Facebook
مربديـات هادئـة PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: علي عبد الستار   
الخميس, 24 أيار/مايو 2012 21:04

3li3bbd
يقول هيرقليطس "لا يمكن للإنسان أن يستحم في النهر مرتين" إلا أن "عمالقة" الثقافة العراقية المنتهية الصلاحية من الناحية الفكرية والثقافية تريد أن تثبت لنا، وهي تراوح في مكانها، ان هيرقليطس قد توهم وبإمكاننا ان نستحم في النهر أكثر من مرة. المربد خير دليل على ذلك فأخذ "العمالقة" يتجولون بنا بمهرجاناتهم من فشل إلى آخر، ويعطون ظهورهم لكل من حاول أن يجدد أو ينتقد فشلهم.

غاب الشعر وحضر الشعراء

لم أجد من الناحية الادارية أو التنظيمية لمربد ما بعد الجاهلي والسلطوي أي شيء جديد، ولم أكن شاذا حينما قلت إن المربد يدار بطريقة نمطية وتقليدية، ربما وينجز بفكرة بقيت جاهلية.

تخوف اغلب الذين شاركوا في المهرجان من ان يتحول المربد الشعري من تظاهرة ثقافية إلى نشاط اجتماعي، الهدف منه اللقاء بالأصدقاء والأحبة."

هذا لا يعني أننا غير قادرين على صنع ما هو أفضل من المربد وان نتجاوز المشاكل التنظيمية. على العكس تماما، قبل ايام قليلة قال شاعر في حديث فيس بوكي "كثير من الشعراء الذين حضروا المربد كانوا قادرين على صنع ما هو افضل من هذا المربد، ولكن المشكلة تنظيمية صرف تحتاج الى عقل ثقافي جريء لا يجامل ويمتلك تصورات عن الطبيعة المعاصرة لأسلوب تقديم الشعر وتنظيم مهرجاناته" ويضيف قائلا " الان توجد مشكلة إرضاءات وتمشية حال وقصور في فهم أشكال الثقافة في عالم يزهد بالثقافة". المشكلة الاخرى التي اشار اليها هي ان "كثيرا من المتصدرين للعمل الثقافي هم من الذين (لا يندل ولا يخليني ادليه) حسب اغنية قديمة."

الفريد سمعان

من المعروف ان الاحتفاء برموز ثقافتنا العراقية يكون على مستوى انجاز المحتفى به وما قدمه للثقافة العراقية، اما ان يكون التقييم بالمحتفى به على مستوى نضاله السياسي فهذا امر غير مقبول أبدا، ومما يحزن اكثر انني رأيت الفئة الاكبر تتحدث عن الفريد سمعان كمناضل أما الابداع والانجاز فيبقى لديهم في المؤخرة، وكأن الانجاز الادبي شيء لا يهم. وهذا ما يصر عليه البعض أشد الاصرار لاسم مثل الفريد سمعان الذي حمل دورة المربد الاخيرة.

أزعجَ حديث على الفيس بوك عن هذا الموضوع العديد من المثقفين، وكشف ان ثقافة الكره والتهجم ما زالت على قيد الحياة، ولكن قبل ان ادخل في تفاصيل حديث الفيس بوك، أود أن أعترف بأن ثقافتنا (نحن شباب الجيل الجديد) كانت من خلال القراءة والمتابعة، وعرفنا الفريد سمعان اولا كإداري في اتحاد الادباء ومناضل سياسي، لم نكن نعرفه كشاعر. لا تسألوني كيف؟

أنا نفسي لا أعرف !!

أعلنت في الفيس بوك باني لست شاعرا، كاتبا، أديبا، إعلاميا، أنا لست مثقفا، وأشرت بأني واحد من جمهور الثقافة العراقية الذين انقرضوا وسوف ينقرضون بسبب رغباتنا وتحيزنا والمديح الذي نرفعه الى السماء مرة ونسقطه مرة اخرى، وقلت ايضا متعجبا عن سبب تسمية هذا المربد بدورة الفريد سمعان!!

ماذا قدم الفريد سمعان ؟!

وبعدها غنيت "ون بوية ون يا محلى ونات الحزن" حسب الاغنية العراقية.

