Facebook
'معا نقلد الوردة مداها' لعلي البزاز: الألم الملتف على العنق كشال! PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: جواد وادي   
الأربعاء, 07 كانون1/ديسمبر 2011 19:50

3lialbzazz
للتجارب الشعرية الفارزة مرجعياتها وأدوات كتابتها وهوية مبدعيها واختلاف مشاربها،

الأمر الذي يدفع القارئ الفطن بنديته للنص الإبداعي أن يحيل كل تجربة لمرجعياتها

بعد أن يخبر من خلال المتابعة الجادة لمنجز المبدع دربته وحضوره الإبداعي في المشهد

الشعري تحديدا، وهو ما يعنينا في هذه المساحة النقدية المتواضعة لتجربة شاعر غير

مألوف بامتياز.

هنا نجد أنفسنا باقترابنا من مملكة الشاعر علي البزاز ان جاز

لنا هذا التوصيف، أن نلحظ التباين الواضح بأقصى مداه حتى تأخذنا الحيرة في محطات

متألقة كثيرة طيلة نزهة القراءة الراصدة لهذه التجربة بغرائبيتها ونحن نلج العتبات

الأولى للنصوص، فنكتشف أننا أمام تجربة لها خصوصيتها والتي تتقاطع مع العديد من

التجارب الشعرية المعاصرة والمجايلة، سيما تلك التي قرأنا لها وتعرفنا على فرسانها

واقتربنا من هوية روادها بحضور طاغ يدعونا لأن ننحني إعجابا بإشراقاتهم التي تركت

بالغ الأثر على وجداننا الشعري، ولعلنا في أحايين كثيرة ودونما قصد واعترافنا

بسطوتهم على ما نكتب للاغتراف من بهائها وتميزها، كونها علامات تؤسس لفرادة الإبداع

الحقيقي من حيث وحدة الجملة الشعرية وغنى الصور الموظفة ومعجمية اللغة العارفة بوقع

الكلمة الآسرة والمغرقة بخيالات وصور وفضاءات متحركة ببهاء آسر.

من كل ما تقدم

وتأسيسا على تجارب بهذا البهاء الشعري، نرى أن تجربة الشاعر علي البزاز، لا تبتعد

كثيرا رغم اعترافنا بأنه شاعر مشاكس بامتياز، يدير أحيانا مقود منجزه عما سبق من

ارث شعري معاصر أو أبعد من ذلك ليصدمنا بكولاجات شعرية تجعلنا نتوقف كثيرا في

الجملة الواحدة لنتعرف على مقاصده المخاتلة وكأننا أمام شاعر يحتال على قارئه

بمؤانسة تفضي بعد متاعب الفهم العصي أحيانا، إلى قناعة بأن علي البزاز شاعر من طراز

خاص وغير مألوف بدهاليزه الشعرية المستفزة، لضبابية صوره الشعرية الملتبسة وعصيان

الفهم وغياهب لغوية يحتاج المرء لتفكيكها وفهمها جهدا ليس بالهين، لأن القارئ يجد

نفسه أمام معمار شعري عصي الفهم وخاصة مع قارئ غير متمرس بقراءة هكذا تجربة قد لا

تكون من السهل الممتنع، بل لعلها على درجة من الغموض للإمساك بتلابيب المفردة لتعود

المصالحة مع النص في غاية الندية والتحدي وهنا تكمن لذة القراءة الشيقة لنصوص من

هذه الشاكلة.

إن شعراء دفعتهم مغامراتهم الشعرية لأن يمتطوا ناصية الكلمة

الشعرية الجادة ولكن بغموضها ورمزيتها ومشاكستها، هم من خبروا وبعمق المقتدر،

المساكنة الإبداعية حتى عادت أمرا كيانيا من تفاصيل منجزهم الشعري، والبزاز

بغرائبيته واحد من هؤلاء المتمردين شعريا وواقعا حياتيا يعج بالحركة والعطاء

والتمايز.

'معا نقلّد الوردة مداها'، عنوان ديوان الشاعر علي البزاز، والعنوان

كما يبدو للوهلة الأولى، يشي بمسعى الشاعر لأن يقحم القارئ أن يشاركه في تقليد

الوردة في أريجها ووداعتها وعبقها ورقتها وهشاشتها كذلك، في مقاومة قسوة الظروف

المعاشة، كون الشاعر يريد أن يفتح كوة مشرعة على المجهول ولكن لها زمانها ومكانها

ووجودها الإنساني باحتفالية عاشقة للحياة لتزيح الطارئ وتحتفي بالآخر بإحساس آدمي

وبألق قد يوازي ألق النصوص التي تشكل المجموعة الشعرية بمضاهاة في غاية الوداعة.

