Facebook
شهقات جندي / مسرجية مونو دراما PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: حسن النواب   
الأحد, 04 كانون1/ديسمبر 2011 11:18

7ssen
هذه المسرحية ..

فجيعة .. تبدو للوهلة الأولى كالخرافة!! ولايمكن ان تحدث في هذه الحرب.. ولكن سنكتشف بعد حين .. ان جميع الذين دخلوا في اتونها مرغمين قد خرجوا من مستنقعها الدموي وثيابهم ربتما مخضبة بدماء بريئة!! واصابعهم مازالت تنبعث منها رائحة البارود ودخان القنابل ومن حناجرهم شهقات الندم.. وذكرياتهم مليئة بالدموع .. تلك الدموع التي ربما هي الشفيع الوحيد الذي بوسعه محو الذنوب من ذاكرة الجنود الذين عادوا سهوا من موت اكيد .. لإولئك الذين اجبروا على خوض حماقات تلك الحروب والتي لا رجاء فيها و منها ، وهم مابرحوا يصارعون ذواتهم حتى الساعة .. لجميع اولئك الجنود ولذلك الجندي الباسل الذي اعدم نتيجة لموقفه النبيل لكل أولئك شهقات هذا الجندي .

************

تتوهّج الإنارة زرقاء داكنة على غرفة صغيرة في مشفى نفسي ، حيث نرى سريرا من الحديد في منتصف الغرفة مغطى بشرشف ابيض اللون ، ونرى ايضا شمّـاعة من الألمنيوم اسطوانية الشكل وبأذرع معقوفة خالية من الملابس منتصبة في احد الأركان الى جنبها مكنسة بذراع طويلة ، هناك لوحة زيتية لزهورغامضة بألوان صارخة معلقة على جدار الغرفة المواجه للجمهور، ثمة طاولة مدورة عليها مذياع صغير وكتاب ودفتر بغلاف اسود مع وجبة طعام بسيطة.. لحظات ويدخل الى الغرفة رجل بملامح حزينة يعرج قليلا في مشيته .. وقد اطلق لحيته ، يرتدي ملابس متواضعة تبدو رثة .. ويعاني من مشاكل نفسية كما تراود مخيلته معظم الوقت بعض الصور والمشاهد والأصوات الغريبة المزعجة.. يتجه مباشرة الى تناول وجبة الطعام بنهم واضح ثم يتوقف فجأة عن ذلك مرتبكا ونرى ارتعاشة يده.. حيث تبدأ تراوده تلك الأصوات الغريبة المزعجة ومنها الصوت الذي بدأ يسمعه الآن .. وهوصفيرحاد لقذائف مدفع يعقبها صوت انفجاراتها المدوّية والمفزعة ، ينزوي الرجل هلعا في ركن الغرفة ويضع الشرشف الأبيض كساتر يتفادى به القصف ثم يتكوّرعلى نفسه من الخوف وهو يحدق بسماء الغرفة مرعوبا ...

الـرجـل / ( مازال منكمشا على نفسه ) اوقفوا هذا القصف الملعون ..اوقفوا هذا القصف الأعمى الذي لاطائل منه ، ماعاد هناك اي جندي على طول الجبهات ، الجنود أبيدوا جميعا وليس هناك من بارقة امل في سماع كلمة نصر في هذه الحرب الخائبة ، منذ سنوات كنا نحن الجنود نموت كل يوم وليس هناك من خبر نصر نسمعه ..( يشهق بفتور وصفير القذائف يخفت ) يالها من لعبة خادعة .. الجندي يموت اليوم ويحيا غدا ويموت بعد غد ولا من نصر هناك .. نموت ونحيا.. ونموت ونحيا.. ونمـوووء مثل القطط..( يمط حرف الواو من كلمة يموء ).. ولا من نصر هناك .. لا من نصر هناك .. ( مع تلاشي صوت صفير القذائف يترك الرجل ركن الغرفة ويطوّق بالشرشف الأبيض خصره كحزام راقصة ثم يلتقط المكنسه ملـوّحا بها كسيف او عصا.. ويبدأ بالرقص في منتصف المكان .. ونراه يهز كتفيه بعنف حاد على ايقاع الطبل برقصة شهيرة تدعى "الهجع " ) .. إرقص .. إرقص ايها الغجري بكل عنفوانك .. دعني انسى ويلات تلك الحرب وأنين الجرحى والشهقات الدامية والمستغيثة لأصحابي الجنود قبل ان يلفظوا انفاسهم الاخيرة على السواتر المتقدمة من الجحيم ..(مازال مستمرا بالرقص ) .. ارقص ايها الغجري .. وهزَّ بخصرك حتى يتساقط من عبق حياتك المستلبة رطب اللذة وعسل الشهوات على وجهك المعفر بدخان القنابل والبارود .. اليوم رقصُ وغدا هذا العنق يُقـَصُّ ..نعم اليوم رقصُ وغدا هذا العنق يُقـَصُّ... (يتوقف عن الرقص .. وتداهمه ذكرى من الماضي وكمن يخاطب شخصا مسؤولا عنه بعد ان يضع الشرشف الأبيض كوشاح على كتفيه ) .. ولكن ياسيدي جرمي لااستحق عليه الإعدام .. بل هو ليس جرما مطلقا كل الذي اقترفته اني تأخرت خمسة ايام عن موعد التحاقي الى جبهة الحرب ، آه ياسيدي لو تعلم اية ظروف قاسية حالت دون وصولي الى جبهة الحرب المشتعلة ( كمن يتلقى سؤالا ) ها .. ؟ عذرا ياسيدي لم اسمعك بوضوح .. أذُنانيَ مصابتان بالطرش ياسيدي نتيجة سماعي لهذا القصف المتواصل طيلة عشر سنوات وربما اكثر .. ( يقلد صوت القصف بتضخيم حرف الميم عند النطق وكناية غير مباشرة عن الدم ).. دُمْ ..دَمْ .. دُمْ .. دَمدمدمْ .. دَمدمدمْ ..دَمدمدمْ ( فجأة .. يشدّ نفسه ويضرب قدمه بأرض الغرفة مؤديا التحية العسكرية ولكن بشكل غير منضبط بسبب العوق الذي يعاني منه في ساقه اليسرى) .. نعم سيدي .. اسمعك بوضوح الآن .. لكن اتوسلك دع هذا الجلاد يبتعد عني .. ( يفرك ظهره كمن تلقى جلدا بالسوط لكن الألم مازال يلازمه فيلصق ظهره على جدار الغرفة ويبدأ بتحريكه الى اعلى واسفل لتخفيف الألم ) .. آه .. حمدا لله بدأ سعير لفحات ذلك السوط يتلاشى .. سيدي ؟ .. سيدي ؟ .. هل تسمعني ياسيدي وارجو ان تتفهم موقفي ايضا ؟ لقد اجبرتني الظروف اللاهبة على التأخرعن موعد الإلتحاق بجبهة الحرب ، نعم ياسيدي ظروف لاهبة وحارقة وخارقة تشبهُ رصاص البنادق ( يبتسم متملقا ) .. سيدي .. لو كنت في محلي لما عدت مطلقا الى جبهة الحرب ، لكني .. ادرك تماما ان غيابي الطويل عن جبهة الحرب يعني ان صدري سينخله الرصاص في ساحة الإعدام ، ولذا قررت ان اكسر قلبي مثل زجاجة عطر فارغة واعود سريعا الى جهنم .. (يتلعثم ويصحح هفوته سريعا) .. اقصد .. اقصد الى جبهة الحرب ، أتعرف ياسيدي.. ؟ إمرأة فاتنة .. امسكت بذراعي حالما انتهيت من قراءة قصيدتي وتركت المنصة وطلبتْ مني بخجل مفتعل ان تنسخ القصيدة التي قرأتها في ذلك المهرجان ، بلى ياسيدي انا شاعر هكذا احسب نفسي وهكذا يقول الأصدقاء ، والبرهان تلك الفاتنة التي امسكت بذراعي وطلبتْ بكل رقة الملائكة ان تنسخ حياتي المهشمة على سواتر الحرب ، وكان يا مكان .. كانت خطانا تحت نثيث المطر البغدادي وهو يزيل بأصابعه الشفيفة وبهدوء ناعس كل ماعلق على جسدي من دخان وبارود .. لا ادري ياسيدي هل كانت اصابع المطر ام اصابعها البلورية من فعلت ذلك .. آه ياسيدي لحظات فردوسية لا احسب انها ستتكرر بعد .. ( فجأة تتلاشى صورة الضابط عن مخيلته فيصرخ بتوتر واضح ويصفع خده بقوه ) .. ايها المتغابي كيف تركتها تفلت منك ؟ كيف ؟ كان الموت برشقة رصاص من مفارز الاعدامات التي تجوب المدينة وأنت تتجوّل بصحبتها .. اقدس بكثير من تشظي جسدك على ساتر في الجبهة ، الموت في الجبهات يذهب بك الى الجحيم ، والموت على صدرعاشقتك الفاتنة يقودك بلا شك الى الجنة .. ( تعود الى ذهنه صورة الضابط كرّة اخرى ) .. اتعرف ياسيدي ؟ ماذا قالت تلك العاشقة حين ادركت ان شاعرها سيغادرها ؟ اتعرف ماذا قالت ؟ قالت ياسيدي ما ابكاني .. انا الذي حملت بهاتين اليدين عشرات القتلى.. (مرتبكا من هفوته امام الضابط)عفوا سيدي.. اقصد عشرات الشهداء من اصحابي ولم تطفر دمعة واحدة من ضفاف عيني .. قالت ياسيدي .. خذني معك فاختة منكوبة وخبئني في عش صدرك ، خذني معك ظبية بتولا ًحتى أتيهَ في واحات دمك ، فحينَ تغيب عن ناظري تكون الحرب قد بدأت هنا في قلبي وانطفأت هناك في الجبهات .. اتعرف ياسيدي ؟ الآن ادركت ان تلك الفاتنة كانت هي الشاعرة وانا المتلقي لها ..(تغيب صورة الضابط) .. من اين اجيء الآن بآبنة الكروم وأحتسي قليلا منها حتى تُطفأ حقول الجمر المتوهجة في صدري ورأسي ..استغفر الله .. استغفر الله .. ( يخلع الشرشف الأبيض من كتفيه ويطويه على شكل عمامة ويضعها على رأسه ثم يخرج مسبحة سوداء من جيبه ويبدو لنا كمن يتحدث مع امرأة مجهولة ) .. خطوط كفك ياآمرأة ناصعة وواضحة وجميلة ايضا (يتلعثم قليلا ثم يصحح هفوته مستدركا )..أعني جميلة بالأنباء .. فهي تحمل بشائر فرح يلوح امام ناظري وسيطرق بابك بعد ايام .. رجل وقور ، موفور الصحة ، ويتمتع بثراء فاحش.. ( يستدرك) اعني بثراء حلال .. سيقترن بك ان شاء الله .. ان شاء الله ( كمن يتلقى سؤالا من المرأة فيجيب عليه ).. لا طبعا حرام .. خصلة واحدة تظهر من شعرك حرام ثم حرام .. يمكن ان تستغفري الله كثيرا وتزيدي من التسبيح حتى يغفر لك ماتقدم وماتأخر من الذنوب ، والآن هلا ّ تركتِ الغرفة لأن مكوثك هنا بدون حجة مقنعة يدع الشيطان يلعب لعبته معنا وهذا حرام ..حرام ياآمرأة .. كما انصحك لوجه الله ان تُخففي من غلواء الكحل في عينيك والعطر المتدفق من يديك .. اعوذ بالله.. اعوذ بالله .. ولكن لا بأس ان تتطيبي بالعنبر والبخور فهو اقل اغراء ويبعد طيف الشهوات عن الرجل ويجنبك خطيئة السوء .. ( يذهب يعرج نحو باب الغرفة كمن يشيّع خروج المرأة المفترضة ويفتح لها الباب ثم يغلقه ويعود ليجلس على السرير ) .. يالها من إمرأة حسناء .. حمدا لله لقد انصرفت ، صحيح ان القرآن اجاز الزواج من اربع نساء وربما اكثر .. لكن اترى هذه الحسناء ترضى برجل مشعوذ .. اقصد برجل عرّاف مثلي زوجا لها ، كان عليّ ان اكون اكثر جرأة وافصح لها عما اختلج في قلبي من شحنات عاطفية جياشة ، لا ادري ان كنت قد لمست يدها ام اني اتخيل ذلك .. ( يشمُّ يديه بعمق ) آه .. يا الهي عطرُ آخاذ ، لابد من الوضوء قبل ان امسك بالقرآن ، الواقع دُخْتُ تماما وانا اشمُّ رائحة الطيب المنبعث من فمها .. كدت اضع شفتيَّ على شفتيها لولا شكيمة روحي المتماسكة .. حقا انها انثى تستحق ان تُنثرَ تحت قدميها النقود .. ربما تعود يوم غد .. واذا ماعادت لن تفلت من يدي هذه المرة وليذهب الحرام والحلال الى جهنم وبئس المصير .. ( يخلع الشرشف الأبيض والذي كان عمامة على رأسه وينفضه لمرات عدة ثم يضعه بهدوء جليل مثل كفن على طول شمّاعة الملابس ونسمع هنا صوت صليات رصاص تتواصل للحظات تعقبها صرخة موجعة لقتيل بينما يجلس هو امام الكفن وكأنه يتحدث الى جثة صديق حميم) ..هل يمكن ان تصدّق ياصديقي العمـر " زاهر" بعد رحيلك المفجع ، ان هذه الأفعال تصدرمن كائن شعري مثلي ؟ ولكن هذا ماحدث حقا .. فبعد ان ركلتني الحرب خارج حديقة النار التي احرقت كل غصون حياتي اليانعة وأحالتها الى كومة رماد ، وجدت نفسي بلا حولٍ ولاقوة ، وان القوت صار بعيدا جدا عن فمي ومع استحالة الحصول على أي عمل ، ، إضطررتُ ان اكون راقصا مع الغجر لكنهم سرعان ماطردوني لإسرافي في شرب ابنة الكروم ثم اصبحت واعظا وقارىء كف للنسوة العوانس والأرامل والمطلقات وما اكثرهن بعد الحرب .. لكن هذه المهنة لم تصمد طويلا معي.. اتعرف لماذا يا" زاهر" ؟ (يضحك ).. لأن تنبؤاتي بقراءة خطوط الكف لجميع النسوة كانت خاطئة وخائبة .. فلم اجد من سبيل سوى تربية بعض الدجاجات فوق سطح الدار ومن بيضها احصل على طعامي وكنت فرحا برغم ان الأمر لم يكن سهلا ، اذ كنت اخرج فجر كل يوم لأجمع فضلات الطعام من براميل القمامة علفا لتلك الدجاجات ، غير ان فرحي لم يدم طويلا .. ( نلاحظ حزنا على ملامحه ) .. فذات صباح نحس صعدت الى سطح الدار ورأيت ان مصدر عيشي ذهب ادراج الرياح .. نفقتْ جميع الدجاجات يا "زاهر" نتيجة وباء فتاك .. (ينهض ويصرخ) ..اما من نصير ينصرني بجرعة من ابنة الكروم حتى تهجع بها خيول روحي الصاهلة .. دعني اشرب ياصديقي ..فليس هناك سوى إبنة الكروم من تسعفني حتى أتناسى افعالي الشائنة وأنسى ايضا مافعلت اصابعي الخائنة بك من فجيعة!!

