Facebook
منتهى محمد رحيم شمعة مسرحية لا تذوي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: جاسم المطير   
الخميس, 06 تشرين1/أكتوير 2011 15:53

montha
كثير من الفنانين المسرحيين خاصة من تلامذة برتولد برشت يرون أن الحياة حلم ينبغي أن يتحول إلى واقع ٍ يراه الناس ، يسمعون صوته وصداه في مكان ما ، في زمان ما. من هؤلاء كانت المخرجة المسرحية العراقية (منتهى محمد رحيم) التي ابتدأ جهدها الجاهد منتصف سبعينات القرن الماضي وهي تحاول أن تلمح في كل كلمة تقرأها أو تكتبها معنىً جاداً من معاني أحلام تسعى إلى تحقيقها لخدمة الطفولة العراقية بتحويل أسارير عقلها ووجهها شعاعا جديدا على خشبة اسمها وعنوانها: ( مسرح الطفل) إذ كانت على تصميم قوي منذ بدء دراستها الأكاديمية الأولى لتحويل قصص الطفولة وبهجتها إلى إبداع على خشبة المسرح ، واجدة ً في ذلك النهج نعمى رشيدة مفيدة لأطفال العراق البائسين في ظل حكومات متعاقبة لم تحمل لهم سعادة وغبطة منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة حتى اليوم.

سمعتها تتكلم ذات يوم بعد تخرجها من أكاديمية الفنون الجميلة أنها تهدف لتحويل حلمها المسرحي إلى فردوس مسرحي ، فقررت أن تحرك أدواتها المسرحية في ظرف صعب لتحريك القوى المسرحية العاملة في حدود ما يسمى بـ(مسرح الطفل) والمساهمة مع مبدعين آخرين في تأسيسه وتطوير إقامته في العراق.

كان المسرح حلم البداية لدى الفنانة منتهى،

كان مسرح الطفل حين أنهت دراستها في أكاديمية الفنون يستهوي كل خواطرها ، حالمة ً أن تريح أفكارها وترضيها على خشبة مسرحية تطرب الأطفال وتعلمهم.

كان منظر الأطفال وهم يرون أنفسهم في مسرحية ، هاتفين ، مصفقين، مسرورين ، حلما ً من أحلامها الكبيرة تريد أن تزوره ويزورها في كل عمل ينال مودة الأطفال وصداقتهم.

هل حققت منتهى محمد رحيم أحلامها..؟

نظرتْ هذه المخرجة إلى واقع مسرح الطفولة في العراق. كان مدرسياً في تكوينه ومنتجه حتى جاء الفنان قاسم محمد في بداية سبعينات القرن العشرين برؤية جديدة لأخذ مسرح الطفل إلى آفاق جديدة في مسرحيته (طير السعد) ليشيد أساسا قويا لمسرح الطفل العراقي رغم أن هذا النص كان مرئيا للصغار والكبار – كتبت عنها مقالة عام 1972 نشرت بصحيفة الراصد البغدادية – ثم جاء قاسم محمد بمسرحية (الصبي الخشبي). سرعان ما قام هذا الفنان بالتفرغ لآماله الضخمة للمساهمة ببناء مسرح عراقي رصين منصرفا عن مسرح الطفل. لكني وجدتُ ، ذات يوم ، في لقاء بالمصادفة تمّ بيني وبين الفنان عزي الوهاب في فندق ببرلين الشرقية ، حيث نشأت بيننا علاقة صداقة قضينا أيامها معاً. هناك أطلعني فيها على مشروعه المخطط في التفرغ الكلي لمسرح الطفل بالاستفادة من تجربة جمهورية ألمانيا الديمقراطية آنذاك، كما أطلعني على آماله في مسرح العرائس وأفلام الكارتون لجعل شاشة التلفزيون العراقي واسعة أمام فنون الأطفال ، لكنه سرعان ما رحل من هذه الدنيا قبل أن يحقق هدفه المعني بعد إخراجه مسرحيتي ( الوردة والفراشة ) و ( الفرارة الطائرة ) . ثم جاء الفنان سليم الجزائري ليدهشني بأفكاره وأحلامه وغرابة تخطيطاته وجمالها للمساهمة مع القلوب النقية الطاهرة في تأسيس ( مسرح الطفل) بعد عودته من دراسته الأكاديمية خارج الوطن وقدم مسرحية لا أتذكر اسمها الآن عام 1976 من إعداده وإخراجه لكنه سرعان ما غادر العراق بعد ان اكتشف صعوبة تنفيذ دوره في تحقيق أهدافه في ظل دولة تريد تسييس (تبعيث) كل شيء في البلاد. التقيت به في محطة هجرته الأولى في الأردن ليطلعني على ملف كتاباته الكثيرة وترجماته الكثيرة في ميدان مسرح الطفل بعد أن أنهينا تناول ثريد (الباجة) في ليلة جميلة ببيت صغير كان يسكنه ليس جميلا . كما التقيته في السويد عام 1999 وهو ما زال مواصلا البحث في تعميق ملفه عن مسرح الطفل.

