Facebook
"همسات ثائرة"..انتفاضة الأنثى PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: علاء كعيد حسب /المغرب مراكش   
الجمعة, 14 تشرين1/أكتوير 2011 16:56

من النصوص ما يدفعك، بعد قراءتها، إلى تدوين ما راكتمه بعاطفتك على ورقة، كأثر على مرورها من روحك و تذكارا لحرف ساحر فتح آفاقا في اللغة و بؤرا عديدة للاستفسار. و في هذا الإطار يندرج ديوان "همسات ثائرة" للشاعرة المغربية "نعيمة خليفي" الذي دفعني دون تفكير لمحاولة مقارعة تجلياته من خلال هذه القراءة التي أتمنى أن تنصف الديوان و مؤلفته.

na3ema

ديوان "همسات ثائرة"، زلزال يهز المفهوم التقليدي للرجل..انتفاضة الأنثى على كل ما هو نمطي في المجتمع العربي، حيث الأعراف و الثقافة و شمولية الذكر، مجرد قوقعة من الضروري تحطيمها و اختراقها إلى ما يسمو بالمرأة و معها إنسانية الإنسان. و في الديوان نصوص ذات لغة متمردة تحاول التوفيق بين المتناقضات، لتحقيق رؤية شعرية تنفذ إلى عمق العاطفة. و قد تكشف هذه الصورة، التناقض الخلاق الذي جعل قصر الخشب حصنا ضد النار:

قصري الخشبي سر وجودي

هو حصني المنيع من الاحتراق

و نزوعها إلى تغيير واقعها كان لأسباب ذاتية و موضوعية، دفعتها إلى كسر القيد كلما تسلل الغيم إلى مخيلتها، ليحي ذلك، الشعور المبهم لمفهوم الحرية:

كلما راودني الغيم

و ارتجت أخيلتي

بوخزة من جمرة الشفق

كلما انتابني ذاك الجنون الخفي

كلما جرى ذاك السواد في نهري

و جن جنون زهرة الربيع..

و قد حاولت الشاعرة بقصائدها تحدي الموروث الاجتماعي و تجاوز العقد التي أثقلت كاهلها، كامتداد لرحلة تصحيح المسار و تزكية للدور الإلهي للمرأة في المجتمع و سيرورته. و لعل الشاعرة من خلال هذا المقطع، تعطي الضوء الأخضر لانطلاقة امرأة استجمعت طاقاتها الفكرية و الجمالية لتقول: كفى، و تبدأ مرحلة من التحرر بطعم الخلود و الانتصار:

من هذه اللحظة

لن ألهث خلف زمني

بل سأدفن ما تبقى من عمري

في قاع زرقة البحر

لكي لا تجف أوراقي

ستكون ورقة الخلود

بينها..

و من المميز في شعر "نعيمة خليفي" نظرتها الرومانسية للعلاقات بين البشر، فحين قالت في أحد قصائدها: "سعيد من يصافح بحب.."، فضحت رغبة جامحة تدفعها إلى التفاعل مع محيطها بصدق. و كأنها تشير إلى أن زوال كل الحساسيات و حل كل الخلافات، يكمن فقط في التواصل بحب..و صدق.

و القارئ لديوان "همسات ثائرة" سيتنفس، من دون شك، هواء مطعما بروائح مختلفة من حديقة الأدب الإنساني. فمثلا، ينقشع عشق الصوفي و لوعته واضحا في هذه الصورة: "ركعتان لها و أخرى لذاكرة الهمس..هي آية لها وجعي"، لتتحول في نفس القصيدة، و مباشرة، إلى التصريح بأبجدية "يانيس ريتسوس":

لوطني المنسي

لجنسي المقصي

للحلم العصي

إلى من رحلوا إلى عالم عصي

لم تظل إلا الذكرى بطعم القر

و في الديوان أيضا، محاولة الشاعرة لاستحضار وجعها القديم و الأزلي، إحياء لجرحها "الحلم" على جسد اللغة:

أين أنت يا وجعي؟

بلهجة الغسق أناديك

ستظل حلما

ستظل جرحا

ينزف..ينزف..ينزف

و هذا الوجع لا يمثل انكسار الشاعرة أو هزيمتها، بل هو هروب لا مفر منه، لتتمة الحياة كما ترضى و تشتهي، كأميرة في حديثة غناء:

نثرت النور من حولي

و بددت نبراتي السوداء

لنجم رآني زهرة ذابلة

انتشلني من خوذة الهشيم

سكب لألئ المطر في أدغالي

أحالني إلى وردة متفتحة

ترفل كأميرة في حديقته الغناء

ديوان "همسات ثائرة"، كأس ملونة من نبيذ الآلهة..تحية لنجم أبصر الشاعرة بينما تتوسد أوراقها القديمة و تحت وسادتها ينكسر الموج، لذلك فكلماتها سرير لكل من يريد باقة من الأحلام لتؤنسه، و قنديل من ألق شمسها لمن استوحش في وحدته. و هو بامتياز، ديوان يستحق أكثر من وقفة و قراءة، لشاعرة دفعها الضغط إلى الانفجار، و التعبير عن رفضها لواقعها و ما يرافقه من تجليات، عبر همسات ثائرة.