Facebook
السَقَّاءُ الذي لا يَزالُ في حُلمِهِ الأبيد PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: جمعة اللامي   
الثلاثاء, 28 شباط/فبراير 2012 10:28

jom3aalmy
" السيرة العربية لمولانا جلال الدين الهاشمي"

" أنا مُوجِدُنِي فَي أزَلِيَّتي ، وَتَوْحِيِدي "

(من : "لوح المقالات" ـ شَمسُ ميسان الْبِشِني )*

وفدت على ميسان(1) عندما كنت في السابعة عشرة ، فأخذت اختلف الى سوقها ، لأبيع البطيخ . كانت الناس في حال مَحْلٍ حينها ، فزهدت بحرفتي تلك ، لأن " البطيخ لأهل البطيخ " ـ كما يقول شريكي شمس الدين ، فلم اجد افضل من التحول الى سقاية الناس ، بعدما استشرتُ غاوتاما غوبند ـ بينما رائحته للعامة ، مثلما كانت السنة نسوة العامة اللاتي يرتدن السوق تردد هذه اللازمة. كما سمعتها من فم إيلياء العاقب شمس الدين ، الذي يشاركني اهتمامات لا عدّ ، كما لم اسمعها من غيره.

ثم ان الماء كثير ومبذول حول بلدتنا ، وهذا من نِعَمِ الله علينا وأَلطافه ، فآشتغلت بحمله الى الناس في ساحة البلدة ، او اطّوف به على عدد من بيوت العوائل الموسرة . كنت اضع الماء بعد ان انضحه من " كُوْد السَّادة " القريب ، في جردلٍ سويته من جلد سخلة جبلية ، وأنادي على السابلة : " من يرغب في ماء من بلاد كلها ماء ؟" ، فيستجيب اليَّ بعضهم ، ويعرض آخرون ، بينما كان نفر من االصعاليك والنفّاجة يسخرون من دعواتي ، ويقولون للعامة وآل الشيصباني : " هذا رجل ما عنده عقل ، فكيف يقوم ببيع الماء وهو غير مسموح به شرعاً ؟ ومن يضمن انه لن ينادي علينا لشراء الهواء ، او النار، او الدِّهْلة ، في ميسان او في غيرها غداً . وهذا غير مسموح به شرعاً ؟ " .

النوكى يبقون نوكى متحامقين ، ولو جلسوا على كرسيّ الإمارة . وهكذا هُمُ كلماتهم ، فالبشريُّ لسانه .أنا لا ابيع الماء ، وإنما اسقي الخلق.

قال لي شريكي :

ـ " ستجد رزقك في كوخك ، يا شمس ميسان".

لم اكترث لهؤلاء المهرجين والنفافجة والحمقى ، (حسب سُلَّم الطبقات والفئات الذي وضعه أمير سيفستان هَفاف بن تولون الشيصباني ، للمجتمع الميساني . وهذا سُلَّم متطور ، ورثه هفاف عن كبير اجداده الممعروف بإسم " زَلْنَبور الأَعْوَر ") ، ولكنني شعرت بحسرة عندما اطلقوا عليّ كنية جارحة ذات صباح .

قال كبيرهم الذي علمهم الهَرْج والمَرْج :

ـ " هذا هو طه بن عبدالله ابو البدع " .

فسرى ذلك في البلدة ، سريان النار في هشيم تذروه رياح شرقية ذات يوم صيفي . وأخذ الصبية ، وحذا حذوهم صغار العقول ، ينادون عليَّ : " طه ، يا طه يا بُو البِدَعْ " .(( حاشية من الكاتب : " كبيرهم الذي علمهم الهَرْج والمَرْج ، هو "إبن الخاركي" ، الذي لا يَبزّهُ في نفاجته الاّ "محفوظ النقاش" الذي اورد حكاياته " الجاحظ" في كتاب "البخلاء". وعندما سخر مني ابن الخاركي بقوله "أُدعُ ربك ليأتي بالشمس من المغرب الى المشرق ، إن كنت من الصادقين ، لم اكترث لسخريته ، وفساد قوله )) ....

