Facebook
ضياع في حفر الباطن .... PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: رحيم حسن عبود   
الجمعة, 03 آب/أغسطس 2012 21:35

iraqkee
لست ناقداً محترفاً ولكنني امارس النقد كلما تطلب الأمر ذلك أو متى ما رأيت أن هناك ضرورة للنقد ، النقد الفني هو التذوق ( Art Appreciation ) في أعلى مستوياته.... والناقد الفني هو من يحاول تفسير وتوضيح العمل الفني ، فقد يفسر معاني الرمز أو قد يتتبع البناء التشكيلي للعمل ويكشف عن دلالته التعبيرية وقد يصف من خلال ما تذوقه في العمل التأثير الذي ينبغي أن يكون لهذا العمل على المشاهد. " لهذا اتمنى من الجميع ان يعي اني كتبت هذا الموضوع من وجة نظر الناقد المتلقي ....

========================

انا متابع جيد للاعمال العراقية الدرامية منذ ان كان عمري 6 سنوات وشاهدت تقريباً كل تاريخ الدراما التلفزيونية العراقية .. وعندما سمعت ان شبكة الإعلام العراقي ستنتج مسلسل ضخم يتحدث عن حرب الخليج 1991 شعرت بالفرح لوجود هكذا عمل درامي توثيقي لكن فرحتي تبددت بعد ان سمعت ان مؤلف العمل هو عبدالكريم العبيدي ( روائي وصحفي ) والسينارست هو احمد السعداوي ( قاص وصحفي ) والمخرج هو مهدي طالب وهؤلاء لم اسمع بهم من قبل في الدراما العراقية بأستثناء مهدي طالب الذي عمل مونتيراً في عدة اعمال اهمها ( الحرب والسلام ) للكاتب حامد المالكي والمخرج السوري تامر إسحاق لذا كنت اتوقع ان المسلسل سيفشل على الرغم من وجود مجموعة كبيرة جداً من نجوم الدراما العراقية في هذا العمل خاصة وأني التقيت بمجموعة من ابطال العمل وابدوا تذمرهم من تأخر إنجاز العمل وبعضهم فكر في الانسحاب ولم اكن مصدق عندما اعلنت العراقية عن عرض المسلسل خلال شهر رمضان المبارك ، جاء رمضان وشاهدت العمل وبدأت اكوّن ملاحظاتي واندمج في مشاهدة العمل وقد لاحظت ردود الفعل الأولية لدى المشاهدين الذين يتابعون هذا العمل الذي يعد ملحمة درامية تستنطق الذاكرة لتروي لنا الوجع العراقي وارهاصات النفس الكسيرة التي عاشها المواطن العراقي وهو يخوض الحرب تلو الأخرى وكانت ردود الفعل هذه في معظمها إيجابية ..

في البدأ اقول اني لم اكتشف جديد في اداء الممثلين الذين قاموا بتمثيل هذا العمل فكلهم نجوم مبدعين كعادتهم لكني اكتشفت ان الدراما العراقية كسبت كاتب درامي جديد هو عبد الكريم العبيدي وكسبت سينارست جديد هو السعداوي وكسبت وجوه جديدة موهوبة ولكني سأركز في كلامي على المخرج مهدي طالب ..

صحيح أننا في منتصف العمل ولا تزال هناك حلقات اخرى لكنني سأركز على الجوانب الفنية لهذا العمل !..

منذ رحيل المخرج ( المصري ) ابراهيم عبدالجليل الذي اخرج جواهر الدراما العراقية ــ الذئب وعيون المدينة والنسر وعيون المدينة والدواسر وجرف الملح وأيلتقي الجبلان وفلم فائق يتزوج ــ منذ رحيل هذا المبدع والدراما التلفزيونية العراقية تفتقد الى المخرج الذي يهتم بكاركتر الشخصية وتفاصيل المكان أو المشهد وحركة الكاميرا بأستثناءات قليلة لبعض المحاولات ..

