Facebook
بَابل.. هَذِي أنتِ PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: د. حياة الخياري   
السبت, 11 شباط/فبراير 2012 22:19

7yat
(قراءة في حِجابيّة الرّمز الشّعريّ- 1)

أيّ سبيل يسلك المبدع المعاصرُ حتّى يحقّق المصالحة بين موروثه الثّقافيّ وشواغله الرّاهنة؟

تجسيما للمنظور الشّعريّ المبشّر بتأصيل آليّات الإبداع الرّمزيّ، تحضر المشاغل الأرضيّة متلبّسة بالحروف المقطّعة في فواتح سور القرآن، وقد استدعاها أدونيس في محاولة لتعديل حال الوطن، في نماذج شعريّة منها مقطع من قصيدة "مقدّمة لتاريخ ملوك الطّوائف"، يقول فيه:

"وكانَ الوَقتُ يُشْرِف أنْ يُصبِحَ خارِج الوَقْتِ وما يُسمُّونَه الوَطَن يَجْلسُ علَى

حافّة الزّمَن يكَادُ أنْ يَسْقط ، " كيْفً يمْكنُ إمْسَاكُه ؟" سَأل رَجُلٌ مُقيّد وشِبْه

مَلْجُوم.

لمْ يَجِئْهُ الجَوابُ لكن جَاءهُ قَيدٌ آخَر ، وأَخَذ حَشْدٌ كَمسْحُوق الرّمْلِ يُفْرِزُ

مسَافةً بحَجْمِ لام ميم ألِف أو بحَجْم ص ع ي هـ ك ويَسِيرُ فيها يَنْسجُ رَاياتٍ

وبُسُطًا وقِبابًا ويَبنِي جِسْرا يَعْبُرُ عَليْهِ مِنَ الآخِرَةِ إلَى الأُولَى..."(1)

تجدر الإشارة إلى أنّ أدونيس كثيرا مّا يعمد إلى الكتابة بخطّ صغير كلّما ورد ذكر "الحروف" و"الله" و"الكلمة". وهو بذلك يحيل على ملمح رمزيّ وسم الكتابة المقدّسة، على صلة بما يسمّى "الرّقيم"، إذ يقول في قصيدة "سيمياء":

"هُوَ ، الآنَ ، رقِيمٌ تَنْتقِشُ عَليْهِ طَلاسِم

كَدَبِيبِ النَّمْل:

وأنتِ أيضا ترْفُضِينه أيّتُها اللّغة ؟"(2)

لعلّ اللّغة بضوابطها المعياريّة المتعارَفة ترفض "سيمياء الرّقيم والطّلاسم"، لكنّ الكتابة الرّمزيّة الحروفيّة تحتفي به رافدا فنّيا متميّزا وسندا ضروريّا للعبة التناصّ، كلّما اتّصل الأمر بحروف فواتح السّور، إذ عادة ما يرد ذكر "الرّقيم" في القرآن ملازما لمظاهر الإعجاز، فهو بصمة الله ماثلة في "خطّ الملائكة" المشبّه بدبيب النّمل، وإيّاهم قصد الله بقوله: ﴿أمْ عِنْدَهُم الغيْبُ فَهُمْ يَكْتبون.﴾ (سورة القلم، آية 47.).

بذلك تستقيم الكتابة المقدّسة مؤشّر خلود، ومن خلالها يتراءى الخطّ المرقوم شعريّا أشبه برجفة ميّت يُبعث حيّا، ورمشة يقظة لغاف تتفتّح عيناه بعد عهود من النّوم، عابرا جسر الزّمن "من الآخرة إلى الأولى" على حدّ عبارة أدونيس. وهو السّياق القرآنيّ الذي ورد فيه توظيف عبارة "الرّقيم" مرّة وحيدة في النّصّ القرآنيّ كناية عن أهل الكهف المبعوثين بعد "ميتتهم الصّغرى" بحسب قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسبْتَ أنّ أصْحابَ الكَهْفِ والرّقيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا.﴾ (سورة الكهف، آية 9).

إنّ أهمّ ما يلفت الكتابة الرّمزيّة ارتباط "الرّقيم" بكتابة مقدّسة لقراءة مرجأة أبدا، لأنّها واقعة في "رقّ منشور" حسب التّعبير القرآنيّ، لم يُبرز منها الشّاعر سوى حروف (لام ميم ألف) و (ص ع ي هـ ك). إنّها القناديل المسرَجة حتّى تضيء أفق الرّائي المستبصر، أوهي النّجوم المأسورة رقشا يرْقم نبض الحلم ويغري الشّاعر بمكاشفة الحروف، بعد أن يتحوّل إلى "نقّاش نحيل" أشار أدونيس إلى تطلّعاته الرّؤيويّة في قصيدة "اثنا عشر قنديلا لغرناطة" متسائلا:

" ومَنْ هَذا النّقَّاشُ النَّحِيل ؟

أَسَرَ فِي رَقْشِه نُجُومًا

لاَ يُرِدْنَ أنْ يُفْرَجَ عَنهُنّ .

