Facebook
تداخل الازمان في ذاكرة بانقيا PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: علوان السلمان   
الجمعة, 06 تموز/يوليو 2012 15:28

3lwaanslmaan
لقد انقاد ايتالو كالفينو في (مدن مرئية) الى مدن الخيال وهو يسمع السلطان(قبلاي خان) حواريات الرحالة الايطالي(ماركو بولو) عن مدن مدهشة مر بها في زحفه من ايطاليا الى الصين.. وبعد عشرات الحكايات عن عشرات المدن يسأل الخان الرحالة قائلا له: لكنك لم تحك لي عن مدينتك البندقية..واذا بماركو بولو يجيبه:انني ياصاحب الجلالة في كل ما اوردت من حكايات لم أكن اصف الا مدينتي البندقية..)

والروائي عبدالهادي الفرطوسي يتخذ من الواقع سردا في (اوراق من ذاكرة بانقيا) ـ سيرة مدينة ـ الصادرة عن دار المعارف للمطبوعات /2012 بفصولها الثلاثة عشر ونصها الموازي.. والتي تبدأ بالكشف كشف ضريح الامام علي(ع) نواة المدينة من قبل صفوان الجمال بعد رحلة مع جعفر الصادق(ع)..

(لما وافيت مع جعفر الصادق الكوفة قال لي:ياصفوان انخ الراحلة فهذا حرم جدي امير المؤمنين..)ص34..

وتنتهي بالبحث الجامع ما بين الاسطورة (سيدوري صاحبة الحانة في ملحمة كلكامش والتي تدعو كلكامش الباحث عن الخلود الى الاستقرار وترك امر البحث.. والرمز جبل شريفان الذي اقتلعته الشفل....

( توقف الفتى لحظة امام واجهة احد المحلات وظل يتأمل نافورة كانت تبعث بمائها المتدفق الى اعلى ..لكن السؤال انبثق في داخله ثانية بصيغة ساخرة:

ـ هل قالت سيدوري ان العشبة نابتة في جبل شريشفان) ص159

فالرواية تزاوج بين الواقع والخيال والاسطورة.. حتى انها اعتمدت الترقيم كي تجعل من المتلقي مشاركا في البناء السردي..وهي متقاربة الامتدادات الواقعية التي تصور سيرة مدينة صاغها الكاتب على نحو تبدو فيه مكوناتها في الظاهر مستقلة..وحقيقة الامر انها منسجمة بائتلاف بعضها البعض وهي تنمو وتتسع بتزامن العمران وتعاقب الازمان..وكل هذا يسير في مستويين متوازيين:

اولهما: المكان الذي يهيمن على سلوك الشخوص والراوي يتعقبه حتى يجعله حاضرا في مدارات النص..

ثانيهما: الزمان التاريخي بكل مدياته..

(الفتى الذي ترك نزيف ذكرياته يتدفق بغزارة ..توقف فجأة عن السير..واحس بالحاجة الى ان يعود ادراجه..لم يعد بحاجة الى مواصلة المسير ..وجد اقدامه تتحرك بدون ايعاز منه ..سار بخطى ثابتة نحو زقاق آل سميسم..ولجه دون ان يلتفت الى الجدران والابواب ..انعطف معه حتى وصل الى نهايته..هناك استقبلته الفنادق ذات الطوابق الاربعة والمحلات التجارية الكبيرة ..قال في سره:

ـ هنا كان جبل شريشفان قبل ان يقتلعه شفل البلدية من هذا المكان قطف جدي عشبة الخلود واعطاها لواحد من احفاده..)ص157..

فالكاتب يسلك طريقا واقعيا بعيدا عن الخيالية..اذ قادته الذاكرة صوب مدينة بانقيا بعد ان استحضر بمهارة الامكنة الواهمة بخيالها فخلطها والواقع.. باعادة تشكيلها مضفيا عليها ابعادا جمالية..فضلا عن ارتباطها بوحدة عضوية وخيال سردي يتحول الى ذاكرة مكتنزة..كونه همزة وصل بين الحلم والواقع..