قد يريد منّا الشاعر علي البزاز أن نتحمل وزر مغامرته ونتقاسم همومه، قبولا

مشوبا بالغرابة، حين يقحمنا وبفطنة الشاعر المخاتل بهذه المغامرة اللذيذة، من خلال

عنوان مجموعته الشعرية، ولا نرى مغالاة في هذا الاختيار في عالم الغرابة الشعرية

الحديثة من حيث التناول متنا ومعنى، إذ يقول الشاعر أنسي الحاج بتوصيفه للشعر

الحديث بأن (له ثلاث حالات هي الإيجاز، التوهج والمجانية) ولا نعرف ماذا يقصد

الشاعر أنسي الحاج بالمجانية لأن العمل الإبداعي ليس بمرادف لمجانية الفعل

الإبداعي، سيما حين نتصدى لقصيدة النثر ومنجزها الذي أثرى المشهد الشعري الحديث

عربيا وعالميا، حيث تذهب سوزان برنار بوصفها قصيدة النثر بأنها (قطعة نفر موجزة بما

فيه الكفاية، موحدة، مضغوطة، كقطعة من بلور... هي خلق حر ليس لها من ضرورة غير رغبة

المبدع في البناء خارجا عن كل تحديد).

وهذا الكلام نجده حاضرا بقوة في تجربة علي

البزاز الشعرية، فقصيدته مضغوطة حد التفجر من حيث بناؤها الخارجي، إذ لا تحدها

مسارات مفتوحة على عواهنها، فهي ذات نفس متقطع، بصورة تبدو أحيانا متنافرة وأخرى

ذات حميمية في التوظيف المعجمي.

في نصه الذي يتصدر المجموعة يقول:

تتبع غيمة

فتترامى بأرجائك قاطبة

تنتشل أملاكها من الوحشة ثم تتراكم عليها صباحا

يتمناه

النهار

تهيج المدى الذي يحوك المراعي

ليست بساطا

إنما أيد وعناق

وعنوان

النص يبدو مخاتلا بصياغات لا تخلو من الغرابة، ويعود الضمير (هو) الى رسام في قبره

يرثيه الشاعر بطريقة تثير الشجن، ويذهب الشاعر بعيدا في إنصاف الرسام الراحل حين

يدك الزمن المتسارع علوا ليمحو القباب الشامخة سعيا للوصول إلى ذروة العمران

المتألق فنا وإبداعا.

الزمن المتعالي يدوس قبابا

تتمم رغم ذلك أنفتها قصيدة

(هو الثمرة مخبأ في تفاصيلها) ص5

ولا يترك الشاعر لحظات الرثاء هذه دون أن

يمنحها ما تستحق وفاء لهذا الفنان الراحل. ضربات شعرية تقترب كثيرا من ضربات فرشاة

الرسام وكأنه نقر على مسار الزمن الضائع بجمل شعرية بمذاق تشكيلي أخاذ.

في مدينة

حاسر عناقها

تلف الألم حول عنقها

كالشال .(ص9)

يريد الشاعر أن يوحّد هموم

المبدعين ليضعها في سلة واحدة بحيث يصعب التفريق بينها، وهو محق في ذلك كونه يحمل

من لمسات الوفاء ما يجعله في حالة من الصفاء الإنساني النادر.

هكذا

نحن:

نؤانس الأسمال حتى تكتظ بالملك (ص)10

يعمّد الشاعر نصه بلوحات شعرية

تختزن نكبة وطن ومحنة مبدع، وهو لا يستطيع تحريك الألم الخازن لهموم إنسانية إلا

بضربات تزاوج بين التشكيل موزعا على مساحة اللوحة، رساما، وشاعرا على البياض ليجعل

من النص المتحرك صنوا لإبداع متشابك بهموم مشتركة.