خَطٌَََّ ـ نَهْرٌ يَحْفرُه الحِبْرُ

لِكَيْ يَجْريَ فيهِ مَاءُ الزَّمَن."(3)

كأنّ الخطّ المرقوم تحويطةٌ طلسميّةٌ رسمها "هذا النّقّاش النّحيل" حتّى يؤَمّن لنجومه المسرَجات سبيل جَريانهنّ في ماء الحلم. وليس من قبيل اللّحن أن يعامل الشّاعر نجومه المنقوشة رقيمًا وطلاسمَ ورقشًا، معاملة العاقل فيستعمل ضمير "هنّ" في قوله: "نجوما لاَ يُرِدْنَ أنْ يُفْرَجَ عَنهُنّ" عوض ضمير "هي" المختصّ- صرفيّا- بغير العاقل، وذلك جريا على سنّة اللّغة الصوفيّة التي لا توظّف الحرف إلاّ منزّلا في بنية تركيبيّة واشتقاقيّة يتوازى فيها مع العاقل، فيشير ابن عربي، مثلا، إلى الحروف المقطّعة في فواتح السّور أثناء تناوله للطّبقة الأولى: طبقة "الخواصّ، وهم الألف واللاّم والميم و.."(4)

في السّياق الرّمزيّ ذاته يردّنا جريان ماء الحلم في حروف قصيدة "اثنا عشر قنديلا لغرناطة" إلى ملمح بارز من ملامح استراتيجيا "التناصّ" مع الحرف القرآنيّ ينهض على استبعاد الوظيفة الجماليّة للّغة الشّعريّة وإحلال الوظيفة "الإحيائيّة" محلّها.

جميعها أنساق ومقوّمات مؤسّسة للدلالات الرّمزيّة الحافّة بالتّناصّ، بتأرجحها بين الوقائع التاريخيّة وردود الأفعال الذّاتيّة على تلك الوقائع. وهو ما يتجلّى في التّشابه بين الأشياء والأمكنة والشخصيات التي تضمنتها كلٌّ من القصيدة الشّعريّة والسّورة القرآنيّة على حدّ سواء، إذ تتّخذ العناصر المذكورة أبعادا رمزيّة لا تقلّ شأنا عن الأبعاد الرّمزيّة الحروفيّة. وأبرز العناصر التّرميزيّة المسهمة في إضاءة حروف (كهيعص) ثنائيّة "مريم" و"النّخلة". يقول أدونيس في موضع آخر من قصيدة "مقدّمة لتاريخ ملوك الطّوائف" :

"طِفْلٌ هُنا سَقَطَ الثَّائِرُ حَيْفَـا تَئنُّ فِي حَجَرٍ أَسْوَدَ

والنّْخْلةُ الّتِي فَيّأَتْ مَرْيـمَ تَبْكِـي."(5)

يتشابه سياق القصيدة مع سياق الآية القرآنية في طريقة تناول سبب معاناة مريم فهو في كلتا الحالتين مشدود إلى هاجس الهويّة الذي كثيرا ما تحرّكت حروف أدونيس في إطاره الدلاليّ ممثّلا في هويّة المولود "عيسى" في سورة مريم، وهوية "طفل" ورد نكرة وارتبط ذكره بسقوط "الثّائر" وأنين "حيفا" في القصيدة.

كأنّ "الله والشّاعر طفلانِ ينامان علَى خدِّ الحَجَر."(6) وكأنّ النّخلةَ نقطةُ أنوثةٍ في فضاء ذكوريّ يتقاسمه كلٌّ من "الله" و"الشّاعر" و"الثّائر".

إنّها رمز خلاص وبشرى حلم وليد، اقترن دينيّا بظلّ الرّبوبيّة على الأرض.

لا غرابة والحال تلك، أن يخلق الشّاعرُ جملة من التشقّقات في النّسيج الرمزيّ لشخصيّة (مريم) حتّى يضيف إلى نسيجها الرّوحيّ العقائديّ خيوطا مشدودة إلى مشاغله الآنيّة، ويكسوها لبوسا وطنيّا حضاريا ذا صلة ببابل-الثّورة، فتنصهر مع وجهين في هويّة علىّ: هويّة الذّات الفرديّة (عليّ أدونيس)، وهويّة الذّات الجمعيّة (عَليّ بن أبي طاب) باعتباره رمزا إلى الثّورة في الذّاكرة الثّقافيّة.

