستيقظ طفولتي، ما الذي يمنعها؟ لماذا يفرض عليّ أن أقوم بدورالأم؟ مازلت صغيرة، أطعم المرضى بيدي، أسهر الليل، أمنحهم الدواء اللازم، بل و أجوب المشافي في الليل، وحين تغرس الظروف أنيابها في لحمي أُترك وحدي، فلا تخرج آهتي كي لا أ سمعها و أتراجع، أنا الطفلة التي ما زالت بحاجة لرعاية لا للهَمّ، لا أفقه بعلم الفلك!.

في هذه الأثناء تجلس الطفلة الصغيرة على الأريكة، تضع ساقاً فوق ساق، وفي حجرها كتاب الفرنسية، تقرأ فيه من الصفحات الو سطى.

الأيام الجميلة تسافرولا تترك سوى الصدى، الطلبة وحدهم يتذكرون أساتذتهم، من علموهم النطق والكتابة، قصة فولتير تلك المقررة في المناهج، كم أخذت عطاء وتفانياً؟! كان الخط، أصعب العلوم تلونت بألوان قوس قزح، لا شيء صعباً، فقط المزيد من الجد، تعالي أراجع معك الدر س، البحر شديد الخبث, رفض الانصياع لضربة تجديف من طفلة صغيرة، والطفلة تمضي في مواجهة أخطبوط البحر..

أما ذاك الشقي صاحب اللسان الطويل فقد جلس مقطباًً حاجبيه كملك مسيطر على عرشه الذهبي، لا ينقصه إلا تاج، في الحقيقة يليق به هذا الدور، كأنه ُصمم من أجله, حركة من عينيه تكفي بغير كلام، الكلمات لا يستهلكها ذوو الكبرياء وعزة النفس، صورة ظاهرها القسوة، و إظهار العطف واللطف قد يقلل من شأنها أو حظوتها فتجعل حنانها مستوراًً.

التفت إليّ مؤنباًًً وهو يمسح الطاولة بإصبعه السبابة:

ما هذا الغبار, ألا يفترض أن تنظفي الطاولات؟ ليس لديك شاغل إلا تلك الصورة.. وتنسين الطاولات. متى تصبحين مسؤولة حقاً؟.

أربكني أسلوب حديثه المؤنب والشديد اللهجة، يا لغرورهذا الطفل، إدراكه أكبر من عمره، ما هذه الكارثة التي حلت بيّ.. من القمر أم من السماء؟، لو لم يكونا أمامي كبشر لظننت أنهما جنيان أو عفريتان أو حتى منسكان الكواكب، لكني لا أجد أية إ شارة لهذا؛ فلهما هيئة طفلين عاديين.

قاطعته هي بصوت يفيض عذوبة مثل ماء بارد سلسال في قيظ الصحراء، وصل إلى سمعي كأنما هو خارج من كهف:

لديكَ الحق.. لكنها مسكينة، ترفّق بها، هذه العوا صف الترابية لا يفيد معها أي تنظيف، فما أن تنظف من هنا حتى تُقبل عا صفة أخرى، لا تقسُ عليها بالله عليك.

أ شار بيديه بعصبية: كفي عن الدفاع الدائم عنها.

لم أستطع كبت ما يتراكم داخلي من حيرة شديدة تتجمع على شكل صخرة، أرغب بأن أدفعها بعيدة عني و أقوم بتفتيتها إلى ذرات، لتتلاشى. موج البحر يهاجمني دون هذه الصخرة.

رددت متسائلة: الدفاع الدائم عني؟!

لم يعقب أحد منهما، واكتفيا بابتسامة امتصت كل قلقي، أسعدني هو بالذات. لأول مرة يبتسم هذا الطفل القادم من الفضاء، يبدوأنني سأقوم بعَدّ ابتساماته الوقورهذه، يبدو جميلاً حين تظهر أسنانه، أما هي فمنذ اللحظة الأولى لم تفارقها الابتسامة، وجهها يشع بالابتسام دون أن تتحرك عضلاته.

