Facebook
نصوص كاسرة تمحو الخيبات PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: إبراهيم حسو   
الأربعاء, 30 تشرين2/نوفمبر 2011 16:31

hado
الشاعر العراقي هادي ياسين في «رجل وحيد» ... نصوص كاسرة تمحو الخيبات

ـــــــــــــــــــــ

يكتب الشاعر العراقي الكندي هادي ياسين، في مجموعته الأخيرة «رجل وحيد»، نصاً هادئاً إلى أقصى الحدود، نصاً عميقاً ذا فضاءات متناقضة ومتنافرة يحركها سكون اللغة حيناً، وضوضاء المفردة «المعادة» حيناً آخر، نصوصاً قابلة للتأويل المستمر لا يحكمها سوى ما تعنيه الكلمة، أو ما يعنيه الحدث الشعري. إنه يقيس جملته الشعرية كأنّه يقيس صحراء العراق وسهول كندا. الكلمات لديه ليست إلا سياقات تتوحّد تحت مسميات متعددة ومتنوعة.

كتابته صعبة وقاسية كسواد مدينته في العراق، ورحبة وعالية كوديان مكوثه الأخير، وهذا التضاد والتنافر بين القسوة والطهارة ما هو إلا صراع وجداني خلفته تراكمات الحياة السياسية، بحيث أوصلّته إلى الوحشية والبدائية عبر رحلة إنسان ارتحل قسرياً إلى بلاد أكثر شراسة ووحشةً، وأكثر عمقاً وصفاء. إنّه في ترحال دائم بين الكلمات والأشياء والزمن. مفرداته ما هي إلا طنين الوحدة والغياب والتيه والحرمان. كلّ كلمة هي نواح دفين وصارخ، وكل جملة مناجاة إلى ذلك الإنسان الذي ما زال خلف صحراء ممتدّة إلى أبعد من روحه. كلّ دلالة ما هي إلا شاطئ ونهر وصيادي السمك وضفاف مشعة. كل سياق خيبة أمل لا تنضب ولا تهدأ. كتابة هادي لا تشبه إلا نفسها كأنها صراخ عفوي في برية ممطرة على طول عويل لا يحتمل ولا ينقطع من مناجاة:

التفتُّ إلى المرآة

فرأيتُ رجلاً وحيداً..

يقرأ تاريخَ الأسى.

أو هذا المقطع الارتجالي الذي يضمر أسئلة عميقة عن معنى الوجود الإنساني، وعن ذلك التوق الممزوج بالألم عن معنى الصفاء والموت وثنائية الحضور والغياب. أسئلة عن الجسد والرغبة والذات والقلق الذي يصل إلى حدّ أن يكون جواباً خالصاً عن كلّ ما يجري حوله:

دائماً. دائماً. الأسئلة ُ تفتحُ لها كـُوىً في الغياب.

دائماً، تـُهيّئ قناديلَ لحضورِها، من أجلِ هيبةِ العقلِ وقلقِ النفس.

كلّ ما في الأسئلةِ يتحوّلُ إلى أفق

فيما أجوبتنا تتقافز مثل كناغرَ ونحن ندّعي الحكمة.

يمارس الهادي على الصورة شروحاً تفصيلية تصل به أحياناً إلى الوصف المندفع الغريزي، ويتطلب منه تفكيك الصورة ومن ثمّ إعلان ولادتها الثانية؛ الولادة الأكثر توهجاً وتلوناًّ. إنه يضيف إلى الصورة فكرة ما بعد التفكيك باللعب على الحدث الشعري عبر فضح الوحدة الموضوعية المغيبة بين الأشياء وحاضرها، وبين ماضي الأشياء ومستقبلها، وفي اللحظة ذاتها يكرّر تلك الصورة ويغمسها بشكل لغوي مخادع، وبصحيح العبارة ينتج نصاً جدلياً ضمن فسحة لغوية مفتوحة على تأويلات لا تنتهي بالكلمات، ولا بتلك الصرخة التي يبدّدها الصمت المنفلت من حسرات المفردات المتحوّلة والمتهيجة معاً:

هكذا

مثلَ دُخان

مثلَ دخانٍ في الفجر

دخانٍ من ليلٍ ماضٍ دائماً

بهدوء واطمئنانٍ ورَوِيّة..

تتسرّبُ الذكرياتُ في فضاء

يَعِدُ.. ولا يَفي

دائماً لا يَفي.

اللغة في «رجل وحيد» لا تنام. مشغل لا يهدأ. كلمات في عدو مستمر من معنى إلى معنى، من لفظة إلى أخرى، المدلولات تتقافز في فسحات بهلوانية، لغة ذات مزاج لعوب لا ترتاح من تأجيج المرح والألفة بين الجمل التي كثيراً ما تتكرر نظراً إلى الجمالية التي تتركها والبهاء الذي يبقيه عند القارئ.