المسلسل صور في بغداد والبصرة وصحراء ذي قار ، وكانت حركة الكاميرا في الفضاءات المفتوحة ، اللقطة الطويلة (LONG SHOT ) ويتم من خلالها التقاط منظر عام بمساحة مفتوحة غير محددة ، وهي حركة حرة اعطت للمشهد بعدأً صورياً ترتاح له عين المشاهد كما حصل في الاهوار أو صحراء حفر الباطن ، اما اللقطة المتوسطة (MEDIUM SHOT) فهي لقطة تكشف المكان وتغطيه وتعرف به وهذا ما استعمله المخرج في المحلة والمنظمة الحزبية والاسواق ، لكن براعة مهدي طالب تجسدت في حركة الكاميرا في الفضاءات الضيقة ( البيت البصري والبيت البغدادي القديم ) والتي استخدم فيها المخرج اللقطة الكبيرة (CLOSE SHOT ) ونجد ان حركة الكاميرا في هذه اللقطة كانت ذكية في استخدام الزوم أو الحركة من الأسفل الى الاعلى أو العكس ، ولم يكتفي بالحركة الجامدة للمشهد بل بذل جهداً في نقل الكاميرا في المشهد الواحد من التصوير عبر النافذة ثم نقلها في نفس المشهد الى الغرفة لتتحرر وتتحرك مع حركة الممثل ومن ثم إعادتها الى الخلف ، كما انه لم يكتفي بهذه الطريقة بل لجأ الى التصوير من مكان مرتفع أو العكس مع الأخذ بالاعتبار الأضاءة المحترفة التي كانت تضفي على المشهد الواقعية والاقناع ، وكان موفقاً في اختيار مواقع التصوير بأستثناء موقع الهور الذي كان يحتاج الى ملامح واقعية اكثر تقربه من صورة الهور الحقيقي الذي يؤوي المعارضة والذي عادة ما يقع في العمق من هذا المسطح المائي !....

كانت هناك مبالغة في بعض المشاهد التي تتعلق بالرفاق الحزبيين لكنها لم تكن مؤثرة ، ولم تعجبني حركة الجنود اثناء القصف أو القتال لتكرار حركة الجري ( غير العسكرية ) العشوائية إذ يفترض ان تكون حركة الجندي محترفة داخل الخنادق لا فوقها !!، كما أن من بديهيات حركة الجندي عند سماعه دوي انفجار هو الانبطاح على الارض لتقليل الاصابة بشظايا القنابل .. مع هذا استطاع المخرج ان يعيدني لأجواء الحرب والخوف واللحظات القاسية التي عشتها كـ شاب تلقفته جبهات القتال وكمواطن شهد لحظات العوز والحرمان والظلم فكانت تنزل مني دمعة احرص على لا يراها ابنائي سائلة على خدي الذي الهبته في وقت مضى نيران الحروب !!

اعجبني جداً التركيز على كاركتر الشخصية من ملامح وملابس وأكسسوارات تتلائم مع المشهد ومع اللحظة التي عاشتها الشخصية كما كان يفعل ابراهيم عبد الجليل ، وكان بارعاً في تقطيع المشهد الى 4 أو 8 مقاطع أو اكثر ولا اقصد التقطيع الصوري بل تقطيع مشهد الصورة لاعطاء مزيد من الاهتمام بتفاصيل المكان والديكور ( كل مقطع صغير يمثل مشهد خاص يفضي لكمال المشهد العام ) وهي الطريقة التي يستخدمها المخرجون العالميون في هوليوود .. ولم يغفل الاجواء والروحية ( النفسية والبيئية والذائقية ) التي كانت سائدة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لأسعاف الذاكرة بتلك الفترة لتكون مصداق للصورة والمشهد مع وجود المؤثر الآخر وأقصد به الموسيقى التصويرية التي وضعها الموسيقار السوري ــ رضوان نصري ــ وكانت معبرة عن الاحداث الجارية في المسلسل بطريقة مؤثرة ، ولا أنسى أغنية المقدمة لفاروق العبدالله التي كانت تلخص مضمون العمل وما جرى في تلك الفترة القاسية على العراق والعراقيين على الصعيدين الفردي والجمعي ..

شيء آخر افرحني في العمل هو ضخه مجموعة كبيرة جداً من الوجوه الشابة المميزة والموهوبة التي سيكون لها شأن في الدراما العراقية ..

في الاخير استطيع القول ان الدراما العراقية انطلقت بقوة ولن تتوقف إنشاء الله ..