Facebook
الحداثة في الشعر.... بعبع يخيف الجمهور PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: مجدي ممدوح   
الأحد, 21 تشرين1/أكتوير 2012 22:44

mjde
أصبحت الحداثة الشعرية تمثل حاجزاً بين الشاعر والجمهور, وأصبح هناك أزمة حقيقية في التلقي، واتخذت هذه الأزمة بعدين، الأول يخص النص الشعري الحداثي, والثاني يخص النص النقدي الحداثي، حيث أن النص النقدي فاقم هذه الأزمة، وعمل على توسيع الهوة (القائمة أصلاً) بين الشاعر والجمهور. ومشكلة التلقي مشكلة قديمة قِدَم الشعر.

فالنص الشعري نص متمنَع بطبعه، فعندما اعترض البعض على أبي تمَام بسبب غموض شعره قائلين "لماذا لا تقول ما يفهم" أجابهم ولماذا لا تفهمون ما يقال"، وهذا بالطبع يؤشر بوجوب توفَر مستوى من الذوق والوعي لدى المتلقي حتى يكون قادراً على تذوق النص الشعري، وهذا بالطبع ليس موضع استهجان من قبل متلقي الشعر، ولكن الغموض والإبهام المتزايد للنص الشعري الحديث, وبالخصوص منذ ثمانينات القرن العشرين زاد من صعوبات التلقي, حتى انتهى الأمر أخيرا إلى فطيعة شبه تامة بين الشاعر الحداثي وجمهوره.

ويبدو أن هؤلاء الشعراء( الحداثيين) لم يلقوا بالاً لهذه القطيعة, بحجة أنهم لا يكتبون للجمهور, وأصبح الشعراء (أدونيس مثلاً) يصرحون بأنهم لا يكتبون للجمهور وهم لا يعرفون الا ما يكتبون, وهناك بالطبع عوامل كثيرة أدَت إلى تفاقم هذه الهوة، أهمَها التطور الكبير الذي طرأ على مفهوم الشعر في الأدب العربي, متأثراً بالتيارات الشعرية التي ظهرت في أوروبا, كظهور قصيدة النثر, وبالخصوص إبداعات شارل بودلير, التي كان لها أثر كبير على نتاجات الشعرية العربية، وعلينا أن نتذكر دائماً أن الوتيرة التي تسارع بها تطور القصيدة العربية خلال نصف القرن المنصرم كانت مفاجئة وصادمة لجمهور الشعر، فلقد أنتجت الشعرية العربية ثلاث تحولات كبرى في بنية القصيدة, ابتداء بقصيدة التفعيلة وانتهاءً بقصيدة النثر.

ورافق ذلك تغيرات جذرية في مضمون القصيدة, حتى وصلت في شكلها الحالي إلى شكل مغاير لا يمت بصلة إلى مفهوم الشعر كما ألفناه في العصور السابقة. وتبعاً لذلك فان وعي الشاعر العربي وثقافته قد تضخمت إلى حد بعيد, حتى تجاوز هذا الشاعر كل الحدود والأدوار التقليدية المرسومة لهُ، فمع دخول الحداثة إلى عالمنا العربي منذ النصف الثاني للقرن العشرين فان العرب لم يعرفوا سوى الحداثة الشعرية، وبقيت الحداثة الفكرية والفلسفية والاجتماعية متأخرة نسبياً، لقد كان رواد الحداثة في وطننا العربي هم الشعراء، لقد اضطلعوا بدور خطير في نقل الحداثة الغربية إلى مجتمعهم, وفرض هذا الدور عليهم فرضاً، فكان الشاعر هو المثقف والمثقف هو الشاعر، كان الطابع الشعري لحداثتنا المستوردة مهيمناً في ظل غياب السرد المتمثل بالرواي,ة وكذلك غياب أو ندرة التيار الحداثي على صعيد الفلسفة والفكر, هكذا ظهرت الهموم الفكرية والفلسفية في قصيدة الشاعر الحداثي, ما أدى إلى زيادة الغموض والإبهام وجعلها ليست في متناول الجمهور أو القاريء العام.

ولقد ساهمت مجلة "شعر" في استفحال ظاهرة الغموض والإبهام في الشعر الحديث . وهناك عامل لا يمكن إغفاله ساهم في هذه الظاهرة وهو رد الفعل العبثي الذي لجأ إليه الشعراء نتيجة الإقصاء والتهميش الذي تتعرض له الثقافة عموماً من قبل المجتمع، حيث أن مجتمعنا كان ولا يزال ينظر إلى المبدعين بعين الريبة بوصفهم لا يفعلون شيئاًَ حقيقياً, مما حدا بالشعراء إلى الاغتراب والانكفاء وفقدان التواصل مع الجمهور, والإغراق في الإبهام كرد فعل غاضب تجاه التهميش والإقصاء، حيث أن الغموض جاء احياناً متعمداًَ وعبثياً.

