Facebook
حــين تبــكي المــدن الجميلة.. PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كريمة الإبراهيمي   
الأحد, 01 تموز/يوليو 2012 18:14

kremaa
" كالجمر هي قلوب الأحبة كلما هب عليها نسيم الذكرى اشتعلت شوقا..إنها لا تعرف الانطفاء..".وهي هكذا ذاكرتي مزدحمة بكَ لا غير، أنتَ وبغداد كنتما أجمل حريق تلذذت به.."البارحة بالحلم.شابك الغالي.حاضن الغالي. وك صحيت منوم تن الحضن خالي".

في كل مرة أستنجد بصوت غير صوتي، بأنا غير أنا فلا أعثر إلا على الحريق الممتد بجوانحي وزئير ريح تهز ما تبقى من تماسك بداخلي..في كل مرة أستنجد بمدينة جديدة فلا تقابلني إلا بدخان اشتعالاتها المتواصلة فأهرع إلى غرفتي الكئيبة ولوحتك الوحيدة..أدير الشريط فإذا بذاك الصوت يؤكد لي أنك مجرد حلم، كان البارحة..كنتُ بصدرك، أغيب بين أضلعك لكنني صحوت وإذا بالحضن خالي.. لا أدري لمَ تتحالف الأشياء مع ذاكرتي وكلما ذكرتك ارتفع ذاك الموال ليزيدني حريقا، ولا أدري من أين لذاك-الساهر-بكل ذاك الحزن، بكل ذاك الحب، وكأنه يحمل بذاكرته كل قصص الحب المحنطة وتجتمع بصوته كل آهات الراحلين والحزانى؟.

اشتقتك يا-علاء-، اشتقت وطنا دافئا يضمد جروح النساء المفتوحة للريح والقهر، أحدق في الجدران

و-بغداد- تأتي بكل حميميتها لتذوب في دمي، أتنشقها مع أنفاسي وأرحل إليكَ في كلماتك عنها،

" بغداد لا تشبه كل المدن..فيها شيء من السحر ينبعث ليشدك إليها..هنا ترك الذين أحبوها أمانيهم..هنا يولد الحب الذي لا يموت..أحدثها عنكِ..عن طفلة الثلج والمدن الشامخة..أحدثها عن الحب الذي اقتسمته الجبال والرجال يقفون في وجه المدافع دون رهبة ويرددون أن الله أكبر..وأن تحيا الجزائر..الله أكبر عليك يا طفلة الجبال ومدن الاستثناء..الله أكبر عليكِ وأنت ترددين لي:بغداد لن تكون لهم ولو أرادوا..".

يا دهشتي المتواصلة،

يا فصولي القاسية دونك يا-علاء-..

أهرب إليك بحرقة الأسفار الجارحة،

أتوسد أوهامي الكبيرة وأستحضرك..

أستحضر رحيلك ذات خريف باهت كوجه المدن الزجاجية المقيمة في عمري المذبوح بالأسى والأمنيات اليتيمة..

أنتظرك ومرارة الحلم في حلقي تحولني جسدا للوحشة والارتعاش، أنتظرك وأعود إلى ذكرى تعارفنا،

لقاؤنا الأول المشحون باللهفة وانطفاء كل منا في الآخر، كان لقاءً ينذر بالحنين والجنون الذي لا يهدأ..

أحببتك وكآبة ليل شتوي تلفني في جحيم مدن فقدت ذاكرتها وتوشحت بالجليد والصراخ،

"أحبكِ"..يأتيني صوتك من الخلف بحرارته المعهودة عبر المسافات والبحار التي لا أعرفها فيعيدني إلى وجهك الهادئ المرسوم على ذاكرة المدى، أستجمع كل طاقتي وألتفت إليك..

كم من مرة كنت أهرع نحوك وبجنون كبير أدفن وجهي في جسدك؟

أمد يداي لأتشبث بأحضانك أكثر،

لكن شيئا ما ينتشلني من التصاقي بك وإذا أنا أحتضن فراغا رهيبا، فأنهار كبناء قديم وأسقط على الأرض..

أماتني رحيلك وقد وقفتَ ذاك اليوم تودعني ويدك تشد على يدي..

-قلتَ:سأحبكِ دائما..صمتُ..

سألتني: لمَ هذا الحزن؟

قلتُ:لأن الأشياء التي أحبها تضيع بسرعة..

قلتَ:لا تحزني أريد أن أحتفظ بابتسامتك في عيني حين أغادر مدينتك.

