Facebook
وحي الغياب PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: فاطمة محمد الفضلي   
الجمعة, 22 حزيران/يونيو 2012 08:27

lo7a
أجلس في كهف المساء اليرخي سدول الحزن عليّ، ناثرةً أوراق الصباح المتخفي أمامي دونما معنى، يا تُرى أللموت تجسيد فيتفلسف الراغب فيه متى ما شاء؟ أم أنه عنفوانُ متخيِّل أبى التعريف عن نفسه؟ كانت تلك التساؤلات محفورة على الأوراق، مثبتة إياها لئلا يغادرني الحزن.

( أتقدّم للصخرة أسألها ): أمِن سبب لوجود هذا الحزن الكوني؟ هزّت الصخرةُ كبرياءَها لتعصف بالريح التي تجلب إلي ريشة من ذاك الطائر المخضّب بآهات المحنة وأوجاعها؛ رسمتْ فلسفة انطلقت رائحتها مليئة بمناشدة تلك الفتاة الطاهرة له بأن يأخذها إلى حيث النبع الذي يسقي الكونَ طهراً، بمختلف الصيغ طلبت ذلك مع علمها بأنهم رحلوا، لكن القلب يأبى إلا أن يراهم في الوجود، إنّهم كذلك أيها الزمن؛ الحاضرون دائماً حيث ارتسامات شمسٍ أفلت مخلّفة ظلها المنتظر، وتطلّعات قمر مصرّ على الظهور أبداً؛ ليذكّرنا بمن لُقّب باسمه.

أخبرتني الريشة أن أذهب إلى ذاك المكان العطِر، وأسأل ذرّات رمله عن تاريخ مَنْ مرّوا عليها.

لا أستطيع: أطلعتُها.

اذهبي وإلا ستعيشين حزن الصّخر وتعب الجدران.

سقطت على يدي قطرة من الماء المعفّر الملقى على تلك الأعمدة المتضوّعة نوراً... يا إلهي ! إني أرى فتحات تتشابك لتعانق شيئاً ما؛ عناق يملؤه رونق قدسي ممتد من المكان، عناق يجذب الزهرات الآتية لتكتسب من جماله ألوانها، ومن ضيائه مصدراً لحياتها، لا داعي للشمس فهنا نبعها، سمعتهن يتهامسن: لمَ لا تذهب فتسأل الرمل عن تاريخ مَنْ مرّوا عليها.

استيقظت وأنا في ذاك الكهف التعيس، آهٍ لمَ استيقظت، التفتُّ حولي وإذا بالأوراق تبدلّت زهرات، كانت مبتلّة بالندى، سألتها عن سرّه فقالت: نحن نبكيهم كل يوم فتتطهر خلايانا بذاك النّدى، مسحت بالقليل منه وجهي فغادرتُ إلى تلك الرمال، وأخيراً وصلت إليكِ، ترجّيتها آخذة قطفة منها في يدي لعلها تتخضب بطهرها، أخبريني عن حياة مَن افترشوك.. أجابت: أوَ لا ترين الشحوب النتكحّل به؟ أوَ لا ترين الحزن اليجتاحنا فيسكننا بلا مغادرة؟ إننا أحفاد تلك الرمال التي ماتت معهم، لقد ماتت لئلا يمر عليها غيرهم فتتدنس، أورثتنا شيئاً واحداً فقط دونما إخبار عن تفاصيل الأسى الحلّ بها، أورثتنا صبر الانتظار، ذاك الانتظار الفاتح عينيه أبداً من دون انغلاق.

احتفظت بتلك القطفة في يدي، غرست فيها الوردات، سقيتها بالدمع الندي، ورسمت ذاك المنظر الجميل بريشة المأساة، كبرت الزهرات؛ فغرستُ شوكتها في يدي ليمتزج نداها بدمي فيكسبني انتظار الرمل لمشاهدته، آهٍ أيها الحزن المخلوق بعدهم، لقد ملأت قلبي، فجعلت دمعتي ترفض النزول، بل تصعد إلى خالقها على ظهر تلك الريشة فتشكوه ما شاهدت، تعانق لحنَ من فارقت دون أن ترى، وتسأله الرؤية الكبرى.

انحنت الشمس ونثرت حزنها الأحمر على العالم، طلبت من الطائر أن يستعيد جزءه، أيقظني بأخذه الأمانة، وإذا بي أشاهد ما رسمت عيناي في نومها بريشته، لم أشأ أن تُغمَض عيناي ثانية، وإذا بالرمل يستدعي أجداده، وبالوردات تتكاثر بفضل ما رأيت.

الأربعاء 07 / 12 / 2011 م ( 11 محرّم _ 1433 هـ )