مضى وقت لست أحسبه بمقياس الزمن، ساعة الرمل القديمة لم تعد تجدي لمقياس كهذا، سوى أنه كان سريعاًً طائراًًًً بالتأكيد، كيف يطير الوقت بلا أجنحة ,و أين يذهب الوقت حين يطير، هل يعود ثانية, أم تراه ينتقل إلى عالم آخر.. كبقية القصص التي بلا أجوبة لكنها تحدث أيضاً؟.

لابد لي من الاعتراف والكشف عما في سريرتي. رفقتهما بكل ما فيها من دهشة غير مسبوقة، أمر يبلل الروح بقطرات ندى, وورود تختنق تعود لها نضارتها و أنفا سها، هناك دائماً سم قاتل لابد من التخلص منه، و إلا أدى إلى الفناء التام.. كل شهيق لابد أن يرافقه زفير، وحده الغبار يخلق مشكلة.

هذا الطفل أكمل آخرغرائبه حين طلب مني برتقالةًً، ليمسكها بين يديه ويرفض منحه السكين، ثم يقسمها إلى نصفين أو مجرتين في فضائهما العجيب، نصفا البرتقالة ما زالا بقشرتيهما، ودون أن تقطر أية قطرة من العصارة بد أ بالتقشير، فتحت عيوني للمرة الألف أراقب كيف يقشر البرتقال بالمقلوب, ومن أين تعلم هذه الطريقة؟! كلما فعل ذلك استغربت، لكنه يفعل دوماً..

فجأة وقفت الطفلة تنظر من النافذة وا ستدارت نحوه قائلة:

لقد هدأت العاصفة.. علينا أن نغادر يا عزيزي.

أجابها: نعم يا عزيزتي.

حين شعرت بأنهما سيغادران، شيء ما بداخلي اندفع يتشبَّث بهما, يكاد يبكي كغريق يبحث عن طوق نجاة وليس من نجاة. كلنا لا محالة غارقون، الزمن هو الزمن، أي دموع أو توسلات لن توقف مسيرة الطبيعة، ولا شيء

أكثر سوى توقف العا صفة الترابية، ليعود كل شيء إلى مكانه، كأن شيئاً لم يكن، خرج صوت من داخلي:

إنني مست أنسة بوجودكما. مازال الوقت مبكراًً...

أجابتني الطفلة: لا يا حبيبتي علينا المغادرة، ساعة نومنا قد حانت، سأدعو الله أن يحل لك كل مشكلاتك.. لا تقلقي..

ثم مالت عليّ تقبلني وتحتضنني حتى شعرت بأنني تعلقت بهما بصدقًً. الحقيقة تصلك متأخرة أحياناً، إذاً ما جدوى كل المطاردة أصلاً؟ قلت لها:

لكنى أحببتكما.. كأنكما ولداي.

منحتني ابتسامة غامضة المغزى، قرأت فيها حزناً غريباًًً أجهل سببه،ابتسامة بعيدة طويلة, لو رميتها على أيامي الراحلة والقادمة، لغطتها ومنحتها حساًًً بالأمان يكفيني دهراً بأكمله.

بالتأكيد نحن ولداك.. ما من شك في هذا.

حين عانقتني شممت فيها رائحة منعشة، رائحة عطر لا مثيل له ولا عطر أشد منه حضوراًً, سارت هي من أمامي، ر أيتها ترتفع وتهبط سبع مرات أمام باب بيتي، حاولت مناداتها:

عانقيني للمرة الأخيرة، قليلاً من عطرك، قطرة واحدة فقط.

لم تلبِّ ندائي، مع أنها سمعتني. للعطور أسرارها, هذا العطر رسم حدود العالم بالتأكيد!....