... ولم اكترث لهذه الكنية ايضا ، لأني اخترت ان اجعل من الالم نقطة أعرج منها الى فهم وتجاوز، كثير من الحالات المؤلمة والصعبة . وهذا ما املاه عليّ شريكي ، في وصية له بعد ان فقدت اي اثر له في اصقاع مدينتنا (2) .

قال زارا غوبند شمس الدين ( وهو شمس ميسان ، كما ارغب في مناداته) ، عندما نادى عليّ للمجيء الى كوخه ، عقب إثني عشر شهرا على وصولي الى هذه البلدة ( التي سميتها سيفستان ايضا) : " إسمع مني يا شمسنا . انت في هذه القرية ، او في غيرها من القريات والأمصار ، ستحيا غريب الروح والبدن ، وسوف تتعرض الى سخرية الجمهور وتنفجاتهم ، وهذا ما سيجلب لك الماً وحزنا وسعادةً ، ويجعل حياتك مرجلاً في وادي" جوهانم" التي تحتها نهرك الذي من الكوثر(3) ، فاذا ما اردت ان تعيش في غرفة (4) تتوسط حديقتنا ، حوِّل آلامك الى سعادة وشوق الى الأمل " .

ـ "كيف ؟"

قال: " لا تغضب " .

ـ "وماذا غيره ؟"

قال شمس ميسان : " لا تغضب يا شمس شموسنا " .

ـ " وماذا بعده ؟" .

قال شمس الدين : " لا تغضب ، وآصبر " .

ـ " أصبر؟ " .

قال شمس الشموس " نعم ، يا شمس العناصر الأربعة " .

ـ "علمني؟".

قال المعلم:

ـ" الصَّبْرُ صَبْران: صَبْرٌ عَلى نَفْسِكَ ، وَصَبْرٌ عَلى مَنْ هُم خَارج نَفْسِكَ وَجَسَدكَ " .

ومع الايام، وتقلبها ، وتداولها بين الأنام ، جعلت جسدي حديقتي ، وقلبي غرفتي ، وكوخي كوني بحافاته غير الممنتهية .

وأَوصاني شمس الدين ، .. قال : " اوصاني المعلم شمس ميسان ، قال : " إلزمْ بيتك بُعيد مغيب الشمس ، وراجع نفسك ، بُعَيدَ كسرات خبز العشاء ، عن كل كلمة نطق بها لسانك ، وكل عمل قامت به جوارحك ، وأي فكرة ابقيتها في سريرتك ، ودوِّن ذلك تدوينا ، إنَّ الخَطَّ كان مَحمودا " .

قلت : " معاً على السمع والطاعة" .

ثم أخذت الوذ في كوخي عقب غلبة الخيط الأسود على اخيه الخيط الأبيض ، بعد ان أجد اداماً وكسرات خبز من دخن في بطن جردلي ، ثم ابدأ بتلاوة أورادي وأحزابي وأدعيتي وألواحي ومزاميري وآياتي ، حتى أصل الى شاطيء الرضا ، فتنقلني سفينة الرحمة الى عالمي اللاّمحدود .

وفي ذلك العالم ، تعرفت اكثر فاكثر على هَفَاف بن تُولُون ، بأسمائه التي لا يعرفها غيري ، وبصفاته الخمس (5) ، بينما كنت أشاهد جسدي خفيفا وشفيفا ، وأرى ميلاد نجوم جديدة ، وأشهد على موت الكواكب الهرمة ، وفوران التنانير في عوالم بعيدة او مجهولة لدى عوالم الكائنات ، حتى راقني هذا البرزخ ، فداومت على تمرينات ومجاهدات ، كان المعلم شمس الدين ، يزقها في قلبي، كما تزق الحمامة الحب لفراخها.