في ظل هذا المأزق الخطير الذي وصل إليه الشعر وهذه العلاقة المتأزمة بينه وبين الجمهور، كان من المؤمل أن يضطلع النص النقدي بالمهمة التقليدية التي كان يضطلع بها على الدوام وهي تجسير الهوة بين الشاعر والجمهور من خلال تفسير النص وتحليله ثم تقويمه، ولكن النص النقدي الحداثي لم يقنع بهذه الوظيفة التقليدية التي جعلت منهُ على مر العصور نصاً تابعاً للنص الإبداعي، يدور في فلكه، ويستمد منهُ المعاني والمضامين، فالنقاد أدخلوا تقنيات جديدة وفعالة في مقاربة النصوص لم تكن موجودة من قبل فلقد أفادوا من المعارف الفلسفية والتحليل النفسي، وتقنيات الألسنية في مقاربة النص, ودخول المقاربة البنيوية بواسطة بعض النقاد الذين نقلوها عن الغرب (كمال أبو ديب مثلاً)، كل ذلك أدى إلى تطور النص النقدي وتضخمهُ حتى بات يقف على قدم المساواة مع النص الإبداعي ولا يقل عنهُ شأناً، وبات النص النقدي يطرح نفسه كنص له بنية مستقلة غير مرتبطة أو محتواة في النص الإبداعي.

وهكذا جاء النص النقدي ليزيد من الهوة التي تفصل الشعر عن الجمهور, ويعمقها, ويتمرِد على دوره التقليدي، وبسبب سوء الترجمة الذي رافق نقل النقد البنيوي الأوروبي وخاصة على صعيد المصطلح، وبسبب الفوضى التي رافقت استعمال المصطلح النقدي، أضحى النص النقدي الحداثي عبارة عن طلاسم لا يستطيع فهمها حتى مبدع النص نفسه, ناهيك عن المتلقي العادي، وأصبحت البنيوية تقترن في ذهن بعض القراء بالسوريالية والدادائية، وإذا كان بريشت اعتاد ان يضع أمامه على منضد الكتابة دمية قرد مكتوب عليها "حتى أنا يجب أن أفهم ما يكتب" فان البعض علق على كتابات البنيويين العرب قائلا:ً يجب عليهم أن يضعوا دمية بروفيسور مكتوب عليها "حتى أنا لا أستطيع أن أفهم ما يكتب". ومع أن هذه الموجة انحسرت بعض الشيء لتهافت التحليل البنيوي وانزواءه وقيام المترجمين العرب بوضع منظومة من المصطلحات النقدية الواضحة "مما خفف من سوريالية النص النقدي الدنيوي" إلا أن هذه المشكلة لم تزل قائمة مع دخول مناهج نقدية جديدة كالسيميائية.

ومن الملاحظ أن المقاربة التفكيكية للنصوص الإبداعية لم تعرف طريقها إلى النقد الأدبي لغاية الآن نظراً للغموض والالتباس الكبير والتنوع الواسع في الرؤى الذي يحتويه هذا المنهج النقدي حتى في ثقافته الأصلية, مما جعل النقاد يتجنبونه، ولم اطلع بهذا الخصوص سوى على مقاربات تفكيكية لنصوص فلسفية، كالمقاربات التي أجراها على حرب لبعض الفلاسفة، وأرى بوضوح أن هذه المقاربات كانت سطحية وأوحت للبعض بسهولة المقاربة التفكيكية، فلقد كان على حرب يعمد على الدوام إلى قلب المراد من النص فإذا كان مبدع النص يتكلم عن البطولة فهذا يعني انَه يخفي الشعور بالجبن وإذا كان يتكلم عن العقلانية فهو يعني نزوعه الخرافي، والحقيقة أن البعض استسهل المهمة، ربما تكون هذه إحدى تقنيات التفكيك ولكن ليس بالسهولة التي أوحت لها مقاربات على حرب، ومن المؤمل أن يقوم التفكيك في حال انتشاره بين النقاد بالمساعدة على إنارة النصوص الإبداعية وفك ألغازها شريطة أن لا يساء استخدامه كما حصل مع التحليل البنيوي.

وقد كان للقفزات الكبيرة التي قفزها النص النقدي العربي أثر كبير على بنية هذا النص زاد من غموضه وعدم تماسكه، فلقد قفز هذا النص من الكلاسيكية إلى الرومانسية ومن ثم إلى الواقعية لكي يقع بدون مقدمات في فخ البنيوية في أوائل الثمانينات، لقد استنفذ كل هذه التيارات النقدية في اقل من ثلاثة عقود، بينما استلزم تطورها في الغرب عدة قرون، وهذا ساعد على فقدان النص النقدي لهويته وعدم الاستناد إلى بناء تراكمي معرفي.

وعلينا التنويه أن النص النقدي العربي لم يتوقف طويلاً أمام مدرسة النقد الجديد الانكلوسكسونية والتي كان من روادها اليوت وشولتز وريتشاردر والتي تسيدت الخطاب النقدي الغربي منذ العشرينات وحتى الخمسينات من القرن العشرين وخف بريقها بعد ظهور تقليعة البنيوية، ومدرسة النقد الجديد من المدارس المهمة التي لفها النسيان وانحسرت عنها الأضواء بلا مبرر اللهم الاَ اللهاث وراء الجديد، دون أن تستنفذ هذه المدرسة إمكانياتها، وأرى أن النص النقدي العربي يتوجب عليه الإفادة من تقنيات هذه المدرسة وآلياتها في تحليل ومقاربة النصوص لان هذه المدرسة اتسمت بالموضوعية والعقلانية بعيداً عن ضجيج التقليعات الحداثية وما بعد الحداثية.

ان الأزمة التي وقع فيها النص النقدي العربي تنبع بالدرجة الأساس من عدم الاستيعاب الشامل للمناهج النقدية وأصبحت الممارسات النقدية تجزيئية، بمعنى أنها كانت توظف بعض التقنيات التحليلية لبعض المناهج دون ان تلم بالمنظومة المعرفية التي تستند إليها هذه المناهج مما جعل بعض النصوص النقدية هزيلة وسطحية بل ومضحكة احياناً.