Facebook
الـشـاعـرُ بـعـد مـنـتـصف كـأس الـهـذيـان PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: مكي الربيعي   
الإثنين, 21 أيار/مايو 2012 11:44

makee
نشرت هذه القصيدة في جريدة ايلاف وفـي مـواقـع عربـيـة وعراقـيـة كـثـيـرة فـي 16 /9 / 2004

الـقـصـيـدة تـؤجـلُ مـوت الـشـاعـر .

هـكـذا يـظـنُ ، يـصـفـقُ طـائـر الـحـروف بـجـنـاحـيـهِ ويـطـيـرُ ، يـدورُ دورتـيـن ،

ثـم يـحـطُ لـيـحـفـرَ بـئـراً عـمـيـقـةً فـي الـكـلامْ .

يـصـرخُ صـوت الـعـريـف مـن خـلـف الـشـبـاك :

الـشـاعـر . أصـيـحُ أنـا ، واقـتـربُ ،

الـوجـه الـمـطـلُ مـن وراء الـشـبـاكِ يـنـظـرُ إلـيّ بـريـبـةٍ ويـعـيـد أوراقـي الـثـبـوتـيـة .

اصـرخُ فـيـهِ :

أنـا الـشـاعـر ، يـضـحـكُ مـن خـرفـي هـازئـاً ويـدفـعُ يـدي بعـيـداً عـن الـشـبـاك .

أقـسـمُ لـهُ بـأنـي الـشـاعـر . أفـتـحُ أزرار قـمـيـصـي وأريـه عـصـافـيـر الـضـوء

الـتـي حـطـت عـلـى سـلـة قـلـبـي .

الـشـرطـي الـواقـف عـلـى الـشـبـاك يـمـسـكـنـي مـن ذراعـي ، يـخـتـطـف مـن بـيـن يـدي الأوراق ويـبـعـثـرهـا فـوق الأرض ، ومـن ثـمـة يـسـحـقـهـا بـبـسـطـاره .

يـنـفـتـحُ الـشـبـاكَ ثـانـيـة ويـصـرخُ الـصـوت :

الـشـاعـر ، انـدفـعُ نـحـوهُ بـقـوةٍ وأنـا الـتـقـطُ جـثـث قـصـائـدي مـن فـوق الأرض .

أقـولُ لـه :

أنـا الـشـاعـر ، وأكـشـفُ لـهُ عـن جـسـدي . أريـهُ آثـار عـربـات الـحـروب الـتـي

تـركـت سـرفـاتـهـا عـلـيـهِ ، وأنـا أشـيـرُ بـيـدٍ مـرتـجـفـةٍ لـنـدوب الـشـظـايـا الـتـي

اسـتـوطـنـتـهُ ، أريـهُ عـيـون الـمـخـبـريـن الـتـي كـانـت لـصـق قـمـيـصـي . أريـهُ

خـوفـيّ الـطـافـح مـثـل الـجـذام عـلـى يـديّ ، أريـهُ تـوجـس أصـدقـائـي مـن صـريـر الأبـوابِ ، ومـائـدة الـعـائـلـة الـمـزروعـة بـصـحـون الـشـكـوكْ .

أريـهُ احـمـرار عـيـونـي ، وقـائـمـة طـويـلـة مـن الـكـتـب الـتـي تـركـتـهـا ورائـي عـلـى الـرفـوف . أصـابـعـي الـمـلـطـخـة بـحـبـر الـكـلـمـاتِ ، صـور أصـدقـائـي الـذيـن أغـوتـهـم الـحـبـال فـأعـطـوا رقـابـهـم لـفـحـيـحـهـا .

أريـهُ مـقـهـى حـسـن عـجـمـي والـبـلـديـات . مـقـهـى الـزهـاوي والـبـرلـمـان . عـارف

أغـا والـبـرازيـلـيـة والـمـعـقـديـن .

أريـهُ الـركـن الـهـاديء ، والـمـرايـا ، وبـار سـرجـون .

أريـهُ شـريـف وحـداد ، والـبـرج الـفـضـي ، وعـرق كـاتـريـنـا الـمـغـشـوشْ ، واتـحـاد الأدبـاء .

أريـهُ مـنـاكـدات حـمـيـد قـاسـم لـشـوقـي كـريـم حـسـن . كـمـال سـبـتـي وهـو يـشـكـلُ رؤاهُ فـي غـرفـة الأخـطـاء . انـتـبـاهـات جـان دمـو ونـحـن نـتـمـشـى عـلـى ضـفـاف نـهـر الـكـوت . سـخـريـة زامـل سـعـيـد فـتـاح ، وعـبـد الأمـيـر الـحـصـيـر ، وعـبـد الـلـه حـسـن ، وهـم يـهـبـون نـعـوشـهـم لـلـفـراغ .