.. خرج الشقيان، وتساءلت كيف تتحول الشرنقة إلى فراشة, أليس هذا غريباً؟ وهل لهذا التحول علاقة ما بالغبار؟ لأكن واقعية، تخلصت منهما أخيراًًً، الخلاص بأن تزيل ثقلاًً عن كتفيك، ويحدث أن تفتقد أثقالك حين تنزاح عنك، لا محالة كل شيء يتقدم، لا شيء يعود إلى الوراء. الدواء اللعين قادم يسري في أنبوب دقيق شفاف، ليصل ببطء إلى المحيط لينشر دماره، بعض الأدوية سلاح دمار شامل.

أرهقاني بطلباتهما و سعدت مع ذلك لتلبية هذه الطلبات، لا سيما لطفل المغرور، أما الطفلة فقد كانت حنوناًً أكثر مما ينبغي، نعم.. بدت ريبة الأ طوارو أتعبت ذهني بتصرفاتها وحديثها غير المفهوم، أكانت تعد أمراً ما؟.

لم يوافني النوم تلك الليلة، آهات مرضى تلاحقني كأشواك تتوالد في مضجعي، رغم كل الحراسة الدقيقة المشددة كانت المقاومة تضعف.

الغبار يتسلل من حيث لا تتكهن، مواء تلك القطة اللعينة أمام نافذتي، ولولا نعاسي وكسلي لقمت وطردتها شر طردة، أ شعر بالنقمة عليها..

.....................

نهضت في الصباح ولم آخذ كفايتي من النوم، فتحت باب البيت لأبصر القطة في الحديقة تتفيأ تحت الشجرة و أمامها خمس قطط صغيرة، ساعة العصر يطيب الحديث.. الضحكات تعلو، وتبدأ النزهات.

فهمت. فقد كانت ولادة إذاً، بقيت أراقب تلك القطة و صغارها بفضول شديد، حتى قامت القطة الأ م من مكانها ونظرت إلي شزراًً، وكأنها تطلب منى المغادرة والابتعاد. لعلها تخاف مني، تعاطفت مع تلك لأم، أفهمها تماماً.. هي محقة، لأنني كائن من فصيلة مختلفة، أغلقت بابي ثم عدت إلى القطط بطبق من الحليب في محاولة لكسب ثقتها وودها، وضعته وسط الحديقة، وعدت إلى البيت لأمنح تلك القطط شعوراً بالأمان.

راقبت القطط من النافذة، القدم الصغيرة لإحداها لامست وجهي، شعرت أن وجودي يفيض من وجودها، و أن هناك نبعة ريحان تتجول، هل عادت السفن إلى المرفأ؟ لكن الغبار يعزف مع الريح معزوفته، تارة بقرع طبول يصم الآ ذان، وتارة بأنغام خافتة بطيئة, الغبار يجيد عزف أنواع شتى من المعزوفات بمهارة قاسية!.

نهضت القطة الأم.. مشت وهي تلتفت يميناًًً ويساراًً، وحين حاولت إحدىصغار القطط أن تلحق بها دفعتها القطة الأم بساقها الصغيرة، وتحركت وحدها ببطء شديد ووقفت عند طبق الحليب، أدارت وجهها بكل الاتجاهات، تنظر بعيداًً، كمن يلتقط في المدى شيئاً، دقائق وانحنت وبد أت تلعق من الحليب، رفعت رأسها، حركت لسانها داخل فمها الصغير، ابتلعت ريقها، ثم عادت أدراجها نحوصغارها تدفعهم، تحرك الصغار بطاعة خلف الأم، وحين وصل الجمع إلى طبق الحليب بد ؤوا يلعقونه، أما القطة الأم، فاكتفت بالوقوف والدوران حول صغارها..

مائدة الطعام مكتملة، ليس من مقعد شاغر، الدجاج لذيذ جداً بهذه الطريقة من الطهي، أخبار النهار، ضجة صامتة، ساعة الرمل تفرغ من محتوياتها..