لا يوجد رأي مخالف

رغم اني انطلقت بسؤالي عن الانجاز الإبداعي والشعري للفريد سمعان راح الجميع يذكر لي نضاله وتضحياته من صغره والى قطار الموت وكأني لم اعرف الفريد سمعان أبدا، وهذا ما يدل على سياستهم حسب مثلنا الشعبي "يثرد بصف اللكن".

مثلا أتت الينا رجاء الربيعي (التي تعمل في اتحاد الادباء كموظفة في تنظيم الهويات وطباعة البيانات) معلقة على موضوعي بكل "ثورية" وقالت ساخرة مني ومن الشباب: "علي .. لست انت من يحكم على المشهد الثقافي في العراق، يعني الفريد سمعان اسم وعلم في الثقافة العراقية لم يهادن مع الحكومات الغابرة.. اعتقل وسجن وعذب وكان احد ابطال قطار الموت وبقي على قيد الحياة رغما عنه وليس انتم من يحكم على العراق و مناضليه وانتم فعلا من انتم.. بالكاد تعرفون ايامكم القادمة انظروا الى ما تحت اقدامكم وستعرفون من انتم.. انتم فقط ناقشوا موضوع ريال مدريد وبرشلونه وصديقك "باك محفظتك" او ان وصلتم للثقافة الكبرى تقرأون خاطرة قديمة وتنسبوها انها لكم.. تحياتي لكم شباب العراق الباكي"، ومن بعدها جاء الينا نبيل عبد الامير الربيعي المثقف الشيوعي مؤكداً على حماستها قائلا "تسلمين ست رجاء ايتها الوطنية الغيورة هذا الجواب هو حقيقة قد عاشها المناضل الفريد سمعان صاحب الفكر الشيوعي النير. تحياتي القلبية يا غالية."

ايتها الوطنية الغيورة !!

اما نحن الذين نشكك بأي شيء او ننتقد احدهم نصبح رجعيين لا نتملك شيئاً من الوطنية.

كان سؤالي عن انجاز السمعان ابداعيا وشعريا، لم يكن سؤالي عن نضال الفريد سمعان، ولكي اريح البعض احب ان اقول لهم انا اعرف نضال الفريد سمعان جيدا وحتى في الفترة الاخيرة، فذهب من المربد (البصرة) مباشرة الى كردستان ليلتحق مع رفاقه ويشارك في المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي العراقي، وبعدها اعد المؤتمر حفلا تكريميا للفريد سمعان وعندما اعتلى المنصة ودموعه كادت تنفجر قال ناذرا عمره "ولو منحت ثمانين عاما أخرى، لمنحتها للحزب".

انظروا كيف اعرفه، انه مناضل يا اصدقائي رجاء ونبيل وغيرهما، فأتمنى ان لا تدخلوني في درس نضال الفريد سمعان، وان تجيبوا عن سؤالي: ماذا قدم الفريد سمعان ابداعيا وشعريا؟ ومن باب التشديد ادرج لهم سؤال اخر: هل مثل هذه الحادثة النضالية التي سمعناها على لسان الفريد سمعان تحسب على نتاجه الإبداعي وتقيمه؟

اعود بكم لقصة عنوان القسم الثالث من هذه المقال "لا يوجد رأي مخالف" هل تعرفونها؟ انها محاضر اجتماعاتهم الحزبية التي كانت تذيل بفقرة "لا يوجد رأي مخالف"، ويروي عبد الحسين شعبان في حوار له مشيرا الى هذه الفقرة وهو يقول "قد اصبحت تلك من صلب الانجازات الحزبية، التي يتباهى بها البعض". ربما هذه الفقرة قد كانت ارثا متواصلا مع اجيالهم النضالية وها نحن نراها في تعليقاتهم، كتابتهم، تعاملهم مع الاخر.

لا يوجد رأي مخالف

ماذا قدم الفريد سمعان؟

لا يوجد رأي مخالف

وتبقى ازمة المربد هكذا، وأزمة ثقافتنا، وأزمة احترام الرأي الآخر حتى وصلت الى محطة القطار الذي أخذنا من فشل الى آخر.