قال المعلم شمس الدين :" سيرى الناس دمك ينساب في عروق جسدك".

ولقد وجدت نفسي تحصنت في ليلي الطويل الطويل ، وانا احمل جردل الماء من الترعة الى بيوت البلدة ، حتى حاول ذلك المخلوق الذي سوف اشير اليه بإسم:مَيطَرون ... إقتحام صمت عزلتي، فطرق باب كوخي، وقال :

ـ " يا طه ، يا من تسمي نفسك : العاقب شمس الدين : انا حَيْزَبُ الأجْدَعُ " .

قلت له : " انت تريد مناظرتي ؟".

ـ نعم

قلت له : " في اي مسألة ؟" .

ـ ربك .

قلت : " الباب مفتوح " .

رايت حَيزَب يتوسط كوخنا ، كأنه هبط علينا من علو شاهق ، فتبسم المعلم شمس الدين ، وقال " هو لك ، يا روحي " .

سالت الاجدع :" قلت : نفسي ؟" .

ـ " سمّهِ ما شئت ، نعم . ولكن صفه ؟".

قلت : " حُبٌّ احَدٌ ، أحَدٌ حُبٌ " .

ـ " وبعد ؟".

قلت : " حبٌ صَمَدٌ ، حُبٌ لم يَلِدْ وَلَمْ يُوَلْد ، حُبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدْ " .

انطلقت صرخة غاضبة من حَيْزَب الاجدع، فرايت سقف الكوخ يتطاير في الفضاء الشاسع ، ثم قال :

ـ " وبعد ، يا ابا البدع ؟".

قلت : " حُبُّ الرحمنُ ، الرحيمُ ،

حُبُّ ملكُ الزمن ويوم الدين ،

حُبُّ الذي ليس كمثله شيء ، بينما هو يُدركُ كلَّ شيء ، ولا يُدركهُ ايّ شَيء ،

حُبُّ الذي إحْتَجَبَ بذاتهِ عن مخلوقاتهِ ، وتَجلَّى لهم بصفاتهِ

، حُبُّ الذي ارسلني الى هذه البلدة المارق اميرها لأسقيهم ماءً ، وابارز رئيس مجلس علمائها الظالم لعباد الله " .

علا صراخ الأجدع ، :

ـ " وهل رايت ربك ؟".

ـ يا اجدع ، حبيبي تحت جبتي .

اطلق الزائر المهزوم صرخة عظيمة ترددت في الآفاق التي يراها البشريون ، ثم إنفجر جسده في فضاء الكوخ ، فقال شريكي :

ـ يا شمس ميسان، تجاوزت الإختبار .

قلت : " ايها المعلم .. وماذ بعد هذا؟" .

ـ انظر الى عروق كفَّيك .

ورأيت دمي ينساب في عروق كفيَّ ، فقلت :" زدني".

ـ أعلنِ حكايتك امام الناس ، عند ميدان البلدة ، عندما يؤذن المؤذن لصلاة الظهر .

ثم استدرك المعلم : " عليك ان تحمل زقّاً من خمر ، وتنادي: "من يشاركني كأساً من خمرتي التي ليس كمثلها خمرة؟ " .

ـ ايها المعلم ؟ .

قال شمس الدين :" هكذا يا طه ، صدقك الناس اول الأمر بالإتباع والتقليد . امّا ما بعد يوم غد ، فَسَتَشْخَل الناسَ ، كما تمخض الزبدة من اللبن" .

1 ـ يوم في عام الماموث / مولد شمس الزمان

واقفاً في وسط الساحة ، اطلقت نشيدي ...