حدثت نفسي: إذاً كيف تركت صغيريّ بالأمس يرحلان, أين ذهبا؟

ليسا من أبنائي لم أنجبهما ليكونا ولديّ، كنت أرعاهما زمناً.. ما الذي تغير؟ تكاثرت الأ سئلة في داخلي كأنها بيوض تفقس أفراخاً، أكان أصلي دجاجة يوماًً؟ البسمة على وجهيهما، الرضا التام، السكينة في المخدع حين تمتد يد وتغطي الم ستلقي في السرير، ورفقة الطريق الطويل الق صير. كل ذلك كان في يوم واحد لا أكثر!.

هو الحنين العجيب الذي جعلني مع كل عا صفة ترابية أجلس أمام الباب في انتظار عودتهما، بعد الاعتناء الدقيق بتنظيف الصورة. لم يعودا، دبّ الوهن في فكري، دبيبه أمواج تضرب روحي، تخدشني القطع المهشمة ولا أنزف, ألن يعودا حقاً؟.

لحظات تختلط فيها البهجة بالنمو والتفاني العميق، لم أعرف حقيقيين مثلهما، لقد أحببتهما. نعم، الحب لا قانون له في الأرض، أعترف بأنني أحببت هذين المجنونين! ومن الطبيعي أن أبحث عنهما وأدافع عمن أحب.

قررت البحث عن طوق نجاة ترسو عليه أفكاري. أخي خالد سوف أحدثه، فهو إنسان عاقل يدرك ما أقول وما أعنيه, لكنه فاجأني بقوله: علينا يا حياة تغيير مفاتيح البيت. قد يكونان من أفراد العصابات وجاءا إلينا ليتفحصا البيت، طريقة دخولهما غريبة. أشك أن لديهما مفتاحاً..

لا يا خالد قلت لك إنهما بريئان جداً، منطقهما فقط هو الغريب.

هنا القضية ياأختي.. هذا منطق رجال العصابات.

لم أعثر لدى خالد على خلا,ص بل صادفت متاهة أخرى. لم أفصح أكثر، خشية شكه بأن أخته قد تكون مخبولة. أعرف منطق الرجال. هم دائماً هكذا، منطق جامد لا يتعامل مع الأ شياء إلا بظاهرها، ربما هم محقون، فبعض المفكرين يقول إن الأشياء هي كما تبدو بظاهرها، لكن من يبصر ظهور الأشياء بعينيّ أنا؟ علي التحمل والبحث عن الحل بنفسي، لا أحد سيقف معك يا حياة. يبدأ الصداع المستمر، فالغثيان والهزال، يتبعه تساقط الشعر، من سيعيد تلك الخصلات الكثيفة؟ تطفو الرئة بالماء، علامة الغرق، أعرفها جيداً، تماسكي يا حياة، ليس سواك من يواجه الأمر، تظاهري بالقوة، كي لا تتكسر تلك الأوراق وهي تتساقط من الشجر، فقط ساعديها لتسقط متكاملة نضرة، ساعة الرمل تواصل إفراغ محتوياتها..

أخذت أتجول كل يوم في منطقتنا بحثاً عنهما. أسحب معطفي الأسود، أضعه على كتفي وأسير ببطء شديد.. يالذاك المعطف، دائماً يقع و أرفعه، لا أتعاجز عن رفعه أبداًًً، أوضحت مواصفاتهما حاولت بشتى الطرق العثورعلى أي خيط يوصلني إليهما، بحثت في الوجوه حولي عمن يشبههما, لا أحد أبداًًً سوى عزف الغبار مع الريح، وفقدان معطفي الجميل في إحدى جولاتي.. صرخت أخيراً بعد أن استسلمت، اعترفت بهزيمتي وانكساري،..

كيف تجبر زجاجة متحطمة؟ انتهى الأمر، يا للقسوة، وقعت أرضاً..

وصلت المدينة الحبيبة إلى قلبي، استقبلتني الغربان بنعيقها،والكلاب بنباحها، والمدينة تسخر من كل شيء، بيوتها بسيطة من الحجر والطين بلا أبواب. بعض من يدخلون إليها يطيب لهم المقام، لما تقدمه

من إغراءات الراحة، والآخرون مثلي زائرون باحثون عن شيء ما. حركة متواصلة لا تتوقف، بعضهم يأتونها محملين ويعودون فارغين، وبعضهم يصل مشياًً على الأقدام، تسمع أصوات أهلها بلا رنين، وجوههم شفافة لا أثر لعروق الدم فيها، إن حاولت لمس يد أحدهم تسقط يدك في الهواء،

فهم يقبلون ويذهبون ثم يختفون لا يسمحون لأحد بلمسهم..