قلتُ:كأنك لن تعود..

قلتَ:لا نملك ضمانا بالعودة..ولكن لا تحزني..ربما أعود..

غاب صوتي الباكي في عينيك الضائعتين في المدى،

تركتَ يدي بعد أن أودعتها دفئا وزهرة ومضيت مسرعا..

تسمرت في مكاني وكأن جبالا من الجليد تشدني إلى الأرض..

أردت أن أناديك:لا تتركني للصمت والغربة..أحتاجك،

لكن المدى كان قد غيبك وإذا الظلام قد بدأ يلف المكان ويلفني..

مشيتُ وفي داخلي كان الفراغ جارحا وكانت الأشياء تغتسل بدمي الذي بدأ يستنجد بملامحك الدافئة ليستعيد حرارته..

وها أنا اللحظة أنزف وبعنف ولا شيء يوقف عواصفي الهوجاء إذ أصعد شتاءاتي على ارتفاع يصعب النظر منه لأحتضن رياحها وأمطارها الجارحة .

منذ رحيلك وأنا أجرب الهروب من ذاكرتي وأتعاطى كل ما يوحي لي بالنسيان ولكن دون جدوى،

ذاكرتي الآن يحتل مساماتها الخوف الموحش ورجفة الموت التي لا تهدأ..

أرحل من جرح إلى جرح،

تعريني وحدتي من الدفء ووحده الضباب يخفي كل ما حولي،

لكنني لا أنسى ما حدث ولا أنساك، أحبك أكثر كلما دمرني حزن المدن الجميلة،

أحبك والمطر يأتي غزيرا، يفاجئني وقعه على وجهي فأرتعش،

تأخذني إليك لحظة الوجد الكبير إذ أقرأ رسالتك تلك.."..إنها تمطر..أسمع وقع قطراتها في قلبي..تمرين بعيني كوهج مضيء وأنا الليلة حزين جدا..ألواني ترفضني والمكان..تمدين يديك وتجذبينني برفق إلى صدرك..يملؤني دفء غريب فأنسى بغداد والذين مازالوا يتوسدون أيديهم وأكوام الحجارة وينتظرون أن تنبت أحلامهم وأن تضمهم بيوتهم المقصوفة من جديد..".

كم أحزنتك مدن الضياء المُطفأ يا-علاء-، وكم أحزنتني..

-بغداد-كانت موتنا معا،

وهنا كل مدني تبكي..

يهزمني بكاء المدن إذ تفقد إغراءها ونفقد اشتهاءنا للموت فيها عشقا..

أتعبني الحزن يا-علاء-،

وأتعبتني الوجوه المتكسرة في ذاكرتي المدمرة بوطن تغسله الدماء..

هنا اتسع الحزن أكثر ولا شيء سوى وجوه الأحبة التي امتلأت بها ذاكرتي فتحولت إلى كوابيس منذ أودعتهم التراب جثثا مبتورة أو محترقة،

لا شيء يلملم شظايا زمني المذبوح بوجعي الذي لا ينتهي،

انتظرت دائما أن أرى وجها آخر لمدني وأن تبتسم الصباحات الجديدة في عيني..

أصمت، ووجهك يعلو على ارتفاع شاهق، أراك تقترب، تمد يديك إلي وتمسك بيدي، تنفث فيهما وأسمعك تردد:تجددي..

وأحاول أن أقول شيئا،

أن أبقي يديك في يدي لكنك تتسرب كالهواء منهما، أصرخ خلفك لكنك لا تجيب لأن صوتي كان مكتوما..

أقوم إلى رزمة رسائلك أعيد فيها زمني الضائع وأمنياتي المبتورة"..سنقتسم الآتي..سأهديك بيتا من الألوان..ستكونين أمطاري وأحلامي وأصيافي الهادئة..ستكونين ملكة لوحاتي القادمة أيتها المرأة التي تشبه مدينتي الخضراء..تذكري دائما أنك أجمل لوحاتي وأجمل مدني على الإطلاق..".

عشقتكَ بتطرف كبير، أدمنتك حد الامتزاج أيها المرسوم في دمعي وفي تموجات دمي..

هزمني رحيلك وهزمني الوطن الذي زرعوه رعبا ودماء..

ووحده الآن زمني يرحل وترحل معه أحلامي،

كنت أجمل أحلامي يا-علاء-،

وكانت –بغداد-تسكنني بإغراء كبير..