(( ... ورأَيتني أخرجُ من سمانة قدم امي اليمنى ، كما يخرج النهار من الليل . كان عبدالله في طَرشَةٍ بعيدة عن بيت امي ، وشاهدته يُقتل بين بيت ايلياء وبكَّة . قتله بدو وأعراب ارادوا سرقة راحلته ومتاعه : " كمن الأعراب خلف أجمة ، قرب بئر . كانوا اربعة رجال من قبيلة شيصبان " ، وعندما نصب خادمه خيمته الى جذع شجرة سدر قريبة من البئر ، هجع عبدالله قبيل منتصف الليل ، ثم إنخرط في رؤيا ـ رآني اسقط من سمانة ساق امي اليمنى ، فنادى عليَّ : "اهلا بك يا طه ، وشمس ميسان" . وبعد ذلك رأيت واقعة الغدر به . كان عبدالله لا يزال في رؤياه ، عندما هجم علبه الأعراب الأربعة ، فجلس احدهم عند ساقيه ، بينما امسك اثنان منهم بيديه . اما الرابع ، الذي سيعرف ب " الشيصباني" ، بعد قرون جنوبي بابل وشمالي مبسان ، فقد شق صدره بخنجر مسموم ، وإستأصل قلبه ،وأخذ يلوكه بين اسنانه ، ثم بصقه على الارض ، بينما كان دم القلب يعفر صدر عبدالله ، الذي بزغت منه شمس حمراء .

كان والدي يحدس ان شمساً جديدة ستشرق على بلاد بابل ، فتبع الهاتف الذي كان يهمس في فؤاده : " هل تريد رؤية شمس الدين؟ " . وكان عبد الله لا يعرف الا قليلا عن حبيبي الفاتن الذي إدخرني له ، بين مصرعه وطلق امي . قالت امي :" إلتجأْت الى نخلتي ، فهبطتَ من سمّانة ساقي اليمنى كما يخرج النهار من الليل ، وقلت لي : "يا زهراء ، دعيني أواجه حبيبي في هذه الساعة "، فهبط الملاك ذو الأجنحة الإثنتي عشرة ، وشق صدري ، واخرج قلبي ، وآنتزع علقة منه ، ثم قال لي : " إقرأ يا شمس ميسان " . فقلت " كيف اقرأ وما انا بكاتب ؟ " . قال طاووس الأنوار : " يقول لك حبيبك : انت قاريء " ، ثم خلاّني لأمي المرتبكة وهي تنادي عليَّ " ماذا اسميك ؟ " . قلت " هُوْ سَمّاني طه ، والمعلم ، وشمس الدين ، ...... ..و "هُوْ" .

ثم ارسلت صوتي الى الوجود .)) ...

... ورأيتني استمع الى صوتي ، بينما كنت اقف عند الساق اليمنى من كُرسيِّ :

" إنني ثَمِلٌ اليوم ، ثَمِلٌ بحيث لا استطيع ان أُميِّز بين النصر والفيروز" .

"إن كل طريق بلزمه مرشد يقظ ، وفي هذا الطريق لا دليل الاّ المجنون" .

"فإذا كان ذلك المجنون حيّاًً قُل له : تعال اليَّ وتعلم منِّي الجُنونَ النّادرَ" .

"وإذا اردتَ ان تُصبحَ مَجنوناً ، فَطرِّز صُورةً تُشبهني عَلى ثَوبكَ" .

كان زقّ الخمرة ملتصقاً بصدري ، وأنا اتقدم نحو ساحة البلدة التي اعرفها ، ويعرفني ناسها ، معلنا امام السابلة :

ـ تعال ايها الحبيب : " ضع يدك على قلبي .. ولا تسل عن هَمِّ الحبيب ، وآنظر في عينيَّ ولا تسل عن الخمرة والكأس " .

2 ـ يَومٌ في شَهر رَجَبِ المُرَجَّب

كنت قد غادرت كوخي ، وحيدا الاّ من زق الخمرة ، وكلما مررت على شجيرة او حائط او كوز ماء او كانون نار، كان يقول لي : "السلام عليك يا شمس ميسان" ، والناس خلفي وبين يدي ، وعن يميني وعن شمالي عزين .