( يخاطب جثة "زاهر" متوسلا ) هلا ّ شربت معي قليلا .. تشجع وآكسرحاجز الصلاة والعبادة والتسبيح وتمتع معي بمذاق ابنة الكروم .. ولكن اعرفك كم انت متشربٌ حتى اخمص روحك بالصلوات .. ولكن كيف لمؤمن مثلك ،لا يغفر الخطيئة التي ارتكبتُها بحقك ايها الصديق.. هل ان الشرع الديني مثلا يجيز الإثم.. ( كأنه يسأل نفسه ) إثم ؟؟ انها جريمة تلك التي اقترفتها بحق جسدك النقي البريء الصدوق الزكي الطاهر..اواه ياقلبي .. ( يتأسى وجعا ) نعم يا"زاهر" انها حكاية مفجعة وغريبة حقا .. لكن دعنا منها ، ارجوك دعنا منها "يازاهر".. فأنا لاامتلك الشجاعة حتى استمر بسرد تفاصيلها مرة اخرى .. ولكن تأكد ليست اصابعي من اطلقت عليك الرصاص ..نعم لست انا من اطلق على ربيع جسدك النار .. انها الأوامر.. حسنا .. حسنا .. دعني اخبرك ماذا فعلت بعد ان دفنت دجاجاتي ، اتعرف يا"زاهر" ماذا فعلت .. ؟ هل تذكر يوم جُرحتُ في قصبة ساقي اليسرى في احدى معارك الحرب وكيف وضع الاطباء قطعة من البلاتين بدلا من تلك القصبة المهشمة ؟.. اتعرف ماذا فعلت بقطعة البلاتين ؟ لقد بعتها ؟ نعم بعتها .. اتعرف من اشتراها ..؟ لقد اشترى قطعة البلاتين ياصديقي مضمد صحي في حارتنا بعد ان تكفل هو بإستخراجها من ساقي .. وهذا ماحدث فعلا .. اما كيف خطرت هذه الفكرة برأسي .. وكيف قررت ان ابيع قطعة البلاتين؟ فالجوع ياصديقي هو من جعلني افكر بذلك .. اتعرف بكم بعت قطعة البلاتين تلك على ذلك المضمد الصحي اللعين ؟ اتعرف بكم ..؟ ( كمن يسمع ردّا ً من صديقه ) لا ابدا.. كان مبلغا تافها ياصديقي .. لم يصمد معي سوى اسبوع لسد رمق جوعي .. ويح افعالي المشينة تلك.. يا"زاهر" .. اية مهزلة قاسية ارتكبتها بحق جسدي .. انتزعْ قطعة البلاتين من ساقي وابيعها على مضمد صحي جشع حتى اشبع عصافير بطني لبضعة ايام .. والآن انظر ..لقد اصبحتُ لا أقوى على المشي .. اية مهزلة هذه .. أتُرى كل هذا يحدث لي نتيجة تنفيذي الأوامرالعمياء واطلاق الرصاص على من كان توأمي في مشاوير الحياة ( يصرخ بشمّاعة الملابس والتي يتخيلها جثة الصديق) هيا .. اغرب عن وجهي .. لا أطيق ان اراك ايها المؤمن المتعبد .. انتهت جلستنا ودعني اتمتع بهذه الخمرة .. بنت الكروم لوحدي .. هيا ابتعد عني انت وصلاتك . ( يصرخ بعنف ) قلت لك دع وجهك ينأى عن ناظري .. ما عدت اطيق البقاء معك وانت تراني اتاجر بجسدي .. ومافرقي عن أيةِ بغيٍّ تتاجر بجسدها .. لماذا فعلت كل هذا بجسدي ؟ الجوع ليست حجة مقنعة حتى اتصرف بهذه الوضاعة .. انها لعنتك ياصديقي من دفعتْ بي الى هذه الهاوية .. (يصرخ بجثة صديقه) هيا أغرب عن وجهي .. البلد بأوصاله المقطعة كان يعيش ايضا بمعدة فارغة .. كان بوسعي ان ان ابيع مكتبتي ولاابيع قطعة البلاتين التي اصبحتْ ساقي بدونها لاتقوى الا قليلا على الحركة .. اللعنة على المضمد الصحي وعلى مبضعه الذي لا يفكر إلا بجني المال .. واللعنة على جسدي ايضا .. فمن يبيع قطعة البلاتين من ساقه بوسعه ان يبيع صديقه في لحظة خذلان وهذا مافعلته بك ، بل بوسعه ان يبيع البلاد بأسرها لو سنحت له الفرصة بذلك.. وربما يبيع حتى مكانه المؤمل الحصول عليه في الفردوس.. بل يمكن حتى ان يبيع المطر الذي لم يهطل بعد من هذه السماء .. ربما نسيت حكاية ذلك الفلاح الغبي الذي اشترى غيمات في السماء من عابر سبيل مرّ على حقله مصادفة .. لقد خدع عابر السبيل ذلك الفلاح بذكاء مثلما خدعني ذلك المضمد الصحي البشع .. لـَكَمْ اشبه ذلك الفلاح الساذج .. إسمع .. إسمع هذه الحكاية ياصديقي قبل ان تغادرني الى الأبد .. ( يرفع الشرشف الأبيض من على شمّاعة الملابس ويضعه على ارضية الغرفة كبساط ثم يجلس عليه ويمد يده كالشحاذ ).. هكذا كانت تجلس تلك الشحاذة في نفق ساحة التحرير .. وهناك بعض النقود المتناثرة امامها .. حين اقتربتُ منها كنت بوضع يدعو حتى عدوّي للشفقة عليَّ ، جوع في معدتي وهزال في جسدي ووهن في عظامي وصداع في رأسي ولم اكن املك حتى فلسا واحدا ، وكنت بحاجة الى نقود قليلة حتى يتسنى لي ان اشتري سندويجا بسيطا .. وقفت امام الشحاذة منكسرا لدقائق بينما راحت عيناها تتفحصني بشفقة ثم .. ثم ..( يهز رأسه ونرى الدموع تنهمر على خده ) اتعرف ماذا فعلت الشحاذة ..؟ لقد قامت بعمل إنساني يعجز ان يقوم به ثريٌّ نبيل في مثل ظرفها .. قالت لي بهدوء .. لماذا انت واقف هكذا مثل رجل مهزوم ؟ هيا خذ مايسد رمقك من هذه النقود .. ولكن عندما تحصل على المال في قادم الأيام لاتنسَ ان ترجع الى هنا وتعيد لي ما أخذت من نقودي .. الحق لم اصدق ما قالت .. فانحنيتُ على نقودها، حينها احسستُ ان كل كبرياء البلاد ينحني معي .. وحين اخذتُ مايكفيني من النقود.. نهضتُ .. فقالت لي باسمة .. الآن صرت ارى ثمة دماء بدأت تصعد الى وجهك .. بقيتُ واقفا كالأثول .. فنهضتْ ودفعتْ بي برفق وهي تقول .. يبدو انك لم تذق طعاما منذ وقت طويل هيا اذهب الى اقرب مطعم ودعني في طلب رزقي .. ( يمسح الدموع من على خديه ويركع على الأرض ويبدأ بضرب رأسه في أرضية الغرفة عدة مرات ) يالسخافتي لقد حصلت بعد اسبوع على مال لابأس به لا اذكر من اين حط في جيبي ؟ غير ان تلك الشحاذة القديسة التي وهبتني بعض نقودها لم تخطر على بالي قط .. لقد نسيت لمستها الإنسانية بسهولة .. الآن فقط تذكرتها .. ترى أما مازالت جالسة في نفق ساحة التحرير ؟ (ينهض الى شمّاعة الملابس ويضع الشرشف الأبيض عليها من جديد فيراها جثة لصديقه) اسمع ياصديقي.. ..هلاّ خطفتَ بروحك على نفق ساحة التحرير من بوابته الشمالية المؤدية الى شارع السعدون .. فلربما ترى سيدة بعباءة سوداء يطلُّ منها ذلك الوجه الذي يشبه صحنا من القيمر وثمة وشم ازرق يشبه نجوم الثريا على خدها ..إذا ما رأيتها .. ارجوك .. التمس منك ان تخبرها ان الدَّين الذي بعنقي سأعيده اضعافا حالما اخرج من هذا المصح النفسي .. هه ؟ هل بوسعك ان تقوم لي بهذه الخدمة .. وسأنسى لعنتك التي مازالت تطاردني ؟ "ها "..؟ "ها" ..؟ ماذا قلت ؟ هيا انصرف يا"زاهر".. هيا انصرف ( نسمع صوت هطول المطر.. يقفز بساق عرجاء نحو نافذة الغرفة يرفع ستارة الشباك ويبقى يـتأمل المشهد للحظات ثم يستدير الى الجمهور) آه لو يسمحوا لتلك الطيور المحلقة فوق ضفاف هذا النهر والتي بللها المطر ان تنام معي في هذه الغرفة .. ولكن كيف السبيل اليها؟ والنهر يحاصر هذا المشفى من جميع الجهات.. تلك الطيور تستحق العناية اكثر من أولئك الأوغاد .. فهي لم تسرق قوت فقراء يجلسون على قارعة الطريق لأنهم بلا مأوى ، ولم تكتب قصائد تتدلى من سطورها الذيول ، ولم تقد دبابة الى أرض المعركة حتى يبيد مدفعها مئات الجنود ولم تغزو بلادا آمنة ، ، ولم تطلق الرصاص من بنادقها على اناس عُزّلْ كل ما يحلمون به هو الرغيف ، ولم تشيّدْ عماراتٍ سكنية تهوي بعد سنين على رؤوس ساكنيها ، ولم تتلاعب بعقول الناس عبر التصريحات السياسية الزائفة ، والأهم من كل ذلك ان بيتها .. ماهو الا عشَّا صغيرا على غصن شجرة ، اني احسد هذه الطيور .. أحسدها .. نعم أحسدها فهي وحدها من تمارس نبلها ونزاهتها في هذه الدنيا دون اي رقيب ، اني لأعجب كيف لم يفكر الخالق بفردوس متميز هناك في أعالي السماوات .. لهذه الطيور النبيلة والطيبة ( يتهاوى على السرير متعبا ) اللعنة ..تلك الصعقات الكهربائية التي تلقيتها في رأسي قبل ساعة مازالت تؤلمني ، تؤلمني اكثر من ذلك الجرح الذي حدث لي في معركة شرق البصرة .. قلت للضابط سيدي انا انزف من بطني .. شظية بقرت امعائي .. وهذا دمي يخضب ملابسي ويدي .. سيدي ما أحوجني الى ضماد ميدان .. اني على وشك الموت .. لم يسمعني الضابط كان حينها منشغلا بحلمه فعسى ان يحصل على ترقية أعلى او وساما رفيعا من تلك الحرب او ربما كان خائفا من قصف القنابل المتساقطة هنا وهناك .. سيدي اكاد اموت .. لا ادري من اين انبثق ذلك الجندي الشجاع وسط جلجلة القصف والدخان ورائحة البارود لينقذني ؟ كنت على وشك الغيبوبة حين رأيته يرفع لفاعه من حول عنقه ليشد نزف جرحي .. ما زلت اذكر صوته الحنون اللاهث وهو يردد بثقة .. إطمئن مازال الموت بعيدا عنك .. لاتخف لن تفارق الحياة مادام لفاعي هذا زار مراقد الأولياء ..(ينهض كالملدوغ نحو جثة زاهر ..ويخاطبها) ذلك الجندي الباسل هو انت يا"زاهر" .. ومَنْ انقذْتهُ من موت اكيد هو نفسه من اطلق عليك النار.. وها انا الآن اقف في هذه الغرفة بكل انحطاطي وسفالتي ، اما ذلك الجرح الذي كاد يأخذ بي الى جهنم صار الآن على بطني مثل أثر لضربة سوط من جلاد في سجن البلاد ، آه يا سجن البلاد كم ابتلعتْ ارضك من ضحايا .. احيانا كنت حين اتعثر بخطاي من شدة الجلد واهوي على الأرض كانت اصابع يدي تصطدم بعظام جمجمة طرية لم يجف لحمها بعد ، بل اذكر مرة ان قدميّ ركلت دون قصد كفـّا مقطوعة مازال الدم ينزف منها ، امّا ذلك الجندي الذي رأيناه معا في ساحة الحرب فله قصة طريفة حقا ..هل تذكر "يازاهر" حين اشتد القصف علينا وجاءت لنا الأوامر بالإنسحاب الى الخلف ؟.. واثناء هروبنا الجماعي ونحن نهرول الى الخلف سقطت قذيفة بجوارنا بترت شظاياها ذراع احد الجنود الذين كانوا معنا ..هل تذكر كيف رأينا ذلك الجندي يهرول بذراع واحدة وكاد يسبقنا ؟.. ضحكنا ساعتها .. نعم ضحكنا من ذلك المشهد الخرافي الذي لا يصدق ، بيد ان ذلك الجندي سرعان ماتوقف حين غزاه الألم واكتشف ان ذراعه اليسرى ليست معه ..هل تذكر يا" زاهر" كيف أشرتَ بيدك للجندي المسكين على موقع سقوط ذراعه المقطوعة .. ووسط ذلك الهلع رأينا ذلك الجندي يعود بسرعة ويلتقط ذراعه ويواصل الهروب معنا .. هل تعرف يا"زاهر" ؟ .. حين اخبرتُ بعض الناس بهذه الواقعة بعد الحرب .. قالوا عني.. ان لوثة الجنون بدأت تنضج في رأسي ..لا لا ( يصرخ ) لا لست مجنونا .. ولا أريد المزيد من تلك الصعقات الكهربائية .. لقد احرقتم رأسي بتلك الصعقات مثلما تشوون رأس شاة .. لست مجنونا .. واريد الخروج من هنا .. فمن المؤكد ان هناك حربا اخرى تترقب قدومي وسأزُجّ بها مرغما مثل خروف كالعادة ، بالرغم من اصابتي بتلك الحرب لمرتين مرة في ساقي واخرى هنا في بطني .. انا الشاعر .. ولست المجنون .. (ينتشل الكتاب من على الطاولة ويفتحه على احدى الصفحات و يبدأ بإلقاء قصيدة بشكل لافت.. مصحوبة بشجن كبير) .. وأغادر دكــّة باب الدار، ومن غسق الدمع أمـرُّ الى اصقاع مراعي النار ، وحيدا منطفىء القلب ، أرتــّقُ جرحا غـِبَّ رحيلي ، اينع حزنا بمراعي الروح ، واقدح احجار الذكرى عن عبث ، بزناد الرؤيا ، لاتبرق .. او تشتعل ُ ، ما ابهج هذي اللحظة ، سأغازل شمس بلادي ، وأناور طلقة قناص ٍ مسعور ٍ ، إجتازت فروة رأسي ، قبل ثوان ، تـَصْفـِرُ خائبة ،نادمة ، تشجب سبـّابة مَنْ اطلقها بعويل ... (يمط حرف الياء طويلا من كلمة عويل و يتحول الرجل بغتة الى امرأة ثكلى مقلدا جميع حركاتها كأنثى .. بعد ان يرفع الشرشف الأبيض من شمّاعة الملابس ويضعه كعباءة على رأسه .. ويبدأ يجول داخل الغرفة لاطما خده وصدره كما تفعل النساء في المآتم وهو يصرخ ) يبووووه .. يبوووووووه .. احوحو احو حو .. لماذا اعدمتم ابني الوحيد ؟ "يمه" .. "زاهر" .. الورد في الحديقة قدْ ذبل ، والبلابل هجرت التغريد .. وماء الروح صار علقما بغيابك ، "زاهر" ولدي .. انا امك شفيعة النائحات هي من تنوح الآن وتناديك.. "زاهر" .. ولدي .. الحلوى التي نثرتها على رأسك يوم نلت شهادتك الجامعية تحولت الآن الى رصاص ملتهب في مجاهيل روحك .. "زاهر" .. السعادة التي كنت تحملها الى واحة قلبي الطعين صارت الآن غَمَّا يزهر بالجمرات .. جمرات الحرب والبلاد والصداقة الخؤون التي اخترقت جسدك الذي ماشبع بعد من دفء حنان صدري ..( بحركة هلامية يقوم بإخراج ثديه من القميص ) الهي هذا الثدي سأقطعه من صدري فماحاجتي اليه بعد، وهذي البلاد قتلت مهجة روحي .. ها انا اسألك ايتها البلاد .. اي جرم اقترفه ولدي "زاهر" حتى يشتعل جسده بالرصاص ؟ هل لأن فلذة كبدي "زاهر" أبى الإشتراك مع العساكر الغازية في تدمير وسلب بلاد أخرى فيصبح رفضه هذا خيانة عظمى للوطن ؟ هذا هو جرم ولدي "زاهر" بنظر البلاد والجنرالات ، فما ادراني ماهو مخبوء تحت الأكمة ؟ ولدي "زاهر" .. "يمه" زاهر .. الأرض التي استقبلت جسدك النازف ، ازدحمت بالحمام ، هل رأيت الحمام وهو يهدل على قبرك المجهول كل فجر وضحى ،ولدي "زاهر".. "" دللول ياالولد يبني دللول .. بلادك عليله وساكنه الجول.. دللول ياالولد يبني دللول.. صديقك عليل وساكن الجول.. ( ما ان ينتهي من الندب .. حتى يرفع الشرشف الأبيض من فوق رأسه .. ويشده بذراع المكنسة فيتحول الى راية بيضاء .. يبدأ بتحريكها يمينا وشمالا على ايقاع طبل عسكري ويتحول هو الى خطيب في كراديس عسكرية راجلة ) هاهم رجال الوغى .. والمهمات الصعبة يدكون الأرض فينبجس الماء من تحت اقدامهم ، هاهم الجند الاشاوس يزحفون بعنفوان النصرحتى الرمق الأخير ، بوركتم يارجال التحرير ، بوركت سواعدكم وبنادقكم ومدافعكم وجحافلكم ودباباتكم وطائراتكم و.. ( يضحك وينكس الراية وتتخلى عنه شخصية الخطيب ) كذب.. كل ذلك كذب وتطبيل زائف ونفخ بقربة مثقوبة .. كان عليك ان تقول ايها الخطيب لتلك الكراديس الراجلة.. الويل لهزائمنا واللعنة على غنائمنا ..( يضحك من جديد ويرمي بالراية البيضاء الى الأرض )..جائع .. روحي تتضور من الجوع .. جائع .. جائع .. جائع الى الشجن الى الحنان الى الأمان الى الوطن .. جائع الى الفرح الى المرح الى الصهيل جائع الى العويل الى الغناء .. جائع الى الدواء ..لا.. لا .. لست جائعا الى الدواء ( يصرخ ) لا .. ارجوك لاتعطيني هذا الدواء ، لا اريد الدواء .. لست مجنونا .. لست مجنونا ..لست مجنونا ، انا اعقل من الحكمة نفسها (يتخيل سماع طرقات على الباب .. ونراه يشعر بالهلع .. يذهب الى ركن الغرفة مرتجفا ) يا إلهي من المؤكد انهم عادوا ليصعقوا رأسي .. ان سوط الجلاد لأهون بكثير من شحنات الكهرباء التي مازالت تئزُّ في رأسي ،أواه يا الهي .. رأسي خلية نحل الآن .. حسنا متى يتدفق العسل من فمي ؟ بل متى ينهمر الشِّعر من مزاغل روحي اللائبة ؟ ( يجلس على السرير وتكون امامه الطاولة المدورة بعد ان يحل الشرشف الأبيض من ذراع المكنسة ويجعل منه هذه المرة ربطة عنق طويلة تتدلى على صدره وتلامس الأرض.. يتبدل صوته الى نبرة الجبروت والهيبة وهو يدخن سيجارا بشكل هلامي مثل اي مسؤول رفيع ) .. لايمكن للشاعر ان يكتب قصيدة متميزة مالم يكن مخلصا الى قائده ، ولايمكن للقصيدة ان تستجيب للكائن المتردد والذي لايحب سيده ، القصيدة بحاجة الى مخلوق من طراز خاص ، وتلك المواصفات لاتنطبق عليك يابني ، وهذه التي تظنها قصيدة ماهي الا خربشات لمخلب قط محاصر في قمقم ، يستحسن ان تجد لك مهنة أخرى غير الشعر، خذ هذه الخربشة .. نحن نعتذر عن نشرها في مجلة راقية ..خذها .. مابك تسمرت بمكانك ؟ هيا خذها وانصرف ..هيا.. ( يترك الطاولة ويرفع الشرشف الأبيض من حول عنقه ويضعه على كتفيه مرة اخرى كوشاح وبصوت موتور ومرتبك يوجه كلامه للمسؤول والذي يظنه مازال جالسا خلف الطاولة المدورة).. إسمعني جيدا يا مختال .. انت الذي لاتصلح ان تكون بهذا المكان ، فهيئتك البدينة مع صلعتك اللامعة هذه يناسبها تماما ان تكون سمسيرا لنساء ، وان كل ماتكتبه من مقالات رنانة وقصائد طنانة تبارك بها سيدك وغزونا لبلاد اخرى لاتصلح حتى ان تكون علفا لحمار ضال .. انت وامثالك من جعل الشعر يتراجع بخطوات واسعة للوراء ، امضيتم حياتكم تنفخون في بطن سيدكم تلك المقالات البائسة والقصائد التي سال من شدقيها لعاب التملق ، وبسبب هذا النفخ المتواصل منكم تورطنا بحروب لا اول لها ولا آخر ، ولذا ماتقوله عين الصواب ، نعم سأهجر الشعر ولوعة القصيدة ( يرفع المكنسه ويبدأ بكنس ارض الغرفة ) مترقبا ان تكنسكم ذات نهار عاصفة مجهولة .. نعم سأكنس كل أثر تبقى منكم على ارض البلاد.. اكنس دَجلكم ورياءكم وجبنكم وشهوتكم وترقبكم لمكارم سيدكم التي لاحدود لها..حينها سأعود واقرأ اشعاري بعيدا عن جسدك الراقص على إيقاع التملق وقرع الطبول .. (يسمع صوت هديرلسرفات الدبابات ولغطا لجنود موتورين.. يسرع ويخلع الشرشف الأبيض من على كتفيه ويربطه حول جسده مثل حبل الى شمّاعة الملابس فيصبح شخصية صديقه "زاهر" الذي سينفذ حكم الإعدام بها بعد لحظات ..يمكن ان يغيّرنبرة صوته الى رنة هادئة وهو يتقمص شخصية "زاهر") .. حسنا ياصديقي الشاعر أخيرا سأموت بنيران رصاصك .. ولكن لا أدري كيف ستمضي حياتك بعد ذلك ؟ وثمة هاجس يتردد صداه في اعماق روحك .. كيف اطلقت الرصاص على صديقك ؟ وكل جريمتي اني رفضت الدخول معكم لإحتلال بلاد أخرى .. ارم هيا ارم ..هيا ارم..كل مافي جعبة بندقيتك من رصاص نحو جسدي ايها الشاعر.. ( يتحرر من الشرشف الأبيض ويضعه من جديد فوق شمّاعة الملابس ليصبح كفنا لجثة "زاهر" مرة اخرى ويبدأ بصوت جريح مخاطبا الجثة ).. لقد نفذت الأوامر .. اماجريمة اعدامك .. اراها الآن مثل ثعبان من الجمر يتدلى من عنق الذي اصدر لنا الأوامر .. ( يلوب في مكانه ).. لا اصدق ان اصابعي هي من اطلقت النار ، لا ادري من اية حجارة لعينة صنع الله قلبي.. ؟ فماعاد في داخل هذا الصدر طائر يغرد اسمه القلب ، لقد فر هذا المخلوق البريء في اللحظة التي سمع فيها اول انفجار قنبلة في هذه الحرب ، ولكن تأكد ياصديقي ان اصابعي شُلـّتْ لحظة تنفيذ الرمي ولذا طاشت اطلاقاتي بعيدا عن جسدك ، تأكد ان الرصاصات التي ثقّبتْ جسدك البريء كانت منطلقة من بندقية الجندي الآخر الذي شاركني بإطلاق النار عليك ..صدقني هذا ماحدث بالضبط ( يصرخ كالمصعوق ) لا .. لايمكنني تخيل ان رصاصي اشتعل هناك في غابة صدرك يا"زاهر" ، وليس هناك مايرغمني على الكذب وانت ادرى بقلبي الرهيف هذا الذي لايقوى على رؤية دجاجة تُذبح !! يالهذه الحرب كم تكره الذي يُدعى انسان.. لكنها في ذات الوقت تعشقه بقوة ؟ اتعرف لماذا يا"زاهر" .. لأن الإنسان طعامها الوحيد وليس سواه من يدعوها ان تستمر ، اية مفارقة هذه ..؟ حرب تكرهك وتحبك في آن واحد ، هذه الحرب التي لم تدع أي انسان يعود الى بيته برأس معافى .. انت تعرف يا"زاهر" ان جميع الذين عادوا من السواتر الاولى يعانون من فوضى غريبة واضطراب في رؤوسهم ومشاكل لا حصر لها.. واذا ما رأيت احدهم يبدو لك رزينا فتأكد ان تلك الرزانة لاتصمد طويلا حين تحدّثه عن الحرب، ولكن تأكد اني لم اطلق الرصاص عليك ، ،كيف تظن اذن انَّ اصابعي تطلق عليك النار ؟ صحيح كنت أقف امام جسدك الموثّقْ بالحبال وكانت فوهة بندقيتي مصوبة نحو قلبك لكن حين ابتدأ الرمي رفعتها الى الأعلى وطاشت رصاصاتي نحو السماء .. اية فجيعة اشهد الآن شهقات اشتعالها داخل صدري .. اي امتحان قذر وضعتني هذه الحرب بجحيمه ، ترى هل يمكن ان تصاب بصيرتي بالعمى ؟ ويتحول هذا القلب الى قطعة معدن صدئه ..من يصدق ان هذا الصديق المضرج بدمائه قتل برصاص بندقيتي ؟ لا.. لن افعل ذلك لست جبانا الى هذا الحد فاطلق النار عليك حتى انقذ نفسي .. يالقسوتكِ وبشاعتكِ ايتها الحرب .. ها انت تحاصرين كائنا كان كل حلمه ان يكون شاعرا ، تحاصرينه بين انيابك القذرة وترغمين يده على رفع البندقية لينطلق الرصاص الى حشاشة صدره ونور عينيه .. وهو لا يقوى على فتح فمه ليصرخ ان هذا الرصاص المنطلق من بندقيتي وبندقية الجندي الذي شاركني في تلك الواقعة المريرة ، انما مضى بوقاحة لقتل صديقي "زاهر" .. ايه ايتها الحرب ان شهوتك المتوحشة لتدميري تجاوزت حدودها وإلا كيف تضعين اعز اصدقائي امامي وتأمرين اصابعي ان تطلق عليه النار هاهو الآن اضحى جثة هامدة ( يشير الى الجثة ).. ولكن برصاص من شاركني الرمي .. ( يصرخ ) لست انا من قتلك يا"زاهر" .. لقد انتصرتُ عليك ايتها الحرب وخدعتك ، اذ كنت تأملين ان رصاصي سيخترق صدر صديقي .. لكن هيهات .. فرصاصي يشهد الله انما ذهب ليخترق باب السماء حتى تبصر هذه الفجيعة .. نعم لقد تمكنت من الانتصار عليك ايتها الحرب .. ( يقترب من شماعة الملابس التي مازال عليها الشرشف الأبيض مثل الكفن ) "زاهر" .. هل تسمعني ؟ لقد رأيت الملائكة ترتعش فوق رأسك لحظة اطلاق الرصاص .. ورأيت البلاد تجلس بجوار دمك تبكي .. كانت عيناك بركتين من النور المدمّى وانا ابصرهما عبر شعيرة الرمي .. وحين اخترقت رصاصات الجندي الذي بجواري بساتين صدرك رأيت حمام البلاد يعشش في الثقوب التي توهجت فوق جسدك ، لقد قررتَ ان تبقى صامتا ولم تقل ان الذي صَوّبَ بندقيته نحوك انما كان صديقك ، لقد بقيتَ صامتا لكي تبعد عني شبح الخيانة امام ذلك الضابط الدموي الذي اصدر الأوامر لنا باطلاق النار عليك .. وانت تعرف جيدا ان الذي صَوّبَ البندقية الى ربيع عمرك انما كان صديق الطفولة والصبا .. ولكن صوتك الحنون سمعته من عينيك يقول.. كيف تطلق الرصاص على من قاسمك الطفولة والصبا وحتى الجنون ؟ ولكن يا"زاهر" هل راودتك الشكوك لحظة واحدة ان اصابعي يمكن ان تطلق النار عليك .. كنت ارى ابتسامتك وانت تذوي وتذوب مثل شمعة عرس فوق التراب.. ابتسامتك التي اطلقت سربا من النوارس النازفة وهي تصعد للسماء .. وحين سمعتك تردد الشهادة .. رددت مساجد الأرض جميعا صداها ، اطمئن ياصديق الحصى والمياه .. فدمك الذي خضب ثوب الأرض كان ينزف من قلبي .. اطمئن ياصديقي سأحمل جثتك الآن مثل هودج عرس وازفك مع موج النهر الى الضفة الأخرى حيث امك الثكلى مازالت تنتظر عودتك وهي تجلس على عتبة باب الدار تنوح وتبكي.. ( ينظر الى اصابعه بهلع.. وهستريا) لا .. لا .. لست انا من اطلق على جسدك النار ، هل تصدق ان اصابعي هذه التي كتبت عشرات القصائد لأجل الانسان بوسعها ان تقتلك ، يا الهي ان جسدي يتحلل قطعة قطعة على الأرض وليس هناك من أحدٍ يوقف هذا التمزق الوحشي الذي يفتك بروحي الآن .. إنهض يا"زاهر" من رقدتك الآن وآمسِكْ بخناقي حتى تغيب عني الأنفاس .. فانا اعرف حد اللوعة حزنك الآن .. "زاهر" ما احوجني لرؤيتك وانت تنهض من غفوتك وتكون الى جواري حتى نجوب شوارع البلاد سوية ونشم رائحة الاهل ونمسح بأكفنا دموع الامهات وندين هذه الحرب التي خذلتنا .. "زاهر" هل تعرف ان الحرب انتهت دون اي انتصار لا نحن انتصرنا ولا من أسموه عدّونا انتصر.. المنتصر الوحيد كان الموت .. موتك انت.. لقد خدعت نفسي حين ظننت اني انتصرت على الحرب .. نعم خدعت نفسي .. ( ينهار على الارض ناحبا ).. انا وجه الحرب المتبقي ولابد من ايجاد وسيلة الى تدميره .. هيا انهض واطبق على انفاسي حتى استريح من هذه العناكب التي بدأت تغزو مفازات صدري .. فروحي تلوب بوجع لاحدود له .. هيا انهض يا"زاهر" واكتم انفاسي ..هيا ( يبدأ بهز شمّاعة الملابس بعصبية واضحة والتي مازلت متكفنة بالشرشف الأبيض ) انت وحدك من يمتلك القدرة على ايقاف حياتي بهذه اللحظة .. ولكَم اتحرّق شوقا وانا اراك تتقدم نحوي لتوقف خفقان هذا القلب الى الأبد .. هيا .. يا"زاهر" .. قبل ان يدهم الغرفة هؤلاء الجلادون ويأخذون برأسي الى جلسة مريرة من الصعقات الكهربائية .. ماعدت اقوى على البقاء بهذا المشفى.. انهم يحاولون ان يوقفوا تلك الشهقات الذبيحة التي تسكن روحي .. ولكن هيهات فالحرب لا يتوقف صراخها ابدا .. مادامت هناك مؤونة تديم هذه الحرب .. اسمها الانسان .. انا الحرب التي تتحرك الآن على قدمين ، احيانا أتيقن ان رصاصي قد ذهب الى السماء .. وتارة اخرى اهجس ان رصاص بندقيتي قد استوطن قلبك ، لكن يا"زاهر" ان الذي قـُتل في نهاية المطاف هو انا وليس انت ، والبرهان هاهي روحك تربض بكل دعة وسلام وهاهي روحي تلوب بالأوجاع والأحزان .. ماذا افعل للأوامر التي جعلتني اطلق النار عليك ؟ وانت تعرف انَّ ليس بمقدوري إخبارهم بأن الذي اصوّب بندقيتي نحوه..