Facebook
عشر عجاف PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: دلال جويد   
الجمعة, 21 تشرين1/أكتوير 2011 09:25

dlaljowed
كنت أتجنب الحديث عن عشر سنوات من عمري من سن العاشرة وحتى العشرين، أتجنب الحديث بينما لم أٌشف من وجعها، ولا خرجت منها بالكامل تلك السنوات المرة، لم أكن أكتبها بدعوى انها تجربة شخصية لا تعني أحدا، بينما كان ينبغي أن أخبر حبيبي أن عليه أن يحبني بمقدار عشر سنوات أخرى غير زمن الحب الخاص بنا؛ وفي ذلك الحب "حب السنوات العشر" ينبغي أن يكون أبي ولا يخذلني أبدا بالغياب، طفولتي اشبعت بالحرمان وأ...ريد تعويضا يليق بي.

أتجنب كثيرا من الأمور، لأني ببساطة لا أقوى على مواجهتها، أتجنب نشرة الاخبار، والصور التي تبثها، أحسست أني حصلت على جرعة اجبارية زائدة من صور المعركة كانت تأكل طفولتنا خلال السنوات العشر المرة، لذا اكتفيت من مشاهدة الموت، أنا امرأة قليلة ولدي ما يكفي من الوجع، قررت أن أهرب من مواجهة كل الموت الذي تلتقطة عيون الكاميرات.

ولأن الموت لا يكف عنا طالما بقينا على قيد الحياة؛ فهو حاضر دوما، اليوم فتحت صفحة النت لأجد صور القذافي اللعين مقتولا، ومع كل ما في الخبر من فرح، فقد بدأت الهرب، فأنا أكره أن أرى وجوه الطغاة احياء او أمواتا، انتقلت بسرعة الى صفحة أخرى ليكون " الكلك" على صفة تبادل الأسرى الفلسطينيين، لم أكن انوي التعليق عن مدى الربح أو الخسارة التي اشبعت حديثا في الاعلام وصفحات الفيس بوك، ولم ارغب بتحليل الرسالة التي أرادت أن توجهها اسرائيل للعالم ولأبنائها نتيجة هكذا صفقة، كل ما أخذني هو وجوه الاسرى عيونهم الطافحة بالشوق والمفتوحة على سماء بلا قضبان، وجدتني استعيد سنوات السخام الذي تراكم على جبين حياتنا، وأعود هناك طفلة في العاشرة أرى رجالا يواسون جدي ونساء يأتين معفرات بالتراب يلطمن وجههن ويجدن النواح والنشيج أكثر مما تجيد الدمعة سقوطها، لم أكن أتقبل فكرة فقدان أبي في الحرب، وهن يصرخن بوجهي " ولج لابسة الوان وابوج ماكو؟!" كانت أمي مغلفة بالسواد وتبكي بدموع كبيرة جدا كأنها تحمل نهرا في رأسها، وكنت ابكي، لكني اصرخ بوجوههن رافضة هذا العزاء الذي نصب في باحة البيت فأبي لا يموت، بعد أسبوعين من العويل الذي ملأ روحي كان الراديو الصغير الذي يرافق أبي دائما فوق سطح الدار هو الذي يبث صوت المذيع الايراني وهو يقرأ قوائم اسماء الاسرى بينما التشويش يرتفع ويخفت ونحن ننصت بصمت ولهفة تتلوى من القلق، حين وصل الى اسم أبي قائلا جويد تعبان فتحي، كانت أمي مرتعبة من أن يكون المذكور شخصا آخر فاسم جد أبي ليس صحيحا، لكن أسماء الأسرى الآخرين الذين نعرفهم معه أكدت لها أنه وقع في الأسر بعد أن يئست من البحث عنه في ثلاجات الموتى وهي المرأة الرقيقة التي تخاف من الحزن ومن الموت ومن السواد، استسلمت لفكرة الأسر لأنها تعني الحياة في مقابل الفقدان الذي يقدم احتمالات مختلفة أبرزها الموت.

سنتان مرتا ونحن نرتدي السواد، أمي اشترت لي ثيابا سوداء لتتجنب همس العمات، وقررت ان تحميني أنا التي أخطو باتجاه مراهقة حزينة قررت أن تحميني من أعمامي أولا، فكان الثوب الأسود درعي الأول، حتى جاءت أولى رسائل الصليب الأحمر، تلك الرسالة التي سهرنا أياما ندعو الله أن يأتي بها بعد أن يئسنا من دعاء عودة أبي نفسه، توالت الرسائل المفتوحة المقسومة الى نصفين، الرسائل المٌراقبَة من حكومتين طاغيتين، تلك الرسائل المحملة بكثير من الدمع كانت هي الزاد الوحيد طيلة سنوات مراهقتي الحزينة.

ذات مرة وبعد مرور شهرين على العيد ولا أذكر أي الأعياد كان، وصلتني بطاقة معايدة من أبي باسمي كنت أحملها في حقيبتي المدرسية، كنت أريها لمعلماتي وصديقاتي وخالاتي وعماتي، كنت أريهم أن لي أبا يحبني وسيعود يوما من الأسر، عاد الأب وعاد الحب، لكن عشر سنوات لم تعد، فقد رحلت ومعها مرحلة بكاملها لم أعشها كما ينبغي..