فالعنوان الدال الاشاري الذي ينبأ عن تنوع السرد بتعدد اوراق الذاكرة.. مفتاح ولوج النص الذي تشكل من نصين الاول نص مواز تاريخي تعريفي وثانيهما السردي..الفني بابوابه الثلاثة عشر الرقمية..

فهو يتحدث عن مدينته بصور بانورامية مع تنقل بين الواقع والمتخيل..لذا فهي تتشكل من جنسين سرديين :

اولهما حكائي تراثي يعتمد المراجع ليدخل مدينته كي يتعرف عليها من الداخل..

(قبل ان يبدأ عمله قرر زيارة الضريح المقدس..

سال نفسه من أي باب سيدخل..

(اقرب الابواب الى قلبه هو باب العمارة او باب الفرج كما يسميه الشيوخ..الباب الذي كان يدخله برفقة جدته في طفولته الاولى ربما لان في ذلك الباب كان يجلس رجلان عجوزان يبيعان الحلوى وكانت جدته تشتري له بعضا منها..لقد رحل العجوزان وظل مكانهما فارغا لم يشغله احد..كما رحلت جدته ..لكن باب العمارة ظل اقرب الابواب الى قلبه..)ص33..

فالمتلقي يكشف من خلال خوضه غمارعوالم (بانقيا) مسيرة هذه المدينة بتاريخها ورجالاتها فتقدم رؤية تتعامل والواقع مع تغلغل في الذات الانسانية..و تجربة حياة بلغة بعيدة عن التقعر ..تغري بالتواصل..كونها تقدم سيرة مدينة نابضة بالحياة وهي تسبح في ثراء مكاني تتحرك فيه الشخصيات التي تسهم في تطور الحدث من خلال استثمار الخزين الفكري الخصب الذي يتزاحم في ذهن السارد من اجل اعادة دينامية تاريخ المدينة..

لقد اعتمدت اوراق من ذاكرة بانقيا التقنية المشهدية اذ يطرح السرد مشهدا ثم يتوقف ويختفي فيتحرك بمشهدية جديدة .. يلخصها هذا المشهد..

(وكان لما دخل الكوفة والقى خطبته الشهيرة فيها.. وكان قد قطع راس مصعب بن الزبير ليرهب الناس فضحك اعرابي بملء شدقيه..فساله الحجاج:

ـ ويلك ما يضحكك؟

ـ لا اخبرك حتى تعطيني الامان..

ـ لك الامان..

فرد الاعرابي بالقول:

ـ دخلت الكوفة فوجدت راس الحسين محمولا على رمح عمر بن سعد..ثم دخلتها فوجدت راس بن سعد محمولا على رمح المختار الثقفي ثم دخلتها فوجدت راس المختار محمولا على رمح مصعب بن الزبير وها انا ادخلها لاجد راس مصعب بن الزبير محمولا على رمحك..فعلى أي رمح ساجد راسك في المرة القادمة..

عندها اتقدت في ذاكرة الفتى صور قائمة لتاريخ اسود وترنم بقول البردوني:

يرتقي الذابحون يهوون ذبحي

استوى الحكم يامدى والقصابة /ص25

ففعل الكتابة فعل تذكر يتم من خلال رسم المدينة بريشة الذاكرة الاولى فتقدم مشهدا مكثفا لما جرى وما وقع وبذلك تكون سيرة مدينة مكون دلالي اجتماعي وسياسي وتاريخي وديني..وهذا يعني ان مساحة السرد تغطي جزئيات وتفاصيل المشهد التاريخي الذي ينطلق من عالم متمرد على اليوتوبيات ومتكئا على الوجود المجتمعي الواقعي وصراعاته التي تسهم في تفعيل المكان وحراكه..بحكم الشخصية الروائية التي هي نسيج جامع ما بين الواقعي والتخييلي..

