Facebook
العقل الداخل في العمل الروائي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: هادي الحسيني   
الثلاثاء, 17 تموز/يوليو 2012 14:24

al7osene
ان المنجز الفني الروائي سوف لم يرتق نحو فضاءات شاهقة ما لم يمسك الكاتب بادوات وقنوات اللغة الحديثة ، اللغة المتصاعدة والنامية داخل منظومة معرفيات وداخل حقله الاحصائي المعني باكتشاف المفردة اللاذعة المكونة نسقاً من الجمل والصور المركبة فنياً وبطريقة تمت بصلة فكر الكاتب داخل ذلك الحقل الخاص به . ولان الوقت دخل السرعة المحتملة وفق رؤى النقد التقليدي والمعاصر في اللحظة ذاتها ، اصبح من المنطقي هضم كل أمكانيات المنهجيات الحديثة المتعلقة بكتابة النص الروائي او غيره ، إذ انه من الذكاء ان يحضى الكاتب الحي على القدرة النقدية المتناغمة وتدفق فكره بموازاة النص الذي يجتليه او الذي يمليه عند بداية الخيط الاول من بزوغ النص نفسه وبذلك يمكن للكاتب ان يسترسل في الكتابة الروائية من غير ان ترتبك احاسيسه الفنية والابداعية ، لكن مع ذلك يتعين على الكاتب الحديث ان يطلع على جميع المحدثات والتقلبات والتحولات في المناهج النقدية الحديثة المتعلقة في اللغة وجنس الادب ، وعلى سبيل المثال فأن البنيوية والسيمائية والتفكيكية تعد من اهم المنهجيات الاساسية التي نهضت على القوة اللغوية المعاصرة ، وهذا من المؤكد سيقود الكاتب الى دراسة مناهج التحليل النقدي واللغوي وبلورات وفق رؤية استقواء ابعاد الظاهرة اللغوية الحديثة .

الامر الذي يدفع الكاتب المثابر الى البحث عن مرتكزات العمق في المبحث اللغوي الحديث واهمها اللغة والبيان والتزامن والتعاقب والدال والمدلول وعلاقات التتابع والترابط . لم يفق الكاتب على استحلال عمله إلا بشعوره الخاص والمثير واللاهث وراء المنطقة الادبية التي يحتلها او يشتغل فيها نصه الذي نضج بعد انهاء عصارة الافكار في عمله المتواصل عبر ايام او شهور او ربما سنين ، كما حدث عند غابريل ماركيز او فؤاد التكرلي او حيدر حيدر او عبد الخالق الركابي وغيرهم ، وهذا يعني ان أغارة الكاتب على سطح اللغة وهواجسها وميكانيزم تطورها سوف يقلق اعماقها وعناصرها المختفية ، حيث سيتأهل قطعاً على السيطرة الكاملة على منابع كثيرة تخص مصادر تدفق مياه اللغة التي ستخصب مساحات واسعة من الاخيلة والافكار الجامدة وبذلك يكون للكاتب معاييره الخاصة في خلق الاتزان الجاد لان يجر النص الروائي الى حيث يريد ومع ذلك ايضاً فأن الصعوبات والمعوقات من الايحاءات اللغوية والصور المظلمة التي تواجه الكاتب خلال كتابته للنص سوف تتحلل تحت قاعدة الماكنة في ادارة اللغة بشكل معاصر ودقيق حيث تتطلب تلك الادارة خصوصية في الحصول على معرفة احتياط تلم بشواذ اللغة اذا ما برزت نتوءات مفتعلة داخل عملية الكتابة برمتها عندما تكون حالة الكاتب النفسية متوترة او العكس هادئة جداً جراء اندفاعه السايكلوجي نحو الكتابة .

اقول ان القوانين الوضعية الخاصة بكتابة الفن الروائي لم تكن على أية حال في حالة استاتيكية بل هي في مجرى التطور الموجب ، السائر في القانون الفني مادام مجرى اللغة ينحدر هو الاخر بوازاته وعليه فأن مجمل العمليات الناشئة في العقل واللغة سوف تاتي من الوعي النظري والتاريخي بالوقائع التي تخص الفن الادبي بوجه عام لكن الكاتب الروائي يتوجب عليه ايضاً ان يتمتع بخيال حي خصب ومرن ، يحتوي على واحات كبيرة يتربع عليها فكره بالدرجة الاساس واقصد هنا الموهبة بعينها .

ان الذين أشتغلوا في الفلسفة والادب واللغة والذين عمدوا الى تحليل النص على اساس الخطابين الادبي والفلسفي ضمن ابتكارهم نظريات فكرية ونقدية جديدة أو وفق تساؤلات العصر اللغوي اذا جاز التعبير التي أثاروها لفهم واستدراك باطن النص أو خفاياه أو انحداراته أو مواصفاته وأنتمائاته , لاح لهم وعبر مدارسهم الفلسفية المختصة بفكر اللغة ونقدها ، انه من المستحيل ايقاف الدور الحر للغة بوصفها متوالية لانهائية من اختلافات المعنى على حد قول جاك دريدا صاحب مصطلح ( التمركز حول العقل ) . ويبدو أن العقل النشط الذي يدور أبداً حول نقاط الجذب اللغوي العالقة في مدارات فيزياء الشعر السردي واعني الحوارات النشطة في نص المادة الروائية ، سيفرز عاجلاً ام آجلاً رموزاً حرة تدغم في سيلها الطبقة السبكية المحفزة لظهور الجدران المتدافعة في غموض النص ان كان الكاتب الحي أراد أن يجعل نصه لغزاً حياً خلال تدافع اللغة المستحدثة عند ايقاع اللغة الموسيقية المشحونة بالشعر ، إذ تبدو الفيزياء المعقدة مطلباً يجعل الموضوعات الادبية مادة للنقد الادبي ، لكن كيف ؟