حدثتني عنها وفي حديثك كان الموت يأتي كما الهواء،

اثنين كنا وكان الحزن ثالثنا،

قلت وعيناك تحدقان بعيدا:

القصف كان مروعا يومها،وحدها الطائرات كانت تملأ سماء بغداد..كانت تلقي بقذائفها كما لو أنها تطارد كائنات يجب إفناؤها..كانت أصوات صفاراتها تنذر بالإبادة المؤكدة..تنزل على ملاجئ الأطفال والمستشفيات لتدمرها عن آخرها..

يومها كانت كل الأشياء تصرخ في داخلي وأنا أرى الوجوه المذعورة تحدق في الدمار..كنت عائدا من عملي بمعهد الفنون الجميلة..كنا نحضر معرضا بعنوان-الإنسان..حضارة- لكني رأيت الإنسان يتحضر ليقتل الإنسان وأدركت أننا الشعب الوحيد المتحضر..أخلاقنا تمنعنا من الغدر ومن قتل الأطفال..

دمروا مدننا وأحلامنا،

تركونا مبتوري الأعضاء..

في تلك الحرب فقدت –بغداد- وجهها،

فقدت رجالها، تحول عنفوانها دمعا وهي تعرض أطفالها ونساءها على الشاشات لتستجدي كرم الآخرين..

و-بثينة-رحلت احتجاجا على موت الأطفال بردا وجوعا..

واحتواك الصمت فجأة..كنت تضغط على يديك بقوة..نظرت في عينيك..كان دفء حزين يملؤهما..

صمتُ بدوري وكأن الاسم انتشلني من عالمك وأعادني إلى لحظة وقوفنا معا والمساء قد بدأ يرحل..

لم أشأ أن أسأل ولم أشأ أن أعرف شيئا عن اسم لفظته أمامي في لحظة حزن..

قلتَ وكأنك شعرت بما يدور في داخلي:

--بثينة- كانت إحدى طالباتي بمعهد الفنون الجميلة..كانت جميلة كالحلم..أحببت فيها مدني الجميلة وعوالمي السحرية المليئة بالحب والأمنيات اللذيذة..

-بثينة- كانت –بغداد- حين تضحك و-بغداد- حين ترسم و-بغداد- حين تطوقني بذراعيها وتقول:

-بغداد تحتل كل لوحاتك، تستولي على كل أحاسيسك وأنا حبيبتك لم أحظ بلوحة واحدة..هذا كثير..لولا حبي لك لقلت إن بغداد في ذاكرتك امرأة فاتنة تدين لها بولاء كبير.

أحببتها كما نحب شيئا دون غيره..يشدنا دون غيره ويبعث فينا أحاسيس مميزة..ودافئة..

كانت ترسم بأصابع تحترق بوجع-بغداد-،

ألوانها حزينة كشوارع-بغداد-..

أرادت أن تضم-بغداد-بين راحتيها أو في أجفانها المرتعشة تحت المطر البارد وهي تغادر المعهد لتقدم المساعدة لأولئك الذين يصارعون الموت..

كانت ترافق أختها الطبيبة إلى حيث الأطفال يتضورون جوعا.ثم يموتون..في المستشفى أو في الملجأ..

حاولت أن أرافقها لأني لم أستطع منعها من الذهاب إلى المستشفى حين يكون القصف شديدا..كانت بنظري تكبر وكنت أحبها كل يوم أكثر..

لكن الموت كان يختبئ لها في سيارة الإسعاف تلك فاحترق جسدها الصغير واحترقت معه أجمل أحلامي.. يومها رأيتُ-بغداد-ملفوفة في رداء أبيض وتخرج لتوديعها،

رأيتُ فرشاتها وألوانها تبكي..وكنتُ أبكي..

تركتني أنكسر على بوابات المدن الجريحة أحاول أن أنسى،

أحاول أن أكتب تفاصيل أيامي الآتية دونها،

اختبأتُ خلف ألواني ولوحاتي ورحت أرسم مدنا لم أرها ولم أعرفها،

رسمت مدنا كثيرة تتشابه أحيانا وتختلف أحيانا أخرى،

لم أرسم-بثينة- أبدا،

ملامحها غابت في المدن التي كنت أرسمها،

وغبتُ أنا في لوحات المدن الخيالية،

كنتُ أنتظر مدينة ما أحط بها وكنت أدري أن ثمة مدينة تنتظرني، تفتح بواباتها لي،

أنتِ مدينتي تلك، أنت كل المدن التي رسمتها بلا ملامح وها أنا أراها الآن واضحة..

