Facebook
الخزانة المحفوظية ...محفوظ ضد محفوظ . PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: حسن مجاد   
الإثنين, 11 حزيران/يونيو 2012 16:54

hassenmajed
قال الفراهيدي (175هـ) في العين: خَزنَ الشيء فلان يخزنه خزنا اذا احرزه في خزانة، واختزنته لنفسي، خزانتي قلبي، وخازني لساني، ج4\209. وقال ابن فارس (395ه) في معجم مقاييس اللغة: الخاء والزاي وال...نون أصل يدل على صيانة الشيء، يقال خزنت الدرهم وغيره خزنا، وخزنت السر، مادة خزن: 178.

ترتبط دلالات الخزن المعجمية بنوع المخزون وأهميته، فالخزن محاولة للحفاظ على أصل الانواع ومقاومة لتعرضها لاحداث العطب والتلف الطبيعية والسياسية، وهو خزن يخفي المخزون عن الانظار ويكسبه جانبا من الرمزية والقدسية، ومن هنا يصبح المخزون مقاوما لهزات التاريخ الكبرى التي تشعل نيرانها في ذاكرة شعب ما يشكل المخزون هويته التاريخية والعقدية والدينية. لهذا ارتبط المخزون دينيا بدلالات الجبرية تنزيلا وتأويلا، على حين يرتبط فلكلوريا بدلالات الحفاظ ببقايا الغائبين وشواهدهم استذكارا لهم وتفجعا عليهم مما لحق بهم من صروف الدهر ونوائبه.

من هنا تكتسب الخزانة بعدها الرمزي في تكوين المستوى الطبقي في المجتمع، وتصبح السياسات القمعية مهددة بانقراضها وزوال سلطانها، لانها تسللت خارج وصايا المخزون المشبع بالسرية والخفاء ويبقى متلفعا بحكايات المهمشين التي تنسج وتحاك في ظل غياب القدرة على التغيير والفعل الثوري، وبشكل وآخر ولسبب وأكثر تعمل السلطة على احتواء المخزون وإفراغه من محتواه التاريخي والدلالي، ثم مع التطور يصبح بالإمكان تحويل مسار المعنى الى مركز الهيمنة، ولنا في التراث شواهد ووقائع على احراق الكتب وتخزينها على حد سواء، وأصبحت الخزانة مؤسسة تديرها السلطة بكل تجلياتها الدينية والسياسية، ويصبح مكان وجودها في قلب الصراع الديني المقموع والتنابز السياسي، يصبح في العواصم الكبرى التي انتجت التاريخ وساهمت في تكوينه، لعل اقربها الى الاذهان تاريخيا خزانة الاستانة، وحملات المستشرقين والرحالة الاجانب والقساوسة والحاخامات ومشاهير رجال السلطة. من هنا هل يمكن ان تتحول عشرات الدراسات والمقالات الصحفية والدوريات الكبرى بمعظم لغات العالم الحية والكتب والدراسات النقدية وسلسلة الاطاريح والرسائل الجامعية في الجامعات العربية والعالمية على اختلاف توجهاتها ومنطلقاتها الفكرية والفلسفية ومقارباتها المنهجية حول نجيب محفوظ وأدبه وسيرته، الى خزانة كبرى لنجيب محفوظ، لا بالمعنى الرسمي للكلمة بل بالمعنى الفني؟ ان عوالم محفوظ الروائية تحمل من التلغيز الشفيف والسرية ما يشكل سمة بارزة.

ان محفوظ يعمل على خزن معناه بستائر وأغطية لا على نحو التعمية والابهام الذي يدلل على عقم التجربة بل على نحو الخيال الخلاق الذي يعيد قراءة الواقع بشكل مغاير، من هنا يمكن ان نصف عوالمه بخزانة الادب الحديث، أو بتعبير يدل على سمته وسمته بـ"خزانة المكتبة المحفوظية."

ولعل هذا الوصف يقودنا الى التفكير بصياغته وجدوى محتواه الثقافي في سياق التحولات التي عصفت ببنية المجتمع العربي الذي عاش على الامال والاهداف الكبرى.

هل يمكن لنا ان نقرر هكذا سلفا ان رحلة الرواية العربية بصحبة قافلة نجيب محفوظ تبدأ مسيرة أخرى وتتخذ لها طريقا مختلفا على اختلاف تحولات التجربة المحفوظية ونضوج الوعي الفني بمعمار البناء وحساسية الرؤية للواقع تمثلا وانعكاسا؟ هل يمكن ان نجعل محفوظا مركزا لاستدارة فن القص العربي الحديث في المنتصف الثاني للقرن العشرين على طول رحلته الشاقة ومسيرته المتعثرة؟ وماذا بعد ذلك نجني من ثمار نضجت تحت أفياء شجرته المباركة وسقتها يداه؟ دعونا نشتط قليلا لنستحضر صورة الرجل القابع تحت نظارته، الرجل الذي يتجول مع صحيفته صباحا ويحتسي الشاي في المقاهي ويتبضع في الاسواق. يصفه رجاء النقاش في كتابه "في حب نجيب محفوظ": "يمشي على قدميه منذ نصف قرن خمسة كيلو مترات كل يوم.. ولم يغير هذه العادة في أي يوم من الأيام". للوصف دلالات تقترن بزمن كتابته التي جاءت بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل في تشرين الاول 1988 تتجلى بإبراز صبر محفوظ وحساسيته العالية في المثابرة والمواصلة.