خلال قراءتنا الممعنة لتجربة

الشاعر علي البزاز، يدفعنا فضول القراءة بعيدا عن دهشة المغامرة حيث يسوق بالكلمة

الى مديات تكون غير مألوفة في أحايين كثيرة، فكلمة واطئة في نصه (محنة

واطئة):

أولئك الذين ننتسب اليهم

يطلون أبصارنا بالذكريات ويخفضون حتى

أغانينا

متذرعين بالمحبة الواطئة

هم بهذا الاختصار السفيه

برّية

خالية

نتساءل لماذا اختار الشاعر مفردة واطئة وليست متدنية أو ناقصة أو نكراء أو

وضيعة، مثلا. هنا تتولد عندنا الحيرة في توظيفات معجمية كهذه. لعله في هذا الحيز،

أراد أن يكيل جام غضبه من المرائين والمتزلفين والنفعيين كي يصف هذه العينات من

الكتاب، وأنا كقارئ أنتمي لهذه الشريحة، يسعدني أن يكون الشاعر بهذا الصفاء والوضوح

لكوني معه أمتعض من هكذا شريحة غريبة المراس، ولعله عانى وما زال، الأمرّين من

علاقات زائفة يغلفها حب واطئ، فهم يقولون ما لا يفعلون وهذه سمة هذه الشريحة التي

نعاني كثيرا من تلونها وفرسانها الملثمين، أسميناهم يوما أصدقاء وهم لا يتوانون في

إدارة ظهورهم حالما يبدو عليك الوهن وقصرت يداك عن العطاء، تلكم بيادق المشهد

الثقافي في عالم آسن بالعلاقات المقززة.

يا لهم من شجاعة تساوي إراقة الدماء

(ص13)

يبدو أن الشاعر علي البزاز يعاني كثيرا من قسوة الآخرين بعلاقات تتسم بإرث

مأفون، ما يجعله شديد الحساسية من هذه العينات فهم:

كالصحراء أتكبد بدو

آثارهم

رجال لا يتكاثرون

في غش زهيد يجري.

هم..............

محاولات /

إصابات.

تضميد الأهداف مسحة القربى بيننا. (ص)14

أما في نصه الذي يحمل عنوان

المجموعة (معا نقلّد الوردة مداها)

فتغلفه ضبابية مكثفة من حيث الرؤيا والحدث

مكانا وزمانا تتوزع على جغرافية معجمية لها من المطبات والحيرة بتعرجات لغوية ما

يدفعنا لأن نكون في غاية الصفاء والبحث عن المصالحة الجادة مع التوظيف الغرائبي

للكلمة وتركيبة الجملة الشعرية لكي نقترب من نوايا الشاعر الدفينة وكأننا نفكك نصا

طلاسميا شديد الغموض وعصيا على الفهم ومخاتلاته:

كان يعيد ترتيب النهر ليضمن

سلامة مجراه

بينما الساقية حجر بللها

يقيل الصوت من المنحنى

والوتر من

ثلمة الكمان

يعيره السنبلة فيزدهي الناي.

لنتأمل جيدا هذا المقطع من حيث وحدة

الجملة الشعرية توظيفا وتناسقا لنكتشف أن التضاد يحيل الجملة إلى تنافر قد لا

يستسهله الرافد للقراءة الشعرية الجادة ليصل إلى المغزى الذي يريد الشاعر توصيله لا

بطريقة ميكانيكية، بل بقصدية بالغة التعقيد تستوجب جهدا غير عادي للولوج لمتن

الجملة وبالتالي، فهم دوافع الشاعر في إنزياحات تشكل ظاهرة لا يجيدها إلا الشاعر

المتمكن من أدواته بكفاءة عالية.

يا لها من سموات تستعيض عن

وخزها

بالوسادة

كان يلم المساء قافلة تؤاخي الدروب، وتعادي جميع

الظلام

أيها القلم

حالما تتقوس

هو ذاته من سيعينك. (ص17)

إنها

استيهامات تنسج المداعبة أحيانا وتبعثر الذات الكسيرة أحيانا أخرى، بهدف إيقاظ

اللحظة المتكلسة في دواخلنا لأسباب قد تكون توجعا أو وخزا أو إيلاما لا حدود له.

توظيفات قد لا نجدها في تجارب عدة ليتفرد بها شاعرنا علي البزاز، وهو حر فيما يختار

من منحى مغاير في الكتابة الشعرية ولعله يتقصد في بناء حالة يجدها هو نفسه سبيلا

لمعارج كتابة لعلها تتسم بالغرابة لكنه يتساكن مع متن النص كما يبدو ذلك

جليا.

في نصه (ملامح) يفتح الشاعر ملفات الطفولة بكل مواجعها سيما إذا كانت

طفولة معذبة لا تعرف من تلك المرحلة غير الاسم ليس إلا.

فالشاعر يسعى لتوثيق

محطات أجدها لا زالت تحفر بعمق في دواخله لتبرز وهو في هذا العمر بقوة وكأنها حالات

لها ملذاتها ومتاعبها وبراءتها وجلالها وحضورها الدائم.

يتأهب الطفل ليحتسي

المواسم

فتصطاده جوقة الخريف.

كنا نبتكر الحميم من الشرفات

كي نهيّج

الماضي السعيد.