(القى الشيخ نصر الله الحائري خطبة تحدث فيها عن فضائل الصحابة واثنى على ابي بكر وعمر وعثمان لكنه كسر راء عمر فامتعض الشيخ احمد السويدي أي امتعاض..ووجد في عمل الحائري دسيسة خبيثة غايته منها الانتقاص من الخليفة عمر بن الخطاب..اذ ان عمر ممنوع من الصرف اصلا للمعرفة والعدل..ففي كسره نفي لمعرفته وعدله..

مرت مئات السنين على رحيل الحائري ورحيل السويدي ومعهما نادر قلي وما يزال الفتى حائرا ايكسر راء عمر ام يفتحها وهل يتوجب عليه من الوجهة الفقهية ان يقلد الشيخ الحائري في وجوب كسر راء عمر ام ان تقليد الاعلم واجب في العبادات فقط..)ص38..

فالسرد يسبح في دوائر الميثولوجيا ويعمد الموروث الحكائي والاسطوري المستمد من التراث الثقافي في بناء فضاء النص والتعبير عن الحالة الشعورية للشخصية..

(لقد رصدت عين الكاميرا مشهدا لنساء الثلمة والباب الزغيرة وتحت العلوة وبير عليوي وهن يتجمعن امام مسجد الحنانة ثم يلطخن وجوههن بالطين الحري وينثرن ما تبقى منه على رؤوسهن وعباءاتهن وينطلقن في مسيرة كبيرة مرددات:

(رحنا دفنا وجينا

راس حسين جا وينه)

حين ابصر الراوي ذلك المشهد وسمع النساء يترنمن بتلك الاهزوجة اعلن ان لها اصل موغل في القدم فهي مطلع لقصيدة لانهيدوأنا ابنة سرجون الاكدي..كانت تضعها على شفاه نساء اور..يترنمن بها كلما حل موسم اللطم على الاله القتيل دموزي..ربما ذهب البعض الى الملة فليحة يسألها عن صحة نسبة الاهزوجة الى الشاعر انهيدو انا..)..ص15..

فالكاتب يوظف الموروث التاريخي والحكاية الشعبية الموروثة باعتباره محركا معرفيا رغبة منه في احداث تداخل حكائي يمنح النص حيوية ويكسر رتابة البنية السردية والخطية والانساق المألوفة..

اضافة الى توظيفه الاسطورة ..كونها نتاج معرفي جمالي يجسد وضعا معرفيا انثروبولوجيا..من اجل كسر النمط الخطي للسرد ومن ثم تحرير النص واختبار الذاكرة في نزفها وما يختمر فيها..

(اما النساء الكوفيات فقد ظل نحيبهن يتعالى وهن يودعن ازواجهن الذاهبين الى الموت ثم يلجأن الى التخفيف من عذاباتهن بمشاركة النبطيات مراسيم العزاء على الاله القتيل وهو يغادر هذه الدنيا الى ارض اللاعودة مملكة أيرش ـ كيكال..الى البيت المظلم مسكن اورشالا..البيت الذي لا يبرحه من تركه الى الطريق الذي لا رجعة منه..) ص16..

فصوت السارد المنتج المتسكع في ازقة المدينة يعبرعن الهم الوجودي الذي تختزنه الذاكرة الانسانية المتمثلة بالشخوص التي تمثل حضورها ضمن مشاهد المتن الذي تحكمه تقنية الزمن التي تسهم في تحطم رتابة السرد على وفق تغير المكان واقعا او ذاكرة..لذا فالكاتب يلجأ الى مجموعة من النصوص التاريخية فيسير عنده السرد بخط ثنائي يعتمد الذاتية (الانا) والموضوعية(الاخر)..فيخلص المتلقي الى تعدد ثيمات السرد وموضوعاته التي جسدها السارد مستعينا بذاكرة تحاول تسجيل ادق الجزئيات..لذا ففعل السرد لا يعتمد نمط واحد وهذايعني تداخل البنى السردية في زمن التكوين بالرغم من انه ينطلق من حاضر السرد..ويتجلى الزمن عبر مستويات تتمثل في زمن البحث عن ميلاد المدينة من خلال سارد مستحوذ على السرد من جهة والقاريء للتاريخ والناقل للاخبار من جهة اخرى..