مرت السنوات عجلى منذ منتصف سبعينات القرن الماضي على عدد آخر من الكتاب والمخرجين المسرحيين من أمثال محسن العزاوي وعباس الخفاجي و سعدون العبيدي وغيرهم من الذين وضعوا حجرا فوق حجر في بناية مسرح الطفل لكنهم ما طاقوا صبرا في مواجهة الصعاب العديدة الموضوعة من قبل الدولة .

منذ تلك الفترة حتى اليوم وأحلام مسرح الطفل ظلت مشتقة من مشتقات نشاط المخرجة (منتهى محمد رحيم) ، مطبوعة ، بذكاء ، في ذهنها وتطبيقاتها العملية. كانت السنين تزيدها ، تجربة بعد تجربة ، بصبرٍ وقور ٍ في ظل ظروف موضوعية أحاطت بواقع المسرح العراقي كله حين امتثل للتوقف عن الارتفاع عن ذروة ما وصل إليه في السبعينات بعد أن اشتاقت دولة صدام حسين في الثمانينات لكل نوع من أنواع الحروب الداخلية والخارجية ومنها الحرب العراقية – الإيرانية التي أثرت وعطلت اغلب الطاقات المسرحية العراقية وعطلت أفعال وإبداع المسرحيين العراقيين، الذين ما سمح لهم الانتفاع بوقتهم كما ينبغي، ولا بنظرياتهم كما يجب ، فضاع هباء ً الكثير من الجهد والعلم والأدب المحيط بكل نواحي الفنون المسرحية الجميلة .

ظلت روح الفنانة منتهى محمد رحيم مهيأة على الدوام للتمتع بالأحاديث والمتابعة والدراسة بما تسوقه لها تجارب العالم العربي والأوربي، الغربي والشرقي، فانتهلت معارفها من طيبات مسرح الأطفال وتجاربه حتى اقبل الدهر عليها بصدر واسع وخلق وادع وصبر جميل وبتعميد ودعم زوجها الصديق المخلص الفنان حمودي الحارثي، الذي قام مقامها في شئون البيت ورعاية الأطفال، فكانت شهادة الماجستير طوع بنانها وأمر مثابرتها بدراسة مستفيضة عن مسرح الطفل ، بعد أن تطبعت بملء وقت فراغها بما يزيدها معرفة ، وعدة ، وعلما ، بلذة العمل من اجل إنهاض (مسرح الطفل العراقي) نهوضا لم تجد معه إخلادا للراحة حين التقت أحلامها مع أحلام ونصوص كتاب تقدميين كانوا منقبضي النفوس من شدة ووطأة إعلام الحرب ، ومسرح الحرب، وقصص الحرب، التي كانت دولة صدام حسين ووزيره لطيف نصيف جاسم تطبل بالحرب كوسيلة من وسائل ثقافة مشعليها ، بينما كان الزهو الشديد في أعماق منتهى محمد رحيم يعتمل وينضج و يحاول أن يبعد الطفل العراقي عن أجواء الحرب وإسقاط رذائلها عن عيون الأطفال وحياتهم الملتهبة بفواجع الضحايا من أبائهم في سوح الجبهات المتقاتلة . التقى هدفها النبيل هذا مع أهداف كتاب تقدميين من أمثال محي الدين زنكنة (بعقوبة) وجبار صبري العطية ( البصرة) وقاسم محمد (بغداد) . ظلت لعقدين من الزمن تبحث عما يعافي مسرح الطفل من أمراض تعبئة الطفولة في الأغراض الحربية .