هناك تباين واضح في هذا المقطع الشعري والنص بكامله عما تتضمنه

المجموعة من نصوص أخرى كونه يستقيم من حيث القراءة ويمكن تصنيفه من نوع السهل

الممتنع.

فالشاعر يريد أن يوقظ محطات لم تبهت أبدا لكنها اختزنت في وجدانه لتشكل

بوصلة كلما أخذه الحنين إليها، أيقظها هو للمداعبة والإحساس بأن الزمن المر من

الصعب نسيانه لأنه لا يزال شاخصا بكل بلاويه وأوجاعه.

إننا لا ننوي أن نحيل هذه

القراءة لتجربة الشاعر علي البزاز الى قراءة نقدية، فقط أردنا أن نوليها ما تستحق

من رعاية لتميزها وإنصاف مبدعها، علما أن الديوان يشي بالكثير من العوالم الفاطنة

والتي تحفز القارئ لمواصلة الرحلة وقراءة متون النصوص، لكننا قد نخصص حيزا آخر

لننصف هذه التجربة الغنية ما تستحق من قراءة تفيها حقها.

من الجدير بالذكر أن

الشاعر علي البزاز يمتلك مرجعيات لتجارب شعرية باللغة الهولندية، فللشاعر أربع

مجاميع شعرية بهذه اللغة، وهنا يتضح التأثير البيّن للغة الهولندية على تجربة

الشاعر وحضور هذه اللغة بقوة في متون الديوان.

وقبل أن نغادر نصوص الديوان

الباذخة، لا بأس أن نستشهد بكلام علي حرب عن هذه التجربة حيث يقول في الغلاف الخلفي

للديوان:

'علي البزاز لا يشبه غيره من الشعراء العرب. فهو يخلق، بمجازاته

الفريدة وتراكيبه الغريبة، عالما من العلاقات والدلالات، لا تعود معه الأشياء كما

نعرفها، ولا اللغة كما نكتب بها، ربما لأنه أقام شطرا من حياته في هولندا، وربما

لأن الشعراء كما يتخيلهم، هم (أدوات) الكتابة، كما هم أبناء التجربة، وبالتأكيد فإن

اللغة تبلى وتحجب أو تخون ما تسميه من فرط الاستعمال والزيف أو التواطؤ والانتهاك.

وفي أي حال، إن قراءة شعره تحتاج الى أدوات نقدية جديدة، غير مألوفة'.

أجدني هنا

أن علي حرب قد أغرق التجربة بضبابية رؤيا تزيد حيرة القارئ تعقيدا بكلام مبهم قد

يربك التجربة أكثر من أن ينصفها فأنا أتفق معه في ما ذهب إليه في الجزء الأول، أما

ما ذكره عن تجربة الشاعر لاحقا فأجده ابتعد كثيرا عن مرمى الهدف الذي انحرف عنه

كثيرا.

ورقة تعريفية بالشاعر:

ولد على البزاز في مدينة الناصرية جنوب العراق

العام 1958. غادر العراق العام 1991، ويعيش منذ العام 1997 في هولندا. عضو الكتاب

الهولنديين، وقد صدرت له أربع مجاميع شعرية باللغة الهولندية: (شمعة ولكن تكسف

الشمس) 2002، (نادل أحلامي) 2003، (تضاريس الطمأنينة) 2008. (صوت في عريشة)

2008.

الشاعر: علي البزاز

الديوان: 'معا نقلّد الوردة مداها'

منشورات دار

التوحيدي

من القطع المتوسط

تؤثث الديوان 42 قصيدة موزعة على 100

صفحة.

وحتى نوطد علاقة القارئ بوشيجة قوية مع هذه النصوص بغرابتها وعنفوانها،

نستشهد بهذه العتبة الأخيرة كما أختارها الشاعر ذاته تعلوها صورته المغايرة في

الشاهدة بإطلالة لا تبتعد كثيرا عن غرابة النصوص ذاتها:

الشعراء عند الكتابة

أدوات

الرجال أدوات:

رجال كالمنفعة

رجال كالشبهة قوّامون على

التعب،

ينامون فيغفو

معهم مزيد من السمع

والبصر.

رجال كالحصرم ضاعوا من

أجل

العنب

رجال في سرور الضوء صاروا

لهبة في شموع.

استريني أيتها الغصة

من

وردة تندلع سخاما.

أملي في التراب ما نفع الذهب

المقوّى.

خارج لأنه لا

يهادن هذا الذي

أفكر فيه

ليس لديه أسنان ليجعلها

أدوات للصداقة.