اعود لاخذ مثالاً على موضوعية العقل الداخل في فن الكتابة واساس اللغة فيه اي بمعنى آخر فأن العناصر الثلاث وهي ، العقل والكتابة واللغة تشكل بكل تأكيد مفهوم الاخلاق وأعني اخلاق الكتابة فجاك دريدا يحاور وينتقد الفكر الغربي باعتباره فكراً متمركزاً حول المنطق بينما أودنيس المفكر والشاعر الفحل يأخذ على الفكر العربي تمركزه حول الوحي . دريدا يدين التمركز حول الصمت ، وادونيس يدين الشفافية او المحكية . اودنيس وجاك دريدا يتفقان بالدعوة الى اللامركز والتعدد وعلم الكتابة ، فيما يسميه دريدا التخريب وادنيس يسميه الخلخة والتفجير ومن المؤكد ان ادونيس كانت لديه مصادره المغايره لمصادر دريدا ولكن عملها واحد , هي دعوة كليهما الى تأسيس اخلاق للكتابة لا تستمد من اللغة المنطوقة بل من الكتابة ذاتها وبذلك تأخذ الاخلاق المنابع الاهم خلال عملية الكتابة لكن القصد من هذا كله هو استدراك المعنى الجمعي من القصدية الحائلة ما بين مفهوم متضادين هما الزمان والمكان باعتبارهما عاملين ملازمين للاخلاق والكتابة واللغة . هنا بالضبط يمكن القول ان فلسفة اللغة والاخلاق تدخل في معايير الكتابة التي تهدف الى الكشف عن ما هو خفي ومجهول ومناط باللازمان واللامكان وكذلك الاعلان عن معرفة الاخرين في غفلة او دراية . ان النقد الادبي والفلسفة ومعاني الضد وعناصر اللغة الحية والتدوين التأريخي للسياقات النصية ومفهوم الكتابة والاخلاق واستقصاء اوزان المدارس المعاصرة المختصة بالادب والتجارب الفكرية النقدية والتحليلية منها هي نقاط او نجوم تظهر في سماء الكتابة الروائية على وجه الخصوص ، تعين الكاتب ان يظهر بمظهر المبدع الحي او النشط الذي يعطي لنا وللتاريخ وللفن الادبي ارقى انواع فنون العقل والعصر وهي الكتابة وكان قد اتفق من ان الكتابة عمل بناء او مشغل لأيقاف الصروح الانسانية بقوة فوق سطح الارض والعقل والقلب والروح والمعرفة . فهي ليست لعبة يقامرالانسان من خلالها لأن يكون معروفاً ، متوهماً اذ ان نسيج الاكاذيب والادعاءات الزائفة والهلوسات المتصلة بالخرف هي نسيج الكتابة في حال انه لم يكن مالكاً شيئاً ليقوله اذا ما تصور بان الكتابة الروائية هي ضرب من الخيال المفزع فقط وعليه أفزاع الآخرين عبر قذفهم بالاباطيل والسب والشتم والادعاء عليهم على سبيل المثال انهم شاذون جنسياً او قتله او لصوص وهذا الانموذج الذي انا بصدده ينطبق على قله قليلة مهمتها في الكتابة مجرد مهاجمة الاخرين ليهاجموهم طبعاً حتى يعلو نجمهم في عالم الكتابة غافلين عن الكتابة الحية المنشودة التي تعمل ابداً على احالة الاشياء والوجود الى اصرار جمالي .

ان هؤلاء الذين يسمون انفسهم كتاباً حسب رأيهم تناسوا تماماً بأنهم وبرغم عيشهم في بقاع جميلة من هذا العالم غير قادرين على استدعاء القبح واحالته الى الجمال عبر فن الكتابة وما عليه الا أن يعود الى مناطق القبح ليعيشوا فيها ومع ذلك فأنا ادعوهم ليقرأوا شروط الكتابة الحية فلربما يصبحوا كتاباً ولو اني في شك من ذلك أقول ان البدعة التي ابتكروها في سردهم التقريري المتواصل والذي يسمونه بالكتابة الروائية والذي ينشأ على محور واحد فقط مبعثه الاساءة الى الاصدقاء الذين التقوهم في منفاهم القسري فالمساكين لم يكونوا سياسيين معارضين ولا مثقفين عراقيين معارضين ، وهؤلاء لم تكن لديهم القدرة على ترميم انفسهم من الاخطاء فعادوا ادراجهم ليفرغوا شحناتهم عبر غدر الاخرين مرة اخرى فواصلوا ذبح انفسهم على عتبة المرض الاجتماعي الذي اصابهم .هكذا يجب ان ننتبه الى موضوعة او علم الكتابة فهي كمن يقوى على حب الناس مثل نبي همه الاوحد حب الجمال والبشر والطبيعة والفضاء والمديات والكون الذي تعب الله في خلقهم لأن يتربع على المعرفة ، ان ندرك الكتابة على اساس انها الفكر الاعظم لخدمة الناس لا الاساءة لهم فتصبح مجموعة من التقارير التي نبعث بها الى الجحيم !