بداية تساوت الأسباب والدوافع عندها مع عدد من الكتاب المسرحيين التقدميين لكي تقدم زهور نعيمها إلى أطفال العراق بمسرحية من إعداد الفنان قاسم محمد مما دفعها إلى رفع نبض حياتها فوجدت نفسها منشغلة ، بعد ذلك، بإخراج مسرحية الفنان فائق الحكيم ، كما طارت فراشات إبداعها في مسرحية كتبها جبار صبري العطية ، من ثم تعطر مسرحها بعطر طيب من الكاتب التقدمي محي الدين زنكنة عام 1989 لكنها لم تكن مسرحية أطفال هذه المرة، نالت خمس جوائز حين عرضت على مسرح الرشيد . كما نالت مسرحيتها الخاصة بالأطفال التي قدمت بنفس العام أو بعده – لا أتذكر – كانت بعنوان (مملكة النحل).

ظلت المخرجة منتهى محمد رحيم تحمل قدرتها على مواصلة العمل. خبرت نفسها بنفسها لتمشي بقية حياتها المسرحية حول (مسرح الطفل) لكن يدها وعقلها حُسرا عن العمل في هذا الطريق حين كبحها مرض اشتد عليها في تسعينات القرن الماضي بعد أن توقفت عن النشاط المسرحي العراقي الذي صار مرذولا ، سطحيا ، مريضا بهوس منقبض بالتجارة وفيها ، حين بسط الحس التجاري والسقوط التهريجي، فصارت أعمال تلك الحقبة غيظا في روحها فتوقفت عن العمل مثلما توقف زوجها حمودي الحارثي عن أفعال الكوميديا التي وجدها منحرفة عن غاياتها .

ثم وقع شر المرض اللعين على جبهة المخرجة منتهى محمد رحيم ، صابرة ، سنين بعد سنين ، على مضض العقاقير اليومية مما اضطر الجراح العراقي اللامع الدكتور عبد الهادي الخليلي أن يرهف سمعه لنداء قراره السريع الجريء بإجراء عملية جراحية معقدة ودقيقة في باطن دماغها كي يعيدها إلى وهج الحياة ، لكن المرض منذ ذلك الحين وحتى الآن ، لم يترك لها فرص السمو بما يحقق أهدافها وأحلامها بمسرح الطفل.

لم تجد مسرة منذ ان جاءت قبل سبع سنوات إلى هولندا ليلم شملها وأولادها الثلاثة، الحارث ، البشير، السندباد، ومع زوجها الحارثي فالعمليات الجراحية في مستشفى مدينة لايدن متواصلة من أكفا المهارات الطبية الهولندية لإنقاذ حياتها كان آخرها في بداية أشهر سبتمبر الماضي.

غابت سعادة حلمها بتأسيس (مسرح الطفل) كما كانت تهوى وترغب وتريد، رغم أنها تركت بطاقتها الزرقاء على بنيانه لونا ً، وطرازاً ، لكنها ، الآن ، وهي على فراش المرض الثقيل في مدينة هولندية هادئة، تزهو بسعادة من نوع آخر. ابتكرت لأولادها الثلاثة سماء صحوة وطريقا ملهمة ودورانا في مدارها، ليحملوا رسالتها الفنية بين أيديهم ليكملوا رسم ألواحها التي حلمت بها من اجل مستقبل الطفولة في العراق ، فقد تحقق حلم كبير من أحلامها بتحويل ابنها البكر الحارث إلى فنان يزهو بكامرته ليصنع حواراته مع الفنانين والمثقفين العراقيين على الشاشات الفضائية . كما ساح ابناها الآخران، البشير والسندباد ، في سوح الدراسات الأكاديمية تشييدا لأسس مستقبلهما المودع لصالح شعبهم ، الذي أنجبهما مودعا إياهم تحت رعاية اليد الظليلة، يد الفنانة، منتهى محمد رحيم ، التي تدفعها دموع مآقيها المترقرقة من اجل أطفال العراق حافظة في أعماقها مسرتهم وسعادتهم وغبطتهم.

لن تستطيع العلة أن تذوي وهج حياة العائلة الفنية الحارثية إذ ستبقى ناضرة مزهرة لن يصدعها مرض طالما ظل شعب العراق وفنون مبدعيه نميرا عذبا في قلوبهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بصرة لاهاي في 30 – 9 – 2011