Facebook
المثقف التبريري في التجربة الديمقراطية PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: حسين العسلاوي   
السبت, 22 تشرين1/أكتوير 2011 16:19

7oseen
في ثنايا مقال منصرف من جريدة الصباح، سقنا جملة من الاشارات الموزعة على سطور الموضوع الموسوم (بفاعلية المثقف في البيئة الديمقراطية) افردنا قسما منه لبروز ظواهر عينية قاومت تخدير واستلاب الديمقراطية لعدة المثقف العراقي، وفق انساق اسست ركنا قيما تجاوز تخوم اعاقة حركة الوعي الباطني للمشتغلين بالحقل المعرفي عبر النقد بمعية الموقف كما جسد ذلك هادي المهدي بدمه مؤخرا . وذاته ما يستلزم علينا استكمال الحلقات المستحكمة لاستبيان ضبابية المفهوم ومنعكساته على اندفاع المثقف في اطار الحركية المنغمسة في ماهية الفعل الاجتماعي، كلازمة من لوازم التعاطي المعرفي في تجليات المطلوب والمسعى، بما يضمن خط التوازن بين الدور وردة الفعل الاجتماعية، تجنبا للخطأ الفادح الذي سقط فيه المثقف حين اخفق في التعامل مع مفهوم الديمقراطية كقيمة ارتقائية لذات الانسان وانصرف لتبرير سلوك المؤسسة وحواضنها اعتقادا اوتسليما منه بان الراهن المتاح يوفرالبدائل القيمة للمجتمع، وهذا كثيرا مايحدث ان يتسلل مفهوم الى التدول العقلي والسائد اللفظي يسبق التوصل الى تفكيك ما يستبطن من جزيئيات قد تتجاوز مراتب الفهم الظاهري كما يلحظ في المفهوم المقصود، وبحلوله تشترك العامة مع النخبة في قصر استيعاب التحولات الجذرية كما حصل مع المثقفين والمفكرين الفرنسيين عقب احداث ثورة مايو 1968بالنوع الذي سببت لهم صدمة قادتهم الى مراجعة تشريحية لدورهم .

وبالطبع انا لااعني هنا عدم ادراك المثقف للديمقراطية بتعريفها العابر، انما الامر يتطلب وضع صيغة تعاملية تحدد طبيعة العلاقة بما يضمن ضغط وحصانة الذات المعرفية من الانسياق باتجاه تبرير وتلوين مشروع السلطة بمجرد اعلانها حمل المفهوم بدون اختبارها في ميدان الوضع الاجتماعي .

والى جانب قصر الادراك لحجم المفهوم كما مر آنفا،سعت المؤسسات الى احتواء وضم المثقف و وضعه تحت رحمة الجهة القابضة مع ماوفرته من ترف مالي بالمقارنة مع الزمن السالف تمكن من اخراس الصوت الثقافي .

وهذا ما تنبأ به الفيلسوف الفرنسي(لاميل شارتيه) في اشارة ذات معنى بليغ (اليوم في هذا العصر حيث المال هو الملك بالقوة ارى ان النخبة ستحل اكثر فاكثر بفعل الترف في البيئة الديمقراطية)، اي ان واقع الصمت صار فعلا مقبولا بتدريب الذات المتمردة على استساغة الوضع وباكتشاف السلطة لهذه المثلبة التي اسهمت بتشرذم وتذبذب مجتمع المثقفين روجت الى مفهوم اخر ساعد في تكميم الافواه برفع طلب بلغة مستلطفة بهدف كف وحجر المثقف عن النقد والتظاهر والاعتراض. الا هو الحفاظ على المصلحة الوطنية للبلاد والمنتهكة بمجهود القوى المتولية اي ان نقد المثقف صار يضعف الجبهة الداخلية، وهي تبريرات رائجة انطلت على البعض فيما توهم الاخر بضرورتها القائمة ليقع بفخ الاغراء والمكتسب تاليا، وليضطلع بمهنة التبرير .