كان ذلك في اليوم السابع من شهر رجب المُرَجَّب ، حيث رأيت المشهد الذي اختصني به حبيبي ، في رؤية صاحبي ايلياء يعرج الى السموات ، منطلقا من صليب الخشب الذي جرى بناؤه على عجل في تلك الليلة التي سميت "ليلة الشيصباني" .لكن ماجعلني اشعر بحلاوة السُّكْر ، ليس الخمرة التي في الزق ، وانما رؤيتي لشريكي غاوتاما غوبند يقف بجواري ، وهو يقول لي : "يا شمس ميسان والدين ، اني ابايعك أُمَّةً على كل الأُمم" .

ـ مدّ يدك يا شمس الوجود .

صافحني شمس الوجود بكفه اليمنى ، فرأيت وجهي في وجهه ، وكفي اليمنى في كفه اليمنى ،وجسدي كله في جسده كله . صرنا واحدا في واحد .

قال شريكي :

ـ" انت الجزيء الذي لا يتجزأ" .

ـ وانت ؟

ـ انت .

ثم رأيتني اخاطب الناس :

" ايها الناس ...

لا سُكْري يَضيقُ بِيْ .

ولا ضَجري ،

يختارُ هجراني .

لا نُوري ،

لا دَلالي، .. يفارقني .

وأكواني ،

لا تَسْطيعُ نِسياني .

وحَدْي،

حيثُ لا أحدَ سواي ،

في كلِّ أزماني ،

أُهاجعُ مَللي ،

لينساني.

فتعالَ إليَّ، يا خَمْرتي ومائي

نذوبُ

في الكأْسِ

كأْسِي الأرضُ ،.

وها أنا، حيثُ لا أَحَدَ

قبلي، أو بعدي،

وردة فوق عرشي

يا عَرْشي ومائي

أحْلُمُ بِي ،

كما يحلم

الخمرَ بالماءِ .."

... ، ثم رايتني ارى إِيّاي في إِيّاي ، والناس بين مفزوع وساخر وحائر ومصدق ، وأنا لا ازال اكلم الناس بنواياهم ، ويكلمني الرُّضَّعُ وهم في مهودهم ، او عند صدور امهاتهم ، فكان ذلك يزيد الناس خوفا وهلعا وحيرة وتصديقا .

وما زاد في هذه الحالة المربكة ، ان سباعا لا قبل للناس بها ، اخذت تظهر في الساحة ، وطيورا من غير اجنحة حطت عند مركزها ، ومطايا من حديد وخشب توقفت هناك ، وكائنات على اشكال ثيران وجواميس وأسود وسباع بأجنحة ، وزواحف ودواب بارجل كثيرة ، اندفعت نحو الساحة من داخل الارض او هبطت من اعالي السموات ، واخذت تتقدم نحوي ، تتشمم قدميَّ ، او تطلب بألسنة لا قبل للناس بها ، تسألني رشفات من خمرتي .

سمعت بازا تتحدث الى ابناء عشيرتها :

ـ" من هذا المتكبر علينا . أَيْ وسري ، لسوف أمتحنه في أمر نفسه.

فقلت مخاطبا تلك الباز :

ـ " إسمع يا ابا الأشعث .. يصفك الآدميون بأنك "من أشد الطيور تكبراً ، وأضيقها خلقاً ، وانت البازي ، والباشق والشاهين ، والبيدق ، والحدأة ، والصقر . حارة المزاج ، لا تصبرين على عطش " .

بهتت الباز ، وخاطبتني :

ـ" وما ادراك في شاني هذا ، المصموت عنه ابدا لغيري ؟ " .