ترى هل يمكن ان نكتشف تاريخا آخر للرواية خارج ملاحم نجيب محفوظ وانتصاراته وهزائمه معا؟ تلك هي العقدة التي راح ضحيتها كثير من الادباء، عقدة الشعور بالهيمنة والإقصاء والوقوع في دائرة عالم محفوظ الروائي. ترى من يستطيع ان يقرأ في عيون ابطاله الحالمين والمهزومين والمصابين بالدوار الثقافي والمأزق النفسي كلهم جميعا بلا استثناء... من يستطيع ان يقرأ في عيونهم عيونه ويلحظ هذا التخفي وراء أقنعة الشخصيات دون ان يرمى باشتطاط التأويل او زيغ البصر أو في أحسن الاحوال الاقتراب للوجه دون ان يصل لقفاه؟ انه عالم يشيده ببساطة لا متناهية ويعقده بعمق ثري على حد سواء، وهذا ما جعل تجربة محفوظ ثرية على مستوى الاداة الفنية وسعة في افق الرؤية للعالم وعصية على القراءة الاحادية، وثراؤها يستقطب القراءات والشروح والتفسيرات المتعددة والمحتملة التي لا أرجحية لأحدها على الاطلاق، انها تبقى قراءة على نص، وتلاوة لطرس لا تمنع من الوقوف على اركانه.

من هنا أدرك محمود امين العالم لغز التجربة فسمى كتابه "تأملات في عالم نجيب محفوظ"... تأملات في عالم فسيح ومترامي الاطراف، وهذا ما قاد الدكتور عبد المحسن طه بدر للوقوف على الرؤية والأداة معا في تجربة محفوظ وملاحقتهما في سياق تطور التجربة الفنية والبحث عن جذورها الاولى وروافدها التي غذتها بالخصب والجفاف والطراوة والعمق، مستبعدا القراءات القسرية التي حاولت ان تلج التجربة من خارج حدودها وتفرض رؤى وتصورات مسبقة على النص المحفوظي.

محفوظ في كل ذلك وجه جاد في النقد الادبي والدراسات الادبية، ولكن هل نلمح له وجوها بصيغة اخرى، تعرض محفوظ بصيغة ميلودراميا؟ ترى هل يمكن ان نؤرشف لصحافة محفوظ؟ بصيغة أخرى هل يمكن ان نتلمس حجم النقد الصحفي على اختلاف توجهاته وطرائق مقاربته حول نجيب محفوظ؟ كم ستساعدنا صورة محفوظ في الصحافة العربية لفهمها واستيعاب مضامينها؟ ترى ماذا لو قام أحد فناني الكاريكتير لرسم صورة محفوظ ونشرها واذاعتها؟ ستكون هناك مئات الصور تقرأ جوانب من سحنة محفوظ الخلقية وتبرز الدلالات النفسية والسياسية في ملامح معبرة. دعونا نتصور هكذا صورة لمحفوظ يبدو فيها رأسه صغيرا على حين تبدو نظارته كبيرة جدا، ترى ماذا يعني كل هذا؟ دعونا نتصور سوية صورة لمحفوظ يرتدي فيها ملابس نادي الزمالك الرياضي! الا يغضب عليه جمهور الاهلي ويثيروا سخطهم عليه؟! ترى كيف يمكن لنا ان نقرأ صورة لمحفوظ كاريكاتيرية تصور التدهور الثقافي والانكسار العربي في ابهى عصوره الفضية؟ هل وقع محفوظ أسيرا للعبة النجومية التي حضي بها وهل نالت من اصالة تجربته؟ هل شعر بنشوتها الى الحد الذي كان عليه ان يتجاوزها؟ أم أرقته وعملت على تعذيبه؟ قد تكون الاسئلة ساذجة، غير ان الاجابة في غاية الخطورة لاسيما اذا عرفنا حجم الوعي الذي تركه محفوظ في جيل من الشباب العربي والجامعي في خمسينيات القرن الماضي وازدياد وعيه ونضوج رؤيته، كل هذا نستطيع ان نقرنه بما احتفظت به ذاكرة شبابنا اليوم من صورة شاحبة وغبش في الرؤية الى حد الجهل به. ترى كيف ينهار فجأة نجم بكل المعاني الثقافية ويتلاشى في ذهن شبابنا الى الحد الذي لا يعرف؟ لا اعرف مقدار المأساة ان ضممنا اليه طائفة من النخب الثقافية التي تحولت الى نجوم كبرى في جميع الفنون والمعارف، فالقائمة تطول وذاكرة جيلنا اليوم تمحو. لا اقول هذا الكلام بصدد الانتصار للقديم بلهجة أكلوني البراغيث أو الحنين الى ماض لا يعود، بقدر ما أحاول ان افسر عبر تناثر الاسئلة حجم ذاكرة جيلنا الان وما يحفظ لمحفوظ وام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وغيرهم من صور ومواقف.