وعين الحال ما حذر منه المفكر الفرنسي (جول لانيو) في طيات ميثاقه الذي جاء لهذا الغرض (اننا ننكر على انفسنا كل توق للشهرة والترف والمال ونمنع انفسنا عن كل طمع في ان نصبح ذوي سلطة وقوة ونفوذ حتى يختم بيانه بلافتة رائعة يؤكد من خلالها على ان هذه الظاهرة تخلق وهما للمثقف وتعطل فعله برغبات الفئة المتصدية) ودون شك ان فوضى الفعل استحدثت مع التحولات السريعة التي اربكت الفاعل الثقافي .

وهنا وباجتياز فحوى السطور الاولى يقفز السؤال الى مخيلة المثقف ما العمل؟

وبما ان المثقف حسب فهمنا هو رسول صرف تفرض عليه المسؤولية ولوج سواكن البيئة المحيطة للارتقاء بها مع الابتعاد عن محاذير السلطة او الترويـج لها والاضطـلاع بـدور المدافع الشرس.

كما حذر من ذلك المفكر ادوارد سعيد حين طالب بـ(عدم استدراج ورضوخ المثقف الى بوتقة الامر المتنفذة وتحت كل التوهمات والحجج بغية ممارسة عملية الذود عن الحاكم بما يفقد تكوينه)..

والحجة المطلوب حشرها هنا للدلالة القاطعة هي تعاطي بعض المثقفين مع التظاهرات ونقدها بشكل مفرط تحت يافطة القول ان الوضع ديمقراطي فلماذا التظاهر؟ وهو فعل مرفوض لايزول بدفع المبررات او سلامة الموقف كما يعتقد البعض بل هو اثم لايغتفر للنخبة التي ليست مهمتها التبرير بل وحتى الصمت بما يعرض نفسها لادانة التدوين التاريخي.

وعلى ضوء ما تقدم تبدو امامنا الافاق مشرعة لاستخلاص نتيجة الانزواء بالمعنى الذي يؤطر الممارسة المثمرة للمثقف ومعه تبوب الديمقراطية الحاكمة مجرى النفوذ القسري على الشعب بتأشيرة دخول من المثقف التبريري، الامر الذي دفع الفيلسوف المتأخر (موريس كلافيل الى المطالبة بنزع السلطة التي تنشأ برأس كل مثقف نتيجة التأثير السياسي عليه).

وباعتقادنا فان هذه المرحلة هي ماتسمى باللحظة الحرجة التي تنقل المثقف من رواقه المعرفي وميدانه التفاعلي الى زوايا الخنق الضيقة وهوامش السلطة بما يسهم بموت الوعي التام والادراك الحسي النافذ بواقعية المجتمع وفق التكوين التاريخي التي تمنح المثقف اطاراً حركياً متنوراً لانقاذ المجتمع الناشئ عبر محطات اجتماعية لم يكن للسجال الفكري دور في انضاجها انما نمت بتلاقي الديني بالموروث الزاحف بحمولاته الثقيلة ليحل كبديل عن الفاصلة التأريخية في التكوين المجتمعي كما لدى الدول القافزة لمرحلة الابتداء..

وهذ المجتمع بتركيبته غير المتجانسة وبتخلي المثقف لصالح المتولي للشأن العام يساعد على ابتلاعه من قبل الفئه المتصدية.

وخلاصة القول ان الديمقراطية وفق التعامل هذا تضمر عداوة للمثقف بدون حالةشعورية تقوده الى نشاط غير محمود ينساق له بتاثير جملة من المسوغات افضلها معيبة . بما يعني ان الاطر والمفاهيم الناتجة لتنظيم الحياة تستدعي وعيا مركبا للنخبة من اجل ايجاد ثنائية مشتركة قبل الانبراء الى ساحة التبرير وتلويث المسيرة الناصعة كما لوحظ في الاونة الاخيرة.

عن الصباح