أحببتكَ يا-علاء- بحجم كل المدن التي عشقتها والتي لم أزرها،

أحببتك بحجم –بغداد- و-بثينة- وذاك الوجع الذي لم ينته بعد،

أحببتك بحجم دماري ودمار مدني..

وها أنا بلا أنت..وبلا مدن..

ها أنا أقرأ عن الرسم وعن المدن وأحزن عليك في مدن فقدت بالحب،

ها أنا أقرأ عن-مانيه- يوم ظل يرسم تلك المرأة التي عشقها لسنوات فأبدع لوحة-المرأة العاصفة- التي خلدته،

أحبها وقتلها بعدها بمجرد لوحة فلمَ لمْ ترسم أنت –بثينة-؟

عرفت بعدها أنها لم تكن امرأة، كانت مدينة ..

"..مازلتُ أفتش في لوحة بغداد عن تفاصيل صغيرة..عن ملامح ضاعت مني قَبلاً..مازلت أداعب حزنها وعنفوانها، مازلت أعبر دروبها وحاراتها بحثا عن وجه ألتقطه من مطرها الدافئ..أراك تتمددين على ذراعي ثم ترتسمين على لوحتي البيضاء..أراك تأخذين فرشاتي وتلونين وجهها، ترسمين بغداد بكل تفاصيلها الحميمة.."..

أتذكر رسالتكَ وأتأمل أوراقي البيضاء وألواني المكومة في الزاوية..

ها أنا ذائبة في عمري الأشياء، وها أنا وحدي يا-علاء- وأنت لم تعد معي..

لا شيء سوى ذاكرتي المعلقة على ارتفاع شاهق..

موجعة وحدتي يا-علاء-،

موجع موت الأحبة، ووجهك يلمع في الأفق ثم يأتي ليتسع في عيني،

كنتُ هاربة إليكَ من زمني المشتعل نارا فدمرني صمتك الذي طال،

كنتُ يومها أستعد للرحيل معك،

كنت أجهز ذاكرتي بألوان جديدة وأعد أحلامي بأن تزهر هناك في –بغداد-،

وكتبت إليك..وعادت رسالتي..

كتبت من جديد وأعاد البريد أيضا رسالتي،

لم تعد تستلم رسائلي،

اعتقدت أنك غيرت عنوانك وانتظرت رسائلك،

وبدأت أتعب مع الانتظار..

تصورت كل ما قد يمنعك من أن تكتب إلي..

خمسة أشهر ولا شيء سوى انتظارك وتصفح المجلات التي تأتيني مبللة بدموع النساء وصراخ الأطفال، وكان أن قرأت اسمك في زاوية ما من تلك المجلة..

صرخت بأعلى صوتي ثم هويت على الأرض..

استيقظت ووجهك يتوحد بعيني وبكل ما حولي،

أرتعش والدمع يغسلني.. تحولت كل الأحلام في عيني إلى رماد،

ولم أعد أهتم للآتي ما دمت لن تكون معي..

لن نؤسس ذاك البيت الذي اقتسمنا لحظات الحلم به،

قلتَ لي:"..سأسكنكِ بيتا من الحب..سأرسم وجهك على كل زواياه..وسأحبك كل يوم أكثر..سأتدفأ بك من برودة الأيام وأزمنة الجليد.."..

أتأمل اللحظة لوحتي-فرح-..لوحتك لي..وأبكي في صمت..

أقلب دفاتر العمر ويرتسم وجهك في خيالاتي وعلى هذه الجدارات الباردة،

يداي مشدودتان إلى صدري وأوراقي البيضاء تستفزني..

--"..حاولي أن تجددي أشياءك..تجددي دائما..وُهبت( سيبل) في الأسطورة الحياة الدائمة إنما لم توهب الشباب الدائم..أبولو غني لي قالت..قيثارتي ينقصها الدم..الوهج..المطر..قالت (سيبل): بالحب جددني..كان البحر صامتا والسماء وكان غمام أزرق ينهض من صدر البحر ويتسلق الأفق..لمح مثل قطعة برق تسقط، وفي قلبه ترتمي وسمع مثل صوت المطر..اغتسل حتى صار قلبه مثل مرآة..احتضن أبولو قيثارته وغنى..هكذا تجددت (سيبل)..".

-بالحب جددني..

قالت سيبل..ثم تجددت..