ـ وهل احدثك في شان احد احفادك ، مع تلك البالة البحرية ؟

خَرَّت الباز ساجدة عند قدمي ،، بينما تجمعت امم المخلوقات الطائرة والدابة والمركوبة ، الناطقة والخرساء ،لأنها استمعت الى كلماتي بلغة كل امة من اممها ، حتى حدث هرج ومرج ، وذهول وبكاء وعواء ، فاقبل هفوف بن تولون ، محاطاً بابناء قبيلته ، الأحياء منهم والأموات ، متبخترا في مشيته ، مزهوا باسلحته ، لكأن الارض تميل الى الشمال ساعة يضربها بقدمه اليسري ، او تتجه الى اليمين عندما يتجه يمبنا .

ناديته " يا هفوف .. جئت تباهلني" .

ـ نعم ، يا طه .

قلت : " انظر الى جبل السَّرُوط خلفك " .

صار الجبل عهناً منفوشا ، عندما تجليت لنوري . فخرّ ساجدا صاغرا ، قلت: " وعزتي وجلالي ، وإرتفاعي في مكاني ، لأجعلنك عبرة لغيرك ، ولسوف ترى من مخلوقي الذي يشبهني فيوحدني ، فأزكيه ليكون كما انا . ثم تراك مهزوما مدحوراً ، وانت تطلب مناظرته" .

هرب هفوف ، فأرسلت اليه كلماتي :

ـ " انك حيّ حتى يحين اليوم الموعود ، حين يقتلك احد تجلياتي ، فيعم السلام ارضوني وسماواتي ، بعد ان يملأهما احفادك ظلما وجورا" .

3 ـ اليقظة السكرى

إنَّ سرَّ العقل يبدو في الجنون

انا حولتَ طيني الى جوهر

ومن غباري شيدت الأكوان .

اشرقتُ بنجمي عليَ

فصارت كل الشموس غباري في راحتي اليمنى

هذا هو ديني ، يا شمس ميسان

فآنصت للناي يتلو حكايتي

والآن ..

ليس في ملكي غيري

بعدما شاءت قدرتي

انا شمس ميسان ،

المعلم ،

وطه ،

وأقنعتي التي عددها لامنتهاي .

***

***

اخذ السكان ينفضون من حولي ، واحدا بعد الآخر ، وكردوسا بعد كردوس ، فلم يبق معي في ساحة البلدة ، الا شمس الدين ، وشمس ميسان ، وطه السقاء ، وانا .

ثم رأيتني اشبهني.

هوامش

ـــــــــــ

1 ـ : ميسان فُصٌ من عقدعدد حباته اثنتي عشرة يحيط بأليشن . والراوي هو المواطن اليشني : "ع ـ التستري" كما يعرف القراء النابهون ، وهوالذي تعرض الى عمليات قتل متعددة ، ثم كان ينهض من رماده خلقاً جديداً ، كما ينهض الخمر من العنب .

2 ـ : بعد سنتين على لقائنا انا وشريكي ، كنا نجلس داخل كوخنا ، نتناول كسرات من اقراص دخننا .

قال لي شمس الدين :" يا شمس ميسان وهُوْ : " لا يعرف القوم ما بين يَحْيى وعِيسَى . لقد إكتملت رسالتي اليوم ، ورضيت بك" .

قلت :" انت جنتي" .

ثم نظر في عينيَّ فرأيتني اعرج الى السموات ، متجاوزاً "رقيع" ، ماراً ب " قيدوم " و " ماروم" ، حتى إرتقيت دُرَّتي "العجماء" ، بينما سمعت جلبة عند باب كوخنا ، وصوت ينادي عليَّ " يا طه ابو البدع ،أخرج لنا شريكك ؟ " .

خرجت اليهم ، فرأيت مسوخا ، فرزنت من بينهم صوت عزازيل الحارث ، وخلفه رهطه المتناسلون ، ومنهم الخمسة الكبار في مجلس المدينة ، وصاحب الشرطة ، ورئيس البريد .