افترشت الأرض، ولأن البيت مكشوف بلا سقف، جلست قرب شجرة ذابلة عتيقة. بعض الأشجار تمنح ظلالاً حتى وهي ميتة. كان يوماًً مشمساًًً حاراًًصافياًًً من دون غبار. أحنيت ر أ سي المزدحم بالأ سئلة، استرخت قواي، وبدأت بممارسة طقوسي المعتادة، بكيت بسخاء مجنون، قرأت بعض الأشياء، تكلمت كمحروم ممنوع من الكلام، كنت كمن يقف أمام كاهن يبوح له بكل الاعترافات، أتطهر على طريقتي الخاصة، بعض الذنوب صغيرة يمكن غفرانها لي وبعضها استحق عليها عقاباً، بعضها لا يستوعبها عقلي المحدود، وبعضها كهذه المطاردة تتقاضى الثمن وتمضي، لكني دوماً أفرغ هنا كل أثقالي، إلى أن يصيبني العجز يوماًًًً و أنوء بكل الحمولة..!

تشوه العزف الذي كنت أتمايل معه، صار نشازاً، والنساء يتمتعن بالقهوة المُرّة، يتلذذن بها ويطلبن المزيد، يتراقصن أمامي بالسواد كأنهن في مهرجان أو كرنفال، يتحدثن بعبارات لا ألتقطها، تتعالى أ صواتهن في أذني فأستهجنها، تتداخل مع معزوفتي الداخلية، إنهن يزعجنني، أنا المخدرة والقابعة في عالم آخر، إنهن قبيحات بلا حس يمثلن أدوارالحكماء. تكسر مجدافي وفقدت أجنحتي، لم يبق لي جناح، حتى الريش لم أعد أقوى على لمه، كل شيء يتطاير بعيداًًً و أحتضن الغبار.. أختنق بالغبار. يحاولن علاجي برذاذ من العطر، أرفضه. ليس ذاك العطر الذي صنع العالم، اختلط ساعتها الضحك عندي مع البكاء، لم أكن أعرف قبلاًًً كيف يمكن لإنسان أن يبكي ويضحك في آن. قالوا لي إنها طيور الجنة ترفرف...

غادرت المدينة في وقت هبّت فيه العاصفة الترابية مرةًً أخرى، لكني كنت أحمل معي سكينةً جديدة لاشبيه لها، وطوال طريق العودة كنت أفكر بكل ما حدث معي...

ها قد وصلت إلى منطقتي والتقيت جارتي أم محمد في الشارع:

أرجوك يا حياة كنت أبحث عنك لأن ابنتي بحاجة لبعض الدروس الخصوصية في اللغة.

كيف نسيت يا إلهي مشكلتي الرئيسة, أين كنت؟ ما الذي جرى لعقلي؟

كنت أعاني من ضائقة مادية لدفع أجور القسط الأخير إلى الجامعة، الحمد لك يا رب.. أخيراً سأستريح.

بحثت طويلاً عن مفتاح بيتي في الحقيبة، عثرت عليه بصعوبة، ربما

موج البحر بضحكته الساخرة مني يحجب نظري، كأنه يحذرني ألا أنسى جبروته وألا أعانده ثانية.

تهرع ابنة أخي الكبرى نحوي:

عمتي لقد جاءت طفلة صغيرة، أعادت لك معطفك الأسود الذي فقدته، و أبلغتني أن أوصل لك رسالتها بأن تنتبهي فلا تضيعيه ثانية.. لأن الجو بارد هذه الأيام..

استلمت المعطف منها ولأنني لم أملك تفسيراً أخذت في الضحك..