من خلال النّسيج الرّمزيّ للشخوص والأمكنة ينسنّى للقارئ أن يحبك ضفيرة التناصّ على نحو يأخذ بعين الاعتبار تغيّر هويّة (المتناص) والكامن حسب (جينيت) (G.Genette ) "ليس في النّصّ ذاته بل في عمليّات التّواصل الكامنة في شروط إنتاج النّصّ وشروط تلقّيه."(7)

كلّما تشابهت شروط إنتاج "المتناصّ" إلاّ وتنامت وسيرورة الدّلالات الرّمزيّة الحافة به، فيضخّ الشّعرُ هويّة (مريم) بجرعات من حيوات جديدة حينما يتولّى إسقاط "الأمّ- الهُويّة" على هاجس "الأرض- الهويّة" ممثّلةً في "بابل"، وقد ناجاها أدونيس في قصيدة سمّاها باسمها "قصيدة بابل":

" بَـابِل هَذِي أنْتِ ، وهذا خَطْوُكِ ، والطّرُقاتُ هيَ الطُّرُقاتُ

الرّقْمُ يَقول ونبْضُ المعْدَن قالَ

وقال لُغةٌ والشِّعْر يَقُولُ :]... [

سيُقالُ : "الثّوْرةُ أنْتِ ، و لكِنْ

أتَظَلِّينَ ورَاء حِجابٍ ، يا مَرْيمُ ؟" قالَ عَـلِيٌّ -

بَـابِل هَذِي أنْتِ ، وهذا خَطْوُكِ ، والطّرُقاتُ هيَ الطُّرُقاتُ

بَـابل ، هَذي أنْتِ و هَذا عَصْرُكِ، والكَلِمَاتُ هِيَ الكَلِماتُُ."(8)

يعمد أدونيس كعادته إلى تحبير العبارات المراد تبئيرها دلاليّا بلون قاتم، وهي عبارات "مريم، عَلِيّ، بابل"، غير أنّ كيمياء الأرض بأرقامها ومعادنها بالإضافة إلى حجابيّة الشّخوص تلقي بظلال الرّمز الكثيفة على الصّورة الشّعريّة لاسيّما ما تعلّق منها بكينونة (مريم) وماهيّتها: "أتَظلِّينَ ورَاء حِجابٍ، يا مَريمُ ؟"

حينئذ، تتراءى "مريمُ" إيماءةً مِن وراء حجاب الحروف الفواتح لسورتها كي تنسج عباءة الدّلالة الرّمزيّة من نسغ حروفها، وتحديدا في "موقف المحضر والحرف"، حيث "الحَرْفُ حِجابٌ. وكُلّيّة الحرف حِجَابٌ. وفرْعِيّة الحَرْف حِجابٌ."(9)

من هذا المنظور الذي اجترحه النّفّري بعين الرّؤيا الصّوفيّة، واستشرفه الشّاعر بعين الرّؤية الإبداعيّة، تستحيل الشّخوص والأمكنةُ الحافّة بالسّياق الشّعريّ معابرَ تيسّر هتك حجابيّة الأحلام الأرضيّة المبشِّرة بولادات..

في هذا المقام تحتلّ "النّخلة" محلاّ من النّسيج الرّمزيّ كلّما تطلّع المبدع إلى استشراف "الهُويّة- الخلاص"...

* *

(يتبع..: بابل.. هُزّي إليكِ بجذع النّخلة..)

* *

قائمة المراجع:

1)أدونيس (عليّ أحمد سعيد)، الأعمال الشّعريّة الكاملة ، هذا هو اسمي ، مجلد 2 ص 264. تجدر الإشارة إلى أنّنا نحافظ على حجم الخطّ وطريقة الكتابة التي انتقاها الشّاعر لقصيدته.

2) أدونيس، الأعمال الشعريّة الكاملة ، مفرد بصيغه الجمع، مجلّد2 ص 705

3) أدونيس ، تنبأ أيّها الأعمى، ، دار السّاقي ، ط2 بيروت 2005 ، ص 52.

4) محيي الدّين بن عربي، الفتوحات المكّيّة ، دار صادر ، ط1 بيروت د.ت ، مجلد 1 ص 82

5) أدونيس، الأعمال الشّعريّة الكاملة ، هذا هو اسمي، مجلد2 ص 261

6) أدونيس ، كتاب الحصار ، دار الآداب ، ط 1 بيروت 1985 ، ص 9

7)Gérard Genette , Palimpsestes ( La Littérature au second degré) – Seuil, Paris 1982 , p10. 8) أدونيس ، الأعمال الشعريّة الكاملة ، المطابقات والأوائل ، مجلد2 ص 362- 363.

9) محمد بن عبد الجبّار النّفري ، المواقف والمخاطبات، تحقيق آرثر يوحنّا أربريه، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة د.ت ،ص 151.