قلت :

ـ" يا عزازيل الحارث ، انت مرجوم الى يوم دينونتي . فآخرج من كوخنا " .

قال الحارث

ـ " يا شمس ميسان ، يالواحد من غير عدد ، أنظرني الى يومك ، لأَنتقمنَّ من طه شمس الدين ، وأَغويَّ صحبه " .

قلت :

ـ " أُخرُج فأنت من المُنظَرين".

ورآني المعلم من داخل حزام الوجود الذي سميته "عروساً"، متفرغاً لنا في ياقوتتنا الخضراء .

***

***

وعثرت على مجلد من قراطيس كثيرة مكتوب عليها نحو إثنتي عشرة الف ترنيمة ، وعلى وجهه الاول هذه النصيحة :

" يا صاحيي ونور عيني : ضعني بين عينيك ، وآفضحني عند السوق ، حتى يراني الملك والجلاد والمفتي والفقير" .

وكتب إليّ ورقة عنوانها (هذا موتي) ورد فيها :

" .. في يوم موتي .. عندما يُشَيَّع تابوتي ،

لا تظن اني اتألم من اجل هذه الحياة /

فلا تبكِ من اجلي .. ولا تقل : خسارة ..خسارة،

فالحياة هي سقوطك في شراب الشيطان الحامض /

وعندما ترى جنازتي.. لا تقل : الفراق .. الفراق ..

فالوصال واللقاء لي في ذلك الزمان /

وعندما اودع في قبري لا تقل : الوداع .. الوداع..

فان القبر حجاب على مجمع الجنات /

لقد رايت الغروب.. فآنظر الى الشروق ،

فلماذا يكون غياب الشمس والقمر خسارة . /

انه يبدو لك غروبا لكنه شروق ،

واللحد يبدو سجنا لكنه خلاص الروح . /

فايّ حبة غرست في الأرض ولم تنبت ،

فلماذا ظنك هذا بحبة الانسان ؟! /

واي دلو أُُدلىَ ولم يخرج ممتلئا ، في بئر يوسف ،

فلماذا تفرح الروح؟! /

وما دمت قد أغلقت فمك ، هنا إفتحه في الطرف الآخر ،

فإن صيحات وجدك تكون في جو اللامكان " ."

3 ـ وهو الكوثران ، كما ورد في "لوح المقالات . نهر من الخمرة التي تجعل المخلوقات النورانية ، تليق بالجوس حول كرسيي " . وكان في زق طه السقاء غرفات من خمرة هذا النهر . وهكذا رايت المخلوقات سكارى ، رجالا ونساءً ، شيوخا وشيباً وشبانا، في ذلك اليوم العظيم . وهو ما أوغر صدر الحارث ورهطه علىَّ وعلى شريكي .

4 ـ قبتنا ، حيث الصمت ، في ياقوتتنا العجماء " .

5 ـ الأول في هؤلاء هو المدعو " أَبليسيوس " ، وهو " عزازيل الحارث " عند العرب . ورهطه كثيرون . ومن ابرزهم :

ـ مقلاص : كاتب الإمارة لشؤون الخزانة .

ـ لوقيس : رأس الإمارة لقضايا المعرفة الحسية .

ـ مطراش : كاتب الإمارة للفتن .

ـ مرجوم : اسمه يدل على فعاله .

ـ نازغ : كاتب الإمارة لشؤون الحرب

ـ شيتون : الكاتب المختص بالعسِّ والدسِّ .

*ـــــــ*

ـ لوح المقالات : مخطوط محجوب حتى يوم الناس .

( الكاتب).

ـ تتضمن القصة نصوصا من شعر مولانا جلال الدين الرومي ،

وأخرى من اعمال الكاتب الروائية والقصصية ، وتناص مع محمد اقبال،

ومأثورات من الديانات السماوية والأرضية .

ـ من مجلد " اليشنيون" الماثل للطباعة .

(انتهت)