وما بين الماضي والحاضر يسبح السارد مقتنصا اللحظة التي تشكلها عدة عناصر تاتي في مقدمتها السيرة الذاتية للمدينة التي تشير الى منطلق بنائها اول مرة منذ ان دفن في ارضها(السميدع) ..اضافة الى الاستذكار التقانة الفنية التي اعتمدها الراوي..

( ويعود يسأل نفسه:من اين يبدأ؟ أمن اللحظة التي حل فيها الشيخ ابو جعفر الطوسي على هذه القرية الرابضة على ضفاف الصحراء؟أم يتوغل في العمق ليصل الى الساعة التي استقبلت فيها جثمان السميدع العظيم؟ ذلك هو التاريخ الحقيقي لولادة التوية..كلا كان الامر أبعد من ذلك بكثير..يتذكر هذا الامر كلما دخل الحضرة المقدسة ووقف في ابوابها..)ص9..

فالكاتب يركز على العالم الداخلي للشخصية التي تعيش حالة القلق النفسي..عبر لغة يغلب عليها الانزياح في التراكيب بكثافتها وايحاءاتها وتوترها.. والفضاء الذي تدور فيه الرواية بانقيا(النجف) ماضيا وحاضرا..حتى ان تقاطع الازمنة في هذا الفضاء ادى الى تداخلها ..

فالرواية تؤرخ لمدينة فتنهل من مخزون الذاكرة وتعبر بعمق عن دلالات التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية..لذا يعمد الكاتب الى ان يجعل من نصه حاضنة للسيرة..وهو بهذا يعتمد المخيلة السردية في عكس صورة مدينته المتخيلة والفاعلة..بتصوير تفاصيل الحياة اليومية ودقائق العادات باسلوب بعيد عن التعقيد يضع اللغة في خدمة النص والافكار..

لقد اعتمد السارد الحوار بنوعيه الذاتي (المنولوجي) الذي هو حوار الشخصية وذاتها ويتميز بانه حوار فردي تراجعي من الذات واليها وهو مرتبط بالوح الوجداني..

(هنا كان جبل شريشفان قبل ان يقتلعه شفل البلدية من هذا المكان قطف جدي عشبة الخلود واعطاها لواحد من احفاده..)ص157

فالكاتب يضفي على خطابه الروائي بعدا حدثيا(ارتداديا او استباقيا).. اذ يبتعد عن حركة السرد الخطي التتابعي ويعمد الى الحركة التلقائية في مسار الزمن حيث العودة الى الوراء في الارتداد.. والقفز الى امام في الاستباق..وهذا يعني ان حركة الزمن في الحوار الداخلي حركة افقية وعمودية في آن واحد..كما يلعب الوضع النفسي للشخصية دوره في ابراز حركة السرد فتتداخل الازمنة وتتلون الضمائر في مسيرة السرد..

وهناك الحوار الخارجي(الموضوعي)..الذي هو حوار الشخصيات وغياب الراوي السارد نهائيا..

فالراوي يحيلنا الى مدينة لها جذورها التاريخية..والتي شكلت صورة البطل بمعالمها واهلها..اذ تقترن هذه المدينة في المخيلة وجودا مقدسا..

وبذلك نقف امام تجربة يحكمها خيط نفسي ورؤية فنية تمتلك وعيها ببنائها الدرامي الذي اسهمت فيه الصورة والفكرة اسهاما في توتره فكان معبرا عن ازمة ذات.. اضافة الى تنامي صور النص عبر لغة مكثفة الدلالة..خالقة لصورها التي تمثل مزجا بين الازمان وصراع تتآزر فيه علاقات المدينة والرمز ..