هـوس عـدنـان الـصـائـغ بـأصـابـعـهِ الـتـي شـكـلـتـهـا الـحـروف .

انـفـعـالات عـبـد الـزهـرة زكـي ، وهـو يـقـرأ قـصـيـدتـهُ ( هـذا خـبـزٌ ) لـحـشـدٍ مـن الـفـقـراء آخـر الـلـيـل .

أريـهُ ، امـرؤ الـقـيـس ، وعـنـتـرة ، وابـن الـرومـي ، وديـك الـجـن ، وعـمـر ابـن أبـي ربـيـعـة ، وطـرفـة ابـن الـعـبـد ، ودعـبـل الـخـزاعـي ، وبـشـار ابـن بـرد ، ودريـد ابـن الـصـمـة ، والـحـطـيـئـة ، وجـريـر ، والـفـرزدق ، وأبـا الـعـلاء ، والـمـتـنـبـي ، وأبـو نـواس ، والـجـواهـري .

ثـم أمـدُ يـدي إلـى قـلـبـي وأخـرجُ لـهُ جـيـشـاً آخـر مـن الـشـعـراء .

أريـهُ الـسـيـاب ، وبـلـنـد الـحـيـدري ، ونـازك الـمـلائـكـة ، والـبـيـاتـي ، وسـعـدي يـوسـف ، والـبـريـكـان .

أريـهُ نـزار قـبـانـي ، وأنـسـي الـحـاج ، وأدونـيـس ، ويـوسـف الـخـال ، وأمـل دنـقـل ، وخـلـيـل حـاوي ، وفـاضـل الـعـزاوي ، وسـركـون بـولـص ، وفـوزي كـريـم ، وصـلاح فـائـق ، وشـاكـر الـعـيـبـي ، وعـيـسـى حـسـن الـيـاسـري ، وخـزعـل الـمـاجـدي ، وسـلام كـاظـم نـوري ، وزاهـر الـجـيـزانـي .

أريـه وسـام هـاشـم ، ومـحـمـد تـركـي نـصـار ، وأحـمـد الـشـيـخ ، وصـلاح حـسـن ، وعـلـي الـشـلاه ، وسـعـد جـاسـم ، وعـبـد الـرزاق الـربـيـعـي ، وجـواد الـحـطـاب ، ونـصـيـف الـنـاصـري ، وحـسـن الـنـواب ، وكـزار حـنـتـوش ، وعـقـيـل عـلـي .

أريـهُ ، عـلـي عـبـد الأمـيـر ، وكـريـم شـغـيـدل ، وفـرج الـحـطـاب ، وجـمـال الـحـلاق وهـادي يـاسـيـن عـلـي ، وسـتـار مـوزان ، ومـوت جـرص عـلـى رصـيـف غـريـبْ .

أريـهُ الـفـرات وهـو يـركـضُ حـافـيـاً فـي شـوارع رؤاي ، مـشـهـد الأطـفـال حـيـن يـنـدسـون فـي مـسـامـات أجـسـاد امـهـاتـهـم عـنـد هـطـول الـقـنـابـر . ذؤابـات الـفـوانـيـس الـتـي لـطـخ دخـانـهـا سـقـوف الـبـيـوتْ . مـشـهـد الـنـعـوش الـتـي تـطـرق أبـوابـنـا مـن غـيـر مـواعـيـدٍ .

يـنـظـرُ بـاسـتـخـفـافٍ إلـيّ ويـديـر ظـهـره نـحـوي .

أوقـفـهُ ، انـظـرُ فـي عـيـنـيـه وأصـرخُ فـيـهِ :

أنـا الـشـاعـر . يـضـحـكُ ويـشـيـر بـسـبـابـتـهٍ : أنـتَ ؟

أقـول لـهُ :

نـعـم أنـا . ثـم أفـتـحُ الـبـاب الـمـفـتـرضـة فـي رأسـي ، أفـتـحُ بـاب الـمـسـاءات الـمـؤثـثـة بـالـكـؤوسِ ، أفـتـحُ يـد الـجـمـرةِ ، الـمـكـان الـطـاعـن بـمـشـهـد الـغـيـابِ ، أفـتـحُ الـقـفـص لـطـائـر الـهـذيـان ، يـطـيـرُ ويـتـرنـحُ ، أحـاولً أن أعـيـنـهُ ، يـتـهـاوى وبـيـده الـكـأس الـمـلـيـئـة بـالـكـلامِ ، أنـا الـشـاع ر ، الـ شـ ا عـ ر .. ا.. ش .. ع .. رُرُرُرُرُرُرُرُرُ ، والـعـريـفُ يـضـحـكُ ويـضـحـكُ ويـضـحـكُ ، حـتـى يـمـوت مـن الـضَـحِـكِ ، ويـسـقـطْ .