Facebook
حارس الزوارق PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: فاطمة محمد الفضلي   
الإثنين, 07 أيار/مايو 2012 19:11

amst
مع غضب الأرض اللاهبة حرارة وجعِ مَنْ عليها، كان المرء يرى موته يُرسم لوحةً بائسةً تسقي ناظرها السمّ المعتّق بلعنات من ¬رحلوا، وكأنّهم كانوا السبب، لكنّ الموت أعمى، بل جاهل أغلب الأحيان؛ لا يدري كيفية تفكيك رموز الوصول إلى الهُويّة والذات.

كانت الحرب قائمة على اللاشيء، سوى على سرقة بسمة الأيام الحاضرة والقادمة، اختطاف دمعة فرح أطفال ينتظرون آباءهم، وإقاد حرائق صبر زوجات اعتدن الانتظار، فأصبح جزءاً من خلاياهن. أدمت قلوب الرجال فأفقدتهم ما بقي من ثمالة أحاسيسهم المعفّرة بالقتامة والندم، لكن استطاع بعضهم الحفاظ على مبدئه السامي، أما من كانت نفسه متشظّية المعنى، سرعان ما أخذته أكذوبات الزمن قريناً لها.

إنه ( أحمد ) الذي يُكنّى بـ( زورق ) وذلك لأنه كان المسؤول عن تجهيز الزوارق للمعركة، لم يكن قطّ يؤمن بالمعركة، فلا مكسب له منها سوى إهراق دمه ومن معه على أرض لم تمنحهم غير الوجع.

حُدّد موعد المعركة، قرّر ( أحمد ) مغادرة الأرض الغادرة، والذهاب لتنسّم قطرات عرق أمّه، أذن له ( الملازم عبدالله: آمر سريته وكالة ) بالرغم من أنه ليس له صلاحية إعطاء إجازة، لم يسجّله في سجلاّت المجازين؛ كان قد أعطى عهداً للملازم عبدالله أن يعود في وقت المعركة، فسمح له لأن سمات الرجولة كانت ترتسم على ملامحه الشغوفة لرؤية أمّه.

كان نائماً معانقة أجفانُه نسمات قلق أمّه اليأتي واليغدو مع الأنفاس، ربطت الأم يدَ ابنها بطرف عباءتها رافضة أن يغادرها، ظلّت جالسة مسيطرة على حركة عينيها لئلا تذهبان بعيداً عن حدود وجهه الشاحب، يبدو أن مشيئة الله حكمت أن تغفو الأمّ ليستيقظ ابنها، فيتناول خيطاً من عباءتها، يلفه على يده، ويودّعها بمنديل أخفى لونه.

بدأت المأساة فجر يوم مغطّىً بشحوب الوجوه القاسية، المعمّدة بالوجع الذي بات توأماًً سيامياً لهؤلاء الرجال، ظنّ آمر سريته أنهم قد جلبوا شخصاً آخر لتشغيل الزوارق، وإذا به يلمح اسمه معفّراً في قائمة الشهداء، إنه أحمد زورق، لقد التحق ليلاً تأدية لعهده، كان ملقى على الأرض التي لطالما أذاقته مرارةً ملطخة بأنّات الفقد، لكنّه كان هذه المرة محنّطاً بآيات الرضا الأمومي، مطوّقاً بتنهّدات آمره وأقرانه، تحوم حوله حمامات بيضاء ملوّحة بمنديل أمّه الأسود...

الخميس 04 / 08 / 2011م