ذائبة أنا في الزوايا الملتوية والفصول الباردة،

غني لي يا-علاء-، اعزف من بقايا دفئك في دمي، دفئني فهذا الزمن بارد جدا،

ابعث وصاياك في ذاكرتي لأقف دون أن أرتجف،

خائفة يا-علاء-،

أرصفتي ضائعة ومدني هاربة..كل مدني ترحل..

أتحرك في فضاء هيولي و أبحث عني فلا أجدني،

وأجدك ممزوجا بأنفاسي ودمعي المنسكب،

جددني يا-علاء-.. أعد لي إغراء المطر ونشوة الأمسيات، افتح شبابيك وهجي وأقماري واغسل ذاكرتي من ظلمتها.

ارسم بغداد بعيني ولو وهْما..

أردت أن أرسم لكنني لم أجد سوى الفراغ..فمن أين أبدأ؟

أردت أن أضحك من جديد فباغتنني الحزن كعادته وكل مدني تبدأ صباحاتها بسيارات الإسعاف وانتشال الجثث المحترقة،

وها هي –بغداد- تبكي مرة أخرى،

ها هم يقصفونها وها أنا يقتلني رحيلك إذ أتلقى أخبار الدمار وموت الأطفال،

ها أنت تموت بعيني إذ تُقصف –بغداد-،

وها مدينتك التي عشقناها معا تمنحني إياك صريعا..

ومدني التي أحب صارت أكثر رغبة في قتلي،

المدن حين تفقد دفئها، تفقدنا قدرتنا على حبها،

وهنا بدأت أنسى شكل المدن وفرحة الأشياء، بدأت أنسى وجه البحر الذي غادره عشاقه، وبدأت أنسى أيديهم المتشابكة..

مشيت في جنازة أحلامي يوم قرأت اسمك في زاوية تلك المجلة، وفي مدني المنهارة حاولت أن أوصد ذاكرتي وأتعلم البكاء دون دموع،

-تجددي بالحب.. وتجددت (سيبل)..

حدث ذلك في الأسطورة..فكيف يحدث معي؟ كيف أتجدد وكل المدن لا تبيع إلا الريح وحزمة جراح؟.

لم يتبق منكَ سوى شيئين:لوحتك لي..ورسائلك..

تسقط ذاكرتي وأوراقي وكل هذا الشوق إليك في دمعي المتجمد هنا في مدينتي الرمادية..

كم تمنيت أن نلتقي في زمن آخر يا-علاء-.. أن أرسم في وجهك قصائدي التي لم أكتبها وأطلب إليك أن تنسى كل نساء الماضي وأن أكون امرأة ألوانك..

تمنيت أن نطير معا في فضاء بعيد وأن نصير شيئا خفيفا يعلو حد النجوم فندسها في يدينا لتضيء مدننا المظلمة..تمنيت أن تعمدنا بغداد في فراتها لنستيقظ ذات صباح مطعمين ضد الموت والحرائق..

لكنني أستيقظ دونك ولا شيء غير مدن ما تزال تبيع الموت والأحلام المهشمة..أخرج قلمي وأخط:"

كوني مدينتي بغداد،

كوني عشقي الأجمل..

مدن كثيرة تركتها دونك تحترق، يأتي إليها الموت متنكرا في سيارات فخمة، في هدايا ثمينة وفي حقائب أحبة نفترق على أمل لقائهم بعد حين..

وجئتكِ أحمل أحزاني كلها وكَفَن تركته خلفي،

وإذا أنت تلجئين إلى صدري ذبيحة كمدني.. من تراه يحتمي بالآخر وكلانا ذبيح؟

و من تراه يكفكف دمعنا وكلانا يحتاج إلى صدر؟.

يا وجعي، يا نصفي المقطوع، ضميني جسدا جليديا وامتزجي بي عسانا نصير واحدا فينسحب البرد ونهزم غربتنا..

أفتش عنكَ هنا..في مدينة عشقناها معا، أفتش عنكَ في شوارع فقدت أسماءها ووجوه فقدت أُلفتها لكنني لا أجدك..أناديك بحزن مدن منهارة أن عُد..جددني يا-علاء-..تطل علي عيناك من الأفق:

-المدن الجميلة لا تنكسر تذكري ذلك..

تسافرُ في الأشياء، تحملني في اتجاهات مختلفة ولا شيء يشدني غير وجهكَ الممتزج بعيني، لا شيء غير رائحة قلبك الأخضر المزروع بصدري..

أحملك أنتَ.. ومدني الحزينة..وما تبقى في يدي من حلم لم يحترق وأمتزج ببغداد التي تغسلني بمطرها وشمس تشرق من بعيد..