ان ما كتب عن محفوظ وحوله متعدد ولا يمكن حصره. اذ انه يشكل مكتبة في الادب العربي الحديث ونقده. ويمكن لنا ان نضيف تعبير لويس عوض في هذا الصدد الذي اسماه بـ"المكتبة المحفوظية". فقد تعددت دور النشر والمطبوعات حول الظاهرة المحفوظية نقدا ودراسة، على الرغم من اننا لا نطمئن لما يعرف بظاهرة محفوظ كتوصيف نقدي راج واشتهر بفعل الماكنة الاعلامية والأقلام الصحفية والملفات الدورية والأماسي الاحتفائية في معظم العواصم العالمية الكبرى من موسكو الى برلين، من لندن الى باريس، وجوه تتعدد لمسمى واحد شغل الساسة والاقتصاديين، واختلف حوله اليمين واليسار بكل التناقضات الحادة التي عاشها العقل العربي بصيغته النخبوية وبتجلياته الشعبية.

اختلف حوله كثير وبعضهم من عده خارجا على النظم القبيلة حتى تعرض لحادث اغتيال في مساء يوم الجمعة 14 تشرين الاول 1994 وللتاريخ دلالة تقترن بتغير المشهد السياسي العربي برمته بعد الحروب التي خاضها في مشرقه، وترتب على ذلك الانفصام والانعزال بين الدول العربية ما وسع دائرة مسرح الصراع الديني المتطرف، الذي يعيد الى الاذهان صورة التحول الاولى وبواكيره الواضحة في التنازع والتناحر والاقتتال التي عصفت بالمجتمع العربي في ظل سياسات التجهيل والخراب التعليمي والتدهور الاقتصادي، فضلا عن تردي انماط علاقة العالم العربي بمحيطه الاقليمي والدولي، من لحظات الحلم على ظهور دبابات الثورة الى لحظة الغثيان على سلم أوركسترا الهزيمة والنكسة.

مع محفوظ وعوالمه نستطيع ان نقرأ تاريخنا القريب، فعلى الرغم من معمار البناء الفني ودقة احكامه من عدمه إلاّ انه استطاع ان يقدم نماذج روائية يتفحص من خلالها خلل التركيب في نسيج المجتمع المصري من البلطجية والفتوات والمثقين وانصاف المثقفين بأوهام احلامهم. ومع محفوظ يمكن ان نقرأ تاريخ الموظف في الدوائر الحكومية العربية ولحظات صعوده الكبرى على أشلاء الاخرين. نماذج مهمة من الطبائع البشرية: سالم الاخشيدي في القاهرة الجديدة، وسرحان البحيري في ميرامار، وعيسى الدباغ في السمان والخريف، وغيرهم.

في كتابه "دراسات في النقد والادب" يصف لويس عوض المغامرة النقدية حول نجيب محفوظ وادبه: "ما عرفت كاتبا من الكتاب ظل مغمورا مغبونا مهملا عامة حياته دون سبب معلوم، ثم تفتحت أمامه كل سبل المجد دفعة واحدة في السنوات الخمس الاخيرة دون سبب معلوم ايضا مثل نجيب محفوظ وما عرفت كاتبا رضي عنه القديم والحديث ومن هم بين بين، مثل نجيب محفوظ، فنجيب محفوظ قد غدا في بلادنا مؤسسة ادبية او فنية مستقرة، تشبه تلك المؤسسات الكثيرة التي تقرأ عنها ولعلك لا تعرف ما يجري بداخلها، وهي مع ذلك قائمة وشامخة، وربما جاء السياح، أو جيء بهم، ليتفقدوها فيما يتفقدون من معالم نهضتنا الحديثة، والاغرب من هذا ان هذه المؤسسة التي هي نجيب محفوظ ليست بالمؤسسة الحكومية التي تستمد قوتها من الاعتراف الرسمي فحسب، بل مؤسسة شعبية ايضا يتحدث عنها الناس بمحض الاختيار في القهوة وفي البيت وفي نوادي المتأدبين البسطاء"