إنما هو صديقي .. وهذا يعني اني اموت معك ، كانت المروءة تتطلب مني ان اصرخ بوجه الضابط الذي اصدر لنا الاوامر ، اصرخ بوجهه واقول .. ان من نطلق عليه الرصاص.. هو صديقي ولكن شجاعتي خذلتني .. يالحياتي البائرة التي كنت ارنو بها الى الخالق بحواسي وروحي وكنت احسبها طاهرة لم يدنُ منها العفن .. ولكن الآن اشم رائحة تزكم الانوف تنبثق من اعماقي بينما اشم نسمات طيب تنبعث من جثتك الزكية وأرى ظلاما أخضر يغطيها ( يمسك بشمّاعة الملابس ) "زاهر" صديقي الحنون .. اعتقني من هذا العذاب الذي يحاصرني من كل حدب وصوب .. اني اتوسلك ان تعتقني .. اتوسلك .. ( يشعر ليس هناك اية استجابة من الجثة لنداءاته .. فيبتعد عن شمّاعة الملابس .. الى حيث اللوحة المعلقة .. يـتأملها قليلا ثم يلتفت بفرح الى الجثة من جديد) هل تذكر يازاهر هذه اللوحة التي رسمتَها لي في يوم زفافي ؟ لقد حرصت على حملها معي الى المشفى ، هل تذكر حين سألتك ماذا تعني هذه الزهور الغامضة ؟ قلت لي ربما سأصادفها هناك في الفردوس ، هل تعلم ياصديقي ؟ ان زوجتي طردتني من البيت وتبرأتْ مني بعدما عرفتْ ان اصابعي هي من اطلقتْ عليك النار ، كم حاولت اقناعها انني بريء ولم اطلق الرصاص على جسدك ، لكنها اصرّتْ وقالت لي كلاما موجعا .. اتعرف ماذا قالت لي ؟ قالت .. الآن عرفت سر الرائحة غير الطيبة التي تنبعث منك كلما استلقيت الى جواري .. نعم يا"زاهر" انها رائحة الحرب .. تلك التي مازالت تلازمني .. "زاهر" .. دعني أفتح المذياع الآن؟ فلربما المصادفة تجيء بالأغنية التي كنا نحبها سوية .. هل تذكرها ؟ سأفتح المذياع فلربما المصادفة تجيء بها .. هل تذكرها يازاهر ؟ انها اغنية فيروز .. انا وشادي .. هل تذكرها ؟ هل تذكر كيف كنا نجلس على ضفة النهر ونشدو بها معا ؟ الآن افتح المذياع .. فلربما نسمع الاغنية سوّية .. ( يرفع المذياع ويقترب من شمّاعة الملابس التي مازال عليها الكفن .. ويفتح المذياع امامها .. فنسمع صوت المذيع : فجر إنتحاري نفسه بحزام ناسف وسط سوق شعبي وكانت الخسائر .. يغلق صوت المذياع بسرعة و يقذف به على أرض الغرفة ) متى ننتهي من هذه المعضلة ياإلهي .. مذبحة في كل يوم ..؟ والعدو مازال مجهولا ؟؟ العدو الحقيقي هو نحن .. بل انا هو العدو الذي يستحق الفناء .. والبرهان .. اصابعي هذه التي اطلقت الرصاص على صديق العمر .. اما كفى .. أناشدك ياإلهي بحق أرض السواد أن توقف نزيف الدم المتدفق من هامة الوطن ، ( يبتسم بيأس ) صديقي زاهر سأحاول ان اغير مؤشر المذياع فلربما اجد تلك الاغنية التي احببناها دوما .. ( يذهب الى المذياع مرة اخرى ويبدأ بتحريك المؤشر ..حتى نسمع .. صوت المذيع وهو يقول .. كما انفجرت سيارة مفخخة في قلب العاصمة .. يغلق المذياع بسرعة) هذه البلاد ماعادت تحب فيروز يا"زاهر" .. ومثلما غزونا بلاد اخرى عاقبنا الله بقسوة هذه المرة وها نحن نشهد الغزاة يمرحون في شعاب الوطن ، غزاة بجنسيات مختلفة يشربون عصارة روح البلاد كل يوم ، ويوم يخرجون سيتركون خلفهم هذا الوطن نهبا لذئاب جديدة ، اللعنة على حظي وحظ الوطن العاثر ..( ينظر الى الأفق من النافذة ) .. لقد حل الظلام واقتربت ساعة قدوم هؤلاء الذئاب حتى يأخذوا بي الى حفلة الصعقات الكهربائية .. كيف انجو منهم .. كيف ؟.. لو كنت اجيد السباحة لرميت بجسدي الى هذا النهر وأتخلص من عذاب هؤلاء .. انهم قساة وبلا رحمة ، فهم يعمدون الى ان اتلقى جرعات من الصعقات الكهربائية اكثر مما اتحمل .. انهم يصعقون رأسي اضعاف العدد الذي اوصاهم به الطبيب ، وربما هو من كان يأمرهم بزيادة الصعقات الى رأسي .. وانت كما تراني هل كنت مجنونا ذات يوم ؟ كنت تطلق على رأسي تسمية الجوهرة ، لمهارتي بصناعة الصور الشعرية التي كنت ابتدعها في قصائدي ، هل تذكر كم هي الافكار التي اهديتها لك من هذا العقل الجوهرة كماكنت تسميه انت..؟ حتى تنفّذ بها تلك اللوحات الجميلة التي كنت ترسمها ؟ هل تذكر تلك القصيدة التي كتبتها لك ؟ سأقرأها عليك الآن .. سأقرأ لك القصيدة يا"زاهر" .. سأقرأها الآن .. ولكن دعني اتأكد .. نعم اتأكد .. من عدم وجود اولئك الذئاب قرب باب الغرفة .. ( يذهب ويضع اذنه على باب الغرفة ويصيخ السمع طويلا ) حمدا لله .. ربما الآن يلعبون القمار .. دوما عندما يلعبون القمار ينسون ما تنتظرهم من واجبات وتلك الساعات هي منتهى سعادتي .. سأقرأ عليك القصيدة الآن يا"زاهر" .. اسمعني جيدا ياحبيبي .. ( ينتشل الدفتر ذي الغلاف الأسود من الطاولة ويفتح الصفحة و يبدأ بقراءة القصيدة ) ..لوحاتك .. منفى .. ورؤاك شموس ، اعرف ان الحزن رغيف الفنان ، لكن خبّرني ماجدوى الدمعة لو سقطت في بحر الألوان ، اذاً اغمسْ ريشتك التعبى ، في ماء العين ، علك تجد فضاء آخر للوعة في شفة الانثى ، حين يحاصرها الوجد ، وترسم هذيان الجوع ، على خارطة الانسان.(يغلق الدفتر).. كنت اعرف انك تحب هذه القصيدة وسمعتك الآن وانت تردد الله .. الله .. إعجابا بها .. اتعرف يا"زاهر" ؟ بعد ان توقف الرمي على جسدك النازف .. فكرت بشيء غريب حقا .. اتعرف بماذا فكرت ؟ فكرت بمصير جثتك .. من ترى سيحملها الى امك الثكلى.. اتعرف ماذا فعلتُ يازاهر ؟ لقد تماديتُ كثيرا بوحشيتي وفكرت ان اطلب من الضابط ان اكون انا وليس سواي من يحمل جثتك الى الدار .. نعم لقد خشيت على جثتك من التعفن وربما تنهشها الكلاب التي تخيلتها وهي تمعن بتقطيع جثتك المخضبة بالدم الى اوصال ..كدت اتوسل ذلك الضابط كي احمل جثتك .. لكني تراجعت عن فكرتي في تلك اللحظة .. فلربما رغبتي بنقل جسدك الطاهر سيدع ذلك الضابط مرتابا مني .. وسيفضح ذلك السر الذي لم تعلن عنه وانت تواجه الموت .. فمن اطلق عليك الرصاص انما هو صديقك ؟! ولذا مكثت طوال الليل ارقب جثتك من بعيد خشية من اقتراب الكلاب المسعورة منها .. كان التعب قد نال مني كثيرا والحزن صار يخرّم قلبي كالمنشار ولكن صمدتُ طيلة تلك الليلة لأواصل حراسة جثتك .. كنت ادعو من الرب ان يصعد بجثتك الى السماء .. وكنت قلقا من الأوامر التي ربما تدعونا للأنتقال الى موضع آخر .. اتعرف يا"زاهر" ..؟ تلك الليلة كانت بلادنا والبلد المستلب بأسرهما يبكيان عليك ، وتراءت في مخيلتي صورة امك الثكلى تقترب من جثتك بهدوء وراحت تمسح الدم النازف من فمك .. لم تكن امك تبكي ساعتها .. رأيتها منشغلة بإزالة الدم عن جسدك الصريع ، لكنها سرعان ما اختفت .. حينها توقفت بجوار جثتك عجلة عسكرية هبط منها بعض الجنود وحرروا جسدك من الحبال على عجل وحملوك معهم .. اتعرف رأيت جثتك وهم يرفعونها الى حوض تلك العجلة .. غير ان روحك تقدمت نحوي .. لا ادري بالضبط ربما اولئك الجند رفعوا روحك فيما جثتك المدماة هي من تقدمت نحوي .. ولكن ها اني اراك الآن بكفن ابيض لاتشوبه الدماء .. لقد تقدمت نحوي ودخلت الى هنا .. الى هنا .. الى هنا .. ( يصرخ بحرقة ) .. نعم انت الآن تربض في صدري .... "زاهر" عزيزي .. اما كفاك صمتا .. صمتك اعياني سأدعك تتكلم اخيرا .. فليس هناك سواي من يعرف مواطن ضعفك ، نعم اعرف كل مواطن ضعفك .. ولذا ساحدثك عمّاحدث لملهمتك بعد ان وصل لها نبأ اعدامك ، هل نسيت ملهمتك القمحية التي رسمت لها عشرات الموديلات .. نعم ملهمتك "كوثر" تلك العذراء البتول التي تقطرمسكا وعذوبة .. تلك التي كانت تترقب عودتك من جبهة الحرب في محطة القطار والمطر يهطل فوق رأسها العصفوري الصغير .. ملهمتك يا"زاهر" انطفأ بريقها وتحولت الى حقل رماد ... بعد ان ايقنت انك غبت عن انظارها الى الأبد ، كم جاهدتْ لكي تعثر على جثتك وهي تجوب مع امك الثكلى كل مستشفيات الطب العدلي املا بالعثور على جثتك ولكن دون جدوى ، لكنها لم تيأس فظلت لشهور طويلة تجلس في غرفة مرسمك البيتي عسى ان يعصف بك الشوق ذات ليلة وتحنُّ الى رسم لوحة جديدة .. كانت ملهمتك قد اعدّت قماشة اللوحة وجهزّت لك الألوان وفتحتْ باب الغرفة وهي تأمل ان تطل عليها ذات فجر او مساء .. ولم تنس ان تفرش لك سجادة الصلاة .. سجادة صلاتك التي صارت "كوثر" تغفو عليها بعد ان تفرغ من الصلوات وترتيل الدعاء .. ملهمتك بدأت تذوي شيئا فشيئا وأحتل الشحوب وجهها وفرّت حمرة الشفق من خدّيها الى السماء .. وذات فجر دخلت امك الثكلى عليها .. فرأتْ "كوثر" مغمضة العينين والعصافير تتقافز على جسدها البتول .. نعم يا"زاهر" .. لقد لحقت بك "كوثر" الى السماء .. اما امك الثكلى بعد ان يئست من العثور على جثتك .. شيدّت لك قبرا ووضعت بدلا عن جثتك داخل ذلك القبر جميع لوحاتك وسجادة صلاتك .. تلك السجادة التي قادت بك مفاهيمها المقدسة الى ساحة الإعدام .. وانت ترفض الدخول معنا لغزو بلاد ثانية، نعم يا"زاهر" كما وضعت امك الثكلى داخل القبر جميع ثيابك .. اتعرف ماذا وضعت ايضا ؟ وضعت جسدها الثاكل يا"زاهر" .. واغلقت باب القبر عليها ونامت بسلام .. ( يصرخ والدموع تنهمر بغزارة من عينيه ) "زاهر" .. لست انا من اطلق الرصاص عليك .. "زاهر" ارفع يدك وصافحني .. لقد أزف وقت رحيلي وسأغادرك الآن .. ان المشوار انتهى يا"زاهر" .. نعم سأنهي هذه الدوامة التي تضطرب بأعماقي الآن .. اتعرف ماذا قررت ؟ اتعرف ماذا قررت يا"زاهر" ؟.. قررت ان القي بجسدي من هذه النافذة الى النهر مهما تكن العواقب وخيمة .. نعم يا"زاهر" .. هذه آخر اللحظات التي اراك بها .. ولا تستبعد ان هؤلاء الذئاب اذا ما دخلوا الغرفة ولم يعثروا على جسدي هنا .. فلربما يأخذونك بدلا عني الى ذلك المكان الرطب والمعتم وهناك ستتلقى الصعقات الكهربائية التي لاتتمناها حتى لأشد اعدائك .. انا بالحقيقة كما تعرفني انبذ فكرة الانتحار .. ولكني سأرمي بجسدي الى النهر عسى ان يصادفني ساق شجرة اتشبث به أو زورق صياد ينتشلني من الموت الأكيد .. نعم يازاهر سأغامر هذه المرة .. برغم اني لا احب المغامرات كثيرا ، ولو كنت محبا لهذه المغامرات لتعلمت السباحة .. كل الذي تعلمته من هذه الحياة ..أية حياة ؟؟ هل انا رأيت حياة حقا ؟.. اجد من الصواب .. ان اقول كل الذي تعلمته من الحرب لا من الحياة ، لان معظم سنوات عمري امضيتها في تخوم الحرب ، هذه الحرب الخائبة التي لم اتعلم منها سوى اطلاق الرصاص على صديقي .. فيا لها من حرب ماجنة وعفنة وشمطاء .. ربما بعد ان القي بجسدي الى النهر سأعثر على حياة اخرى تستحق ان تعاش .. وتستحق ان يـُكتب بها الشعر ويُنشد لها الشعر .. فلم اذق من هذه الحياة الا الأسى والويلات والشهقات .. صديقي "زاهر" وداعا .. وداعا ( يمد كفه الى شمّاعة الملابس منتظرا بقناعة ان تمتد الكف منها لتصافحه ) "زاهر" اما ترى يدي ممدودة لمصافحتك ؟ لا اطلب منك سوى ان تلمس يدك الباسلة يدي المتخاذلة .. وبعدها اغادرك الى النهر .. ارفع يدك يا"زاهر" وصافحني .. هيا ارفعها .. هيا ارفعها .. ( يصفن قليلا ) .... ولكن مهلا .. الم تقل ان رأسي يشبه الجوهرة .. نعم ان رأسي جوهرة .. وسأثبت لك بالبرهان كيف ان رأسي جوهرة .. انت يا"زاهر" مجرد جثة لاحراك فيها .. ولأنك تصرّ ان تبقى مجرد جثة .. فستكون قاربي في هذا النهر .. يالك من انسان رائع يا "زاهر" .. ايها الصديق العجيب حتى في جثتك تدّخر فائدة ومنفعة لي .. جثتك هي قارب النجاة .. يالك من صديق عجيب .. نعم تلك هي محاولتي الأخيرة لآغتيال شهقات الحرب التي مازالت تعوي في مزاغل جسدي.. ( يحمل شماعة الملابس وهي مغطاة بالكفن والتي مازال يظنها بقناعة تامه انها جثة صديقه "زاهر" ويقترب بها من نافذة الغرفة مسرورا .. ويخاطب جثة صديقه للمرة الأخيرة ) .. آه يازاهر .. اخيرا هاهي جثتك قارب الخلاص لروحي من هذه الحرب التي تحاصرني كحبل مشنقة ) يرمي بشمعة الملابس المغطاة بالشرشف الأبيض من النافذة الى النهر و يقفز بسرعة للـّحاق بها ونسمع صوت إستغاثتة الهادرة تشق هدوء الليل ) ... عراااااااااق ... آآآآآآآآآآه .

ظــــــــلام

تمت بعون الله والمنفى والجنون

• القصائد التي تم توظيفها في هذه المسرحية لكاتب النص ايضا .

• اختيرت المسرحية ضمن المجلد الأول للمسرح العربي المعاصر والذي صدر عن دار نون للترجمة والنشر والإعلام في مصر .

• لايسمح بإنتاج هذه المسرحية او نشرها على مواقع النت او في الصحف دون موافقة مؤلفها او